النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12099 الثلاثاء 24 مايو 2022 الموافق 23 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

ســـد الاســـــتقلال العالــــــــــي

رابط مختصر
العدد 9179 الاربعاء 28 مايو 2014 الموافق 29 رجب 1435

تذكرت قول الشاعر العربي القديم وما سمي الإنسان «إلا لنسيه ولا القلب إلا لأنه يتقلب» حين تنبهت متأخرا إلي أن اليوبيل الذهبي لبناء المرحلة الأولي من السد العالي يحل يوم الأربعاء 14 مايو 2014، وما كدت اتلقف الإشارة حتي جريت في الزمن نصف قرن إلي الوراء، ووجدتني أقف لاهثا علي ناصية شارعي 26 يوليو وطلعت حرب بوسط القاهرة بين زحام كثيف من الناس اتابع بذهول ممزوج بالفرحة سيارة مكشوفة يقف في حوضها الخلفي الرئيس جمال عبدالناصر وإلي جواره رئيس الوزراء السوفييتي «نيكيتا خروشوف» يلوحان لحشود الناس الذين اصطفوا علي الجانبين، واطلوا من الشرفات والنوافذ وفوق أسطح البنايات العالية يلقون قصاصات متناهية الصغر من الورق الملون بكل ألوان الطيف ويلوحون بأيديهم وتتعالي هتافاتهم ممزوجة بزغاريد النساء، ترحيبا بضيف مصر العظيم قائد المنظومة الاشتراكية وزعيم القطب الثاني من العالم ثنائي القطبية، الذي كان يقوم عليه النظام الدولي آنذاك، والذي جاء لكي يشاركهم الاحتفال بابتداء المرحلة الأولي من بناء السد العالي. اختفت ذكريات الفرح والفخر التي شعرت بها في تلك اللحظة بين ركام السنين العجاف التي مرت بعد ذلك، فأضافت إلي عمري نصف قرن وإلي جبهتي تجاعيد وأثقلت بالهموم قلبي حتي توهمت أنني نسيتها ولكن شرارة التذكار أعادت تحليق كل ثانية فيها، وكأنها حدثت بالأمس إذ لم تكن معركة بناء السد العالي حدثا عابرا في حياة جيلنا والأجيال التي سبقتنا، ولكنها كانت ميلادا جديدا لنا.. ولوطننا ولأمتنا. كانت فكرة إنشاء لسد بحجز المياه عند أسوان ويمكن مصر من أن تدخر خلفه جانبا من مياه النيل الفائضة عن حاجتها في السنوات التي يكون فيها إيراد النهر عاليا، لنسحب منه في الفترات التي تشح فيها مياه النيل فكرة قديمة بدئ في تنفيذها بإنشاء خزان أسوان عام 1902، ليظل حلم تعليته واستنباط الكهرباء من انحدار المياه التي تخزن خلفه يعابث جيل الأجداد والآباء، وتضعه كل حكومة في برنامجها.. وجري بالفعل تعليته مرتين في عامي 1912 و1933.. ومع الزمن تجاوز الحلم مجرد تعلية خزان أسوان إلي إنشاء السد العالي الذي يضاعف حجم المياه التي يختزنها خلفه والكهرباء التي تتولد عن مساقطه عشرات المرات. وكان صاحب الفكرة في إنشاء «السد العالي» خبيرا زراعيا يونانيا يقيم في مصر اسمه «دانينوس» طرحها علي أكثر من حكومة من حكومات ما قبل الثورة، فلم تأخذها مأخذ الجد، بسبب ارتفاع تكاليف تنفيذها، وطموحها الزائد على الحد فلما تغير العهد جدد «دانينوس» إرسال اقتراحه إلي مجلس قيادة الثورة الذي قرر احالته إلي مجلس الإنتاج وهو أحد مجلسين كانا قد شكلا آنذاك، لإعادة بحث المشروعات الإنتاجية والخدمية التي لم تتمكن حكومات العهد البائد من تنفيذها بسبب عجز الميزانية أو نقص الهمة، وكان الثاني هو «مجلس الخدمات». ولفتت الفكرة نظر جمال عبدالناصر فاستدعي إليه «دانينوس» واستمع منه إلي شرح مفصل لفكرته اقتنع في نهايته بالنتيجة نفسها التي توصل إليها مجلس الإنتاج الذي أقر بعد دراسة المشروع بجدواه اقتصاديا وأوصي بإعطائه أولوية قصوي بين المشروعات التنموية التي كانت معروضة عليه. وهكذا بدأت معركة بناء السد العالي التي تحولت خلال السنوات التالية إلي رمز لهذه الحقبة من ثورة التحرر الوطني المصرية والعربية والعالمية إذ انطلقت ثورة 23 يوليو من رؤية واضحة بأن الاستقلال الاقتصادي هو الوجه الآخر للاستقلال الوطني وأن جلاء الاحتلال البريطاني المباشر الذي كان يتمثل في القاعدة البريطانية بمنطقة قناة السويس لا يكتمل إلا ببناء اقتصاد وطني مستقل.. ينقل مصر من دولة زراعية متخلفة تصدر محصولها الزراعي الرئيسي وهو القطن إلي الدولة التي تستعمرها وهي بريطانيا لتعيده إلي البلد الذي زرعه علي صورة سلع مصنعة، لتصبح دولة زراعية صناعية تصنع ما تزرعه، لتستطيع أن تفي باحتياجات شعبها الذي كان يعاني آنذاك ثلاثية الفقر والجهل والمرض. وهكذا بدأت دراسات الجدوي الاقتصادية لمشروع السد العالي التي قامت بها بيوت خبرة دولية في الوقت الذي كانت تجري فيه المفاوضات المصرية ـ البريطانية لإتمام الجلاء البريطاني عن قاعدة قناة السويس وبدأت المباحثات مع البنك الدولي لتمويل المشروع، في الوقت الذي بدأ فيه ـ تدريجيا ـ جلاء البريطانيين عن القاعدة تنفيذا لاتفاقية وقعت عام 1954 ووصل فيه وفد عسكري مصر إلي واشنطن لكي يتفاوض مع المسئولين الأمريكيين علي إعادة تسليح الجيش المصري لكي يكون قادرا علي حماية قناة السويس، وبعد ستة أشهر أمضاها الوفد في العاصمة الأمريكية عاد إلي مصر دون أن يحصل علي قطعة سلاح واحدة إذ ربطت واشنطن بين مساعداتها العسكرية لمصر وبين توقيع معاهدة صلح بينها وبين إسرائيل. وعلي طريقة الرد خالص، وأفق «عبدالناصر» علي عرض كان الاتحاد السوفيتي قد قدمه له، بأن يستورد السلاح منه عبر وسيط ينتمي للمعسكر الاشتراكي، هو «تشيكوسلوفاكيا» وقامت الدنيا ولم تقعد وتغيرت خريطة التحالفات في العالم ونشأ ما عرف بعد ذلك بـ «العالم الثالث» الذي يضم الدول المستقلة حديثا، التي اتخذت موقف الحياد بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي.. وردا علي هذا الرد القاسي قررت الولايات المتحدة سحب عرضها لتمويل جانب مما يحتاجه إنشاء السد العالي من عملات أجنبية، وتبعها البنك الدولي الذي سحب تمويله هو الآخر، وكان معني ذلك أن يتوقف المشروع خاصة أن بيان سحب التمويل شكك في قدرة الاقتصاد المصري علي الوفاء بأي قروض قد تحصل عليها مصر، مما يعني إغلاق الباب أمام أي محاولة أخري قد تبذلها للتفاوض مع ممول بديل! ولأن إنشاء السد العالي كان قد تحول إلي رمز لاستقلال الإرادة الوطنية، فقد أصر عبدالناصر علي تحدي الذين توهموا أن باستطاعتهم أن يكسروا إرادة مصر، أو يرهنوا استقلالها بما يقدمونه لها من مساعدات أو قروض.. فقرر ـ بعد أسبوع واحد من قرار سحب التمويل ـ تأميم قناة السويس، وأعلن في 26 يوليو 1956 أن مصر ستمول إنشاء السد العالي من موارد القناة التي لم تكن تتجاوز آنذاك 35 مليون جنيه في السنة! ومرة أخري قامت الدنيا ولم تقعد وأدركت شعوب العالم الثالث التي كانت تجاهد لإتمام استقلالها أو تثبيت هذا الاستقلال أن باستطاعة الدول الصغيرة والفقيرة والمتخلفة أن تتحدي هيمنة الدول العظمي، وأن تفرض إرادتها المستقلة وأن تسترد حقوقها المنهوبة وتقوي التيار الذي استطاع بعد ذلك أن ينهي ظاهرة الاحتلال العسكري من فوق خريطة الدنيا! وحدث بعد ذلك الذي يعرفه الجميع: زحفت إسرائيل إلي سيناء في 29 أكتوبر 1956 وحاولت بريطانيا وفرنسا أن تعودا لاحتلال منطقة قناة السويس، وقاتل المصريون دفاعا عن بلادهم، واندحر العدوان بعد شهور وانسحبت جيوش الدول الثلاث، وفي نهاية عام 1958 وقعت مصر اتفاقية مع الاتحاد السوفييتي لتمويل بناء السد العالي. في تلك اللحظة التي كنت أقف فيها بين حشود المصريين الذين خرجوا يحتفلون بهذه المناسبة تنبهت فجأة إلي أن مصدر فرحهم ليس الانتهاء من إتمام المرحلة الأولي من سد أسوان العالي.. بل الانتهاء من بناء المرحلة الأولي من سد الاستقلال العالي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها