النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

ملاحظات هادئة حول إعلامنا العمومي

رابط مختصر
العدد 9179 الاربعاء 28 مايو 2014 الموافق 29 رجب 1435

يتهم الإعلام العمومي في بعض الأحيان بأنه « تقليدي وروتيني وغير ديمقراطي وخشبي».. إلى آخر سلسلة الاتهامات المتكررة في الكتابات والمنتديات والملتقيات وفي أوراق العمل التي يقدمها إعلاميون وخبراء في الإعلام، استمعنا إلى بعضهم مؤخرا. وهذا في الحقيقة كلام مكرر، حفظناه عن ظهر قلب، ضمن لائحة الاتهامات الجاهزة في مواجهة الإعلام الرسمي، ولكن واقع الحال أن المنتقدين لهذا الإعلام أنفسهم يقومون في غالب الأحيان بعملية خلط للأوراق تضيع معها الحقيقة، وهؤلاء المنتقدون ينقسمون إلى فئتين في الغالب الأعم: الفئة الأولى: تنطلق من موقف سياسي معارض، بالدرجة الأولى، فهي تعارض كل ما هو رسمي - حكومي، بغض النظر عن أداء الجهاز ومدى كفاءته وقدرته على تقديم خطاب إعلامي متوازن وعصري ومهني. والحقيقة أن الفئة الأولى من المنتقدين وأغلبها من المعارضة السياسية، يركزون على نقطة واحدة وهي: أن الإعلام الحكومي غير موضوعي «انه اعور لا يرى سوى بعين واحدة» استنادا إلى ان المعارضة لا تجد صوتها فيه، ولكن من المعلوم أنهم يقاطعون هذا العلام وليس الإعلام هو الذي يقاطعهم، وفي خط مواز يتعاملون يوميا مع إعلام «أعور وخشبي وغير ديمقراطي» آخر، ويكاد يكون ظهور رموز المعارضة وجندها فيه على مدار الساعة، من خلال عشرات القنوات غير المهنية في غالبيتها العظمى، بالإضافة إلى الظهور الطارئ والمؤقت في أكثر من عشرات الإذاعات من نفس الفصيلة، مع فرق واحد وهي أن هذا الإعلام طائفي فضلا عن كونه غير بائس في قيمه العمياء.. ولذلك فلا معنى هنا لأية مقارنة أو مزايدة، ولا صدقية لانتقاد الإعلام الحكومي من هذا المنطلق، خاصة وان الإعلام «المهني» نفسه أو المعروف بمهنيته، قد تورط هو الاخر وانزلق في الحرب الإعلامية المفتوحة ضد البحرين في محاولة للي عنق الحقيقة وللتأثير السلبي على مجريات الأحداث لأسباب أيديولوجية لا علاقة لها بالمهنية ولا بالحقيقة!!.. - الفئة الثانية، تنتقد الإعلام الرسمي بدرجات متفاوتة، ومن منطلقات متعددة ومختلفة إلى حد التباين: مهنيا وفكريا وأدائيا، وهؤلاء يشكلون مصدر معظم الملاحظات التي اشرنا إليها آنفا، وقلنا إنها معلومة ومكررة مثل: «إعلام تقليدي، روتيني، بطيء الإيقاع، أخبار رتيبة وطويلة، نقص البرامج الحوارية، نقص كفاءة عدد من المذيعين والمقدمين، بطء الاستجابة والتفاعل مع الأحداث....»، وهؤلاء في معظمهم لا يعادون هذا الإعلام، وإنما يريدونه أن يكون أفضل أداء، وأسرع إيقاعا وأكثر تقدما وقدرة على التفاعل مع الأحداث، واقدر على إدارة الحوار ونشر الاستنارة وخدمة المواطن والدفاع عن البلد وتقديم الصورة الحضارية له، خصوصا عندما يتابعون التطور الحاصل في الإعلام الفضائي في معظم دول الخليج العربي خلال السنوات الأخيرة. ولكن معظم هؤلاء أيضا لا يدركون أو لا يعلمون حقيقة المعوقات الموضوعية والتحديات التي يواجهها الإعلام الرسمي، ماديا وبشريا وفنيا، فالطموح كبير والموارد محدودة. والحقيقة في تقديري أن الإعلام الرسمي يواجه مشكلة، وهي مشكلة سياسية - مجتمعية بالدرجة الأولى، هي مشكلة انقسام وانفصال: فقسم مهم من المجتمع لم يعد يثق به، حتى لكأنه بات يتكلم الى نصف المجتمع فحسب، وبذلك يكون عمليا قد انفصل عن الجماعة التي تظهر كل ليلة في القنوات الأخرى لتتحدث «عن حقائق أخرى» وعن مجتمع آخر لا يبدو أنه يظهر في هذا الإعلام الرسمي أو انه لا يظهر بالصورة التي ترضيه ويرى نفسه فيها، أو لا يريد هو أن يظهر فيه تكريسا للقطيعة واستكمالا لحلقة الانسحاب من كل ما هو رسمي ومؤسسي.. وهذه حقيقة لا يمكن تجاهلها، وهي مشكلة ليس المسؤول عنها الإعلام نفسه، بكل تأكيد، القضية هنا ليست مهنية فحسب، إنها سياسية بامتياز وتعكس حالة الاستقطاب السياسي القائم منذ العام 2011م والذي تشكل قوى المعارضة أحد أهم أطرافه وأسبابه الرئيسية في استمراره.. ولكن من الموضوعي أيضا التأكيد أن الخطاب الإعلامي الرسمي –رغم تعقد الأزمة السياسية واستمرار المعارضة في ممارسة لعبة المقاطعة– يحتاج مراجعة وتطويرا ليكون أكثر تعبيرا عن شروط الحياة وسياساتها وناسها ومرآة للنظام السياسي وللمجتمع الذي يعبر ويتحدث إليه، وهذه علاقة جدلية بين المجتمع والنظام السياسي عبر الإعلام، حيث ان ممارسة التأثير في المجتمعات الديمقراطية الحديثة تكون عبر الإقناع الذي يهدف إلى تحقيق إجماع داخل المجتمع، ببناء الخطاب الإعلامي المناسب للمرحلة، وبما يجسد عمله بتعدد أشكاله ومضامينه. إن الإعلام الرسمي لا يعكس الواقع أو طبيعة العلاقات في المجتمع فحسب، وإنما يسهم في بنائها عبر عمليات إدراك الواقع، وتحديد الهويات الاجتماعية، وتكوين الخطاب، واختيار المفردات والصور، والتفاوض بين منتج الخطاب والجمهور الذي يستقبله، بما يجعله مؤثرًا في بناء العلاقات الاجتماعية وتحديد الهويات الاجتماعية والثقافية، والمتغيرات المحلية والدولية التي تعكس أوضاع المجتمع وثقافته والمرحلة التاريخية التي يعيشها والأزمات والتحديات التي يواجهها.. وهذا لا يتحقق دون وجود إرادة مشتركة وحقيقة من قبل مختلف مكونات المجتمع السياسي لمعالجة الأزمة السياسية ووضع حد للاستقطاب السياسي على نحو عاجل، بما يساعد الإعلام على لعب دوره الفاعل في تعزيز الوحدة، وتبقى بعد ذلك المسألة المتعلقة بالكفاءة والمهنية والموارد والإمكانيات والسياسيات –وهي مسائل أساسية وجوهرية لكنها تحتاج إلى وقت وصبر وأناة– فالإعلام مسألة دقيقة وخطيرة ويجب أن يتعامل معها مختصون، فالخطاب الإعلامي القوي والفعال هو الذي يصدر عمن يمتلك رؤية واتساقا في المنطق والتحليل، وسرعة في الحركة والبرمجة وانسجاما في اللغة، وتكاملا بين مستوياته. ولا شك أن تحولا من هذا القبيل يتطلب كفاءة ومعرفة وخبرة على صعيد فهم الخطاب الإعلامي وتحليله، ودمج وتطوير البعد الإدراكي في عملية تحليل الخطاب وتحليل ممارسات إنتاج النصوص والصور الإعلامية واستهلاكها، واستقبال الجمهور لها وتفاعله معها والقدرة على بناء الخطابات وتفكيكها وتحليل لغة الايديولوجيات المختلفة وتأثيرها في بناء الخطاب الإعلامي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها