النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11695 الخميس  15 ابريل 2021 الموافق 3 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:53AM
  • الظهر
    11:38AM
  • العصر
    3:09PM
  • المغرب
    6:01PM
  • العشاء
    7:31PM

كتاب الايام

امرأة دخلت تاريخ الخليج من بوابة النفط

رابط مختصر
العدد 9174 الجمعة 23 مايو 2014 الموافق 24 رجب 1435

الرحالة والمستشرقون والقساوسة والجواسيس والساسة الأجانب الذين جالوا في بلدان الجزيرة والخليج العربي قبل وبعد اكتشاف النفط كثر. بعضهم نال شهرة واسعة بسبب الأدوار السياسية والاجتماعية التي لعبها، وبالتالي كثرة ما كــُتب عنه في الدراسات والابحاث. والبعض الآخر لم ينل حظه من الاهتمام لأسباب مجهولة، فلم يعرفه أحد. من ضمن الفريق الأخير يبرز اسم ـ والمفارقة هنا أنه لشخصية نسائية ـ «واندا ميري جبلونسكي». فمن هي هذه المرأة؟ وما طبيعة عملها؟ وماذا جاء بها إلى منطقة كمنطقة الخليج كانت تعاني وقت مجيئها من التصحر وقسوة المعيشة؟ وما الدور الذي لعبته فجعل أمر تسليط الضوء عليها مهما؟ هذه الأسئلة وغيرها كثير تجيب عليها الباحثة الإماراتية «شمسة حمد عبد الظاهري» من خلال كتابها الصادر هذا العام عن «مركز زايد للدراسات والبحوث» تحت عنوان «أبوظبي: دراسة في التاريخ الاجتماعي 1820-1971». والحقيقة أن بعض ما سيرد في الأسطر التالية مقتبس من المبحث الرابع من الكتاب المذكور، فيما البعض الآخر تم اقتباسه من مصادر أخرى متنوعة بهدف سد الفجوات المعلوماتية القليلة الناقصة. ويأتي على رأس هذه المصادر كتاب «ملكة في نادي النفط» من تأليف السيدة «أنا روبينو» الصادر في بوسطون في عام 2008. ولدت جبلونسكي في تشيكوسلفاكيا في 23 أغسطس من عام 1921 لأب من علماء النبات التشيك البارزين هو «يوجين جبلونسكي»، وتوفيت في نيويورك عن 71 عاما في 31 يناير 1992 على اثر إصابتها بهبوط مفاجئ في القلب. أمضت سنوات عمرها الأولى مهتمة بمجال عمل والدها خصوصا وأن الأخير كان يشجعها على ذلك عبر منحها بنسا واحدا كلما عرّفت له نباتا ما تعريفا صحيحا ودقيقا. لكن حينما تخلى الأب على عالم النبات وراح يركز اهتماماته على الجيولوجيا بسبب إلتحاقه بالعمل لدى شركة بولندية مهتمة بالبحث عن النفط، اقتفت الابنة أثر والدها وراحت تتابع أخبار صناعة النفط، وتلاحق شؤونها وأخبار رجالاتها، الأمر الذي مكنها مع مرور الوقت من التحول إلى صحفية متخصصة في كل ما يتعلق بالبترول وشؤونه وشركاته ومكامنه. ولعل إهتمامات جبلونسكي النفطية تعمقت بعد تعيين والدها ككبير للجيولوجيين في شركة موبيل التي كانت ضمن الكونسورتيوم الذي نقب عن الخام في الاراضي السعودية، ويقال إن العامل الأخير كان سببا في ارتباطها بصداقات متينة ليس مع كبار موظفي أرامكو فيما بعد من أمثال مايك أمين، هنري موسيس، وجو جونسون فحسب، وإنما أيضا مع وزير النفط السعودي الأشهر أحمد زكي يماني. لم تكن عملية اقتحام امرأة لعالم النفط الواقع تحت سطوة ذكورية كاملة في خمسينات القرن العشرين أمرا سهلا، خصوصا وأنها لم تكن سليلة أحد تايكونات النفط الكبار أو مالكة لحصص في شركات النفط العملاقة. غير أن جبلونسكي استطاعت بالصبر والعزيمة والارادة الحديدية والاستناد إلى قوة المعلومة أن تشق طريقها في ذلك العالم الرمادي المليء بالأسرار والصفقات الغامضة والصراعات حول المال والنفوذ. حدث ذلك في بادئ الأمر من خلال عملها كمراسلة صحفية لمجلة «التجارة» الصادرة من مانهاتن بنيويورك. هذه المجلة التي كانت، في الحقيقة، جسرها نحو الشهرة والنجومية والنفوذ في عالم صناعة النفط بسبب ما نشرته لها في عام 1948 من مقابلة حصرية لها في كاراكاس مع وزير النفط الفنزويلي وقتذاك «خوان بابلو بيريز ألفونسو». في تلك المقابلة النادرة حققت جبلونسكي ومجلتها خبطة العمر الصحفية التي هزت كبريات شركات النفط الغربية، ولاسيما الأمريكية منها، وذلك حينما نشرت على لسان الوزير الفنزويلي أن كاراكاس تتجه نحو تأميم حصص وأصول شركات النفط، الأجنبية العاملة في أراضيها، وأن على الدول النامية صاحبة الاحتياطيات النفطية الكبيرة أن تنسق فيما بينها وتتخذ قرارات مشتركة ضد شركات البترول الاحتكارية. من تلك اللحظة صارت جبلونسكي في نظر شركات ورجال النفط عدوا يجب مقاطعته وحجب الأخبار عنه والامتناع عن إجراء أحاديث صحفية معه. لكن جبلونسكي التي تصفها الباحثة «شمسة الظاهري» في الصفحة 97 من كتابها بـ «الشقراء الانيقة اللبقة» لكن «الفضة والثرثارة والوحيدة» كانت تعلم أنها بلغت شأوا لا يمكن معه للآخرين المهتمين بصناعة النفط أن يديروا ظهورهم لها، لاسيما وأنها كانت قد انتقلت في عام 1954 للعمل في مجلة متخصصة بشؤون النفط هي «بتروليوم ويك». في عام 1961 راحت جبلونسكي، أو «واندا» كما كانت تــُعرف لدى المهتمين بشؤون النفط، تعمل من أجل تأسيس مجلتها النفطية الأسبوعية الخاصة، خصوصا وأنها كانت قبل ذلك قد راكمت خبرة جيوبوليتيكية معتبرة من خلال طوافها بعدد كبير من الأقطار برفقة والديها، ناهيك عن حصولها على درجتي البكالوريوس والماجستير في الإعلام في عام 1942 من جامعتي كورنيل وكولومبيا الأمريكيتين المرموقتين على التوالي. وقد ظهر العدد الأول من مجلتها التي أسمتها «بتروليوم إنتيليجنس ويكلي» في عام 1963 ، مستهدفة جمع أخبار وأسرار صناعة النفط من وراء الأبواب المغلقة ونشرها مع تحليلات وتعليقات مثيرة، وهو ما جعل بعض الجهات يصف جبلونسكي بالجاسوسة التي تعمل لصالح المخابرات الاجنبية، بل ويهددها بالانتقام. غير أن مجلتها استمرت تحقق نجاحات منقطعة النظير طوال الحقبة الممتدة من الستينات إلى الثمانينات، بل أطلق عليها في الغرب اسم «إنجيل النفط» لأنها كانت تعتمد المعلومة القوية والتحليل الجريء. فضلا عن لقب «ملكة نادي النفط» تــُعرف جبلونسكي أيضا بـ «القابلة التي سهلت ولادة منظمة الأوبك» فما قصة التسمية الأخيرة وأسبابها؟ بعد حرب السويس في عام 1956 أرادت جبلونسكي أن تستطلع الأمور على أرض الواقع في منطقة الشرق الأوسط، فقامت بجولة طويلة قادتها إلى 12 بلدا من بلدان المنطقة. وكان من الطبيعي أن تكون مصر ضمن هذه الجولة باعتبارها البلد العربي الأكبر الذي تحوم حوله الصراعات بسبب موقعها الاستراتيجي كمعبر لناقلات النفط العملاقة المتجهة من الخليج إلى أوروبا. وهكذا حلت جبلونسكي في القاهرة في عام 1959 في وقت كانت العاصمة المصرية تشهد انعقاد مؤتمر النفط العربي ـ لا يُـعرف إنْ كان ذلك قد حدث بمحض الصدفة أو كان عملا تم الإعداد له مسبقا ـ الذي حضره وزير النفط الفنزويلي «خوان بيريز ألفونسو» أيضا. وبسبب شهرتها في عالم صناعة النفط كخبيرة وصحفية ملمة بالكثير من الأسرار وصاحبة علاقات واسعة بأقطاب صناعة النفط، وبسبب سابق معرفتها بالوزير الفنزويلي، وأيضا بوزير النفط السعودي عبدالله الطريقي الذي كان قد استضافها في مزرعته بجدة في عام 1954 ومهد لها السبيل لمقابلة المغفور له الملك سعود الأول بعد عام من اعتلاء جلالته لعرش المملكة العربية السعودية، نجحت جبلونسكي في ترتيب لقاء في إحدى غرف فندق هلتون النيل بالقاهرة ما بين الوزير الفنزويلي ونظيره السعودي الذي كان في الوقت نفسه ممثل الحكومة السعودية في شركة الزيت العربية الامريكية (أرامكو). ويــُعتبر ذلك اللقاء نواة فكرة تأسيس منظمة الأقطار المصدرة للنفط (أوبيك) و»نقطة التحول وحجر الزاوية في تغير ديناميكية صناعة النفط» طبقا لوصف «دانييل بيرجن» في الصفحة 518 من كتابه «الجائزة: البحث عن النفط والثروة والسلطة». من المحطات الأخرى التي توقفت فيها جبلونسكي خلال جولتها الشرق أوسطية إمارة «أبوظبي» التي حلت بها في عام 1957، حيث قام بمرافقتها وحراستها في تجوالها «بات تاونسين» وهو بريطاني جاء للعمل ضمن فريق مكافحة الجراد المرسل من قبل الجيش البريطاني الثامن المتمركز في مصر والشرق الاوسط للعمل في المنطقة الواقعة في المثلث بين أبوظبي والبريمي ورأس الخيمة بهدف القضاء على أسراب الجراد. حيث كان الجراد يأتي وقتذاك في موجات متتالية كثيفة فيفتك بالمحاصيل الزراعية، ويعيق حركة الناس واعمالهم. وقد أثارت زيارة جبلونسكي لهذه الإمارة حينذاك اهتماما بالغا لأسباب كثيرة. إذ كانت البلاد صحراء قاحلة يصعب على الأجانب الذكور التكيف مع أوضاعها فما بالك بنسائهم، بدليل أنه لم يكن قد حل في «أبوظبي» حتى تاريخه من نساء الغرب سوى البريطانية «سوزان هليارد» التي كانت ترافق زوجها «تيم هليارد» ممثل شركة النفط البريطانية ـ بريتش بتروليوم ـ في أبوظبي والذي كان مقر إقامته مع أسرته في جزيرة داس حيث كان يــُكنى بين الأهالي وفي مجالس الشيوخ أيضا بـ «أبوديبورا» نسبة إلى ابنته الصغيرة الشقراء «ديبورا». ومن جهة أخرى كانت أحاديث كثيرة تدور وقتذاك في السر والعلن داخل الإمارة وخارجها عن قرب العثور على النفط، خصوصا وأن أعمال التنقيب كانت تجري على قدم وساق بواسطة شركة مناطق ابوظبي البحرية المحدودة ـ أدما ـ وهي شركة تأسست في عام 1953 بمساهمة شركة النفط البريطانية بنسبة الثلثين وشركة النفط الفرنسية بنسبة الثلث. تخبرنا «شمسة الظاهري» أن جبلونسكي أبدت اهتماما كبيرا بمقابلة حاكم أبوظبي الشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان لتسمع منه مباشرة عن أحوال بلاده وما ينتظرها إنْ تحققت الآمال بظهور النفط. كما تخبرنا أن «تيم هليارد» نقل رغبتها إلى سمو الحاكم، وأنّ الأخير وافق على الالتقاء بها دون تردد لأنه هو الآخر كان يريد طرح الكثير من الأسئلة على متخصصة في شؤون النفط ، وعالمة بأسرار كبريات الشركات البترولية في الغرب، عن احتمالات العثور على النفط في بلاده، من بعد العثور عليه في عوالي بالبحرين في عام 1932، وفي الظهران بالسعودية في عام 1935 ، وفي برقان بالكويت في عام 1938 ، وفي منطقة دخان بقطر في عام 1939 ، خصوصا وأن الحاكم كان يواجه وقتها مآزق كثيرة بفعل عوامل خارجية، وبالتالي كان في أمس الحاجة إلى عائدات نفطية تعالج تلك المآزق. هذه المآزق أسردتها «شمسة الظاهري» في الصفحة 78 من كتابها كما يلي: «على مدى ثلاثة عقود ونصف متتالية واجهت خزينة شخبوط الكساد العالمي الكبير الذي بدأ في عام 1929، وتدني الطلب العالمي على اللؤلؤ الذي كان غلة أبوظبي الرئيسية، ولم تتعافَ مالية الشيخ شخبوط من أثر الأزمة الاقتصادية العالمية حتى صادفت ظروف الحرب العالمية الثانية، فزاد سوق اللؤلؤ كسادا على كساد. وزاد تصنيع اليابان للؤلؤ الصناعي بعدئذ من وهن اقتصاد أبوظبي. وكان لاستقلال شبه القارة الهندية وماتلاه من انخفاض سعر الروبية الهندية ـ العملة المعتمدة في الخليج ـ أثره الخانق على خزينة الشيخ شخبوط التي لم تعد قادرة بأي حال من الأحوال على الوفاء بمقتضيات السياسة التقليدية لشيوخ آل نهيان في البادية من بذل وعطاء وإحسان للقبائل». حينما عادت جبلونسكي إلى بلادها كتبت في مجلتها النفطية واحدة من أوائل التغطيات والريبورتاجات الصحفية عن إمارة لم يكن أحد في الكون يتوقع يوما أن تبلغ ما تعيشه اليوم من ازدهار ونمو وعمران وثراء وبحبوحة. حيث كتبت ما نصه « تعتبر أبوظبي أكبر مشيخات الساحل المتصالح.. وهي أرض جرداء قاحلة مقفرة، مسطحاتها عبارة عن كثبان رملية وبعضها طينية، المياه فيها شحيحة ومالحة، وتكاد تكون الزراعة شبه معدومة، ويعتمد غالبية سكانها في غذائهم على السمك والأرز المستورد.. وقلة من الأجانب استطاع أن يتكيف بالعيش فيها». توقفت جبلونسكي طويلا امام لقائها بالشيخ شخبوط فراحت تصف شخصيته وتعدد خصاله وكأنما توجه رسالة تحذير مسبقة إلى من يريدون التعامل معه في المستقبل من ساسة ورجال نفط وأعمال. فقد كتبت عن الشيخ ما لم يسبقه أو يتبعه أحد إليه، ومنها أنه يتمتع بوقار ويحظى باحترام كبير ويتصف بالتدين والتواضع وروح الدعابة، ولديه نهج فكري غريب. ثم أضافت «ليس بالأمر السهل عقد اتفاقات للتجارة معه. ومن يعتقد أن بامكانه استمالة هذا الرجل يجب أن يعرف أنه مفاوض محنك، فطن، متمهل في سلوكه، ليس لديه استعداد لتقديم أي تنازلات، لديه مهارة عالية في المجادلة والنقاش، يتمتع بذكاء حاد، لا يثق بما لم يختبره في تجربته الشخصية، وهادئ الاعصاب حتى في أحلك الظروف». ومما قالته جبلونسكي ايضا أن الحاكم على قدر واسع من الاطلاع على ما يدور في العالم. ويبدو أنها بنت حكمها هذا استنادا إلى سيل الاسئلة التي انهمرت عليها من قبل الشيخ في لقائهما ومنها: «هل النفط الفنزويلي أعلى مرتبة من النفط الخليجي؟»، و«كم يبلغ تصدير الولايات المتحدة من النفط للدول الاوروبية هذا الشهر مقابل الشهر الماضي؟»، و«لماذا كل الحفارين الامريكيين الذين التقيتُ بهم من ولاية كاليفورنيا؟»، و«كم برميل يمكن الحصول عليه لو حوّل فحم العالم إلى بترول؟». ويكفينا في هذا السياق ان نتوقف أمام السؤال الأخير فقط، فهو يشير إلى أن الشيخ شخبوط كان على علم بامكانية استخلاص البترول من الفحم، وإنه ربما سمع عن المحاولات الالمانية واليابانية خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية للحصول على النفط من الفحم، وبالتالي كسر الطوق المفروض عليهما من قبل اعدائهما لمنعمها من الحصول على الامدادات النفطية. تنويه: إتصل بي الأخ العزيز إسماعيل أكبري محتجا على إدراج اسم عائلته ضمن عجم البحرين في مقالي المعنون «كبير العجم في البحرين»، وقائلا إن عائلة أكبري هي عائلة سنية بستكية. وردي هو أنه لا موجب للاعتذار، لأن هناك «أكبري» عجم ومنهم صديقنا الدكتور جعفر أكبري، و»أكبري» سنة مثل أسرة أخينا إسماعيل. والأمر نفسه ينطبق على «الأنصاري» فمنهم سنة مثل صديقنا «غلوم محمد عبدالغني الأنصاري» ومنهم عجم مثل ذلك الذي جمع حوله نفراً من الناس وكون منهم جمعية بائسة لاثقل لها لتعارض النظام.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها