النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10936 الثلاثاء 19 مارس 2019 الموافق 12 رجب 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:24AM
  • الظهر
    11:46AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    5:48PM
  • العشاء
    7:18PM

كتاب الايام

المالكي وإرضاء بلاد فارس

رابط مختصر
العدد 9168 السبت 17 مايو 2014 الموافق 18 رجب 1435

رغم أن العراق شهد ثالث انتخابات تشريعية له منذ الغزو الأمريكي في عام 2003، فقد ظل النفوذ الإيراني يتصاعد هناك في كافة مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، و يستمد هذا النفوذ زخمه أكثر بعد الانسحاب العسكري الأمريكي في نهاية 2011، مع استمرار النزاع الدامي في سوريا المجاورة، الأمر الذي يجعل هذا النفوذ حجر عثرة أمام العراقيين لتحقيق التوافق السياسي والديمقراطي في بلادهم، إذ يلقي التدخل الإيراني في الشأن العراقي بظلاله على الوضعين الأمني والسياسي هناك بصورة تجعل معظم العراقيين حتى الذين يرتبطون بعلاقات مع طهران يشعرون بقلق من ارتباط السلطة هناك بالعامل الإيراني خاصة في عهد حكومتي رئيس الوزراء نوري المالكي. واذا كان الناخبون العراقيون ذهبوا فعلا بنسبة تقترب من 60% الى صناديق الاقتراع لاختيار أعضاء برلمانهم الجديد على أمل ان يكون المستقبل مشرقا وبعيدا عن التجاذبات بين السياسيين والأحزاب والتي تسيطر عليها النزعة الطائفية أكثر من الاجتماعية والاقتصادية، فلا تزال العراق كدولة تنازع للبقاء خارج دائرة الصراع القائم في المنطقة بين القوى الإقليمية، من دون ان تنجح في ذلك، خاصة في الوقت الذي دخلت فيه الصراع، لتزيد أزمة العراقيين بين جارتيها العربية الممثلة في سوريا والفارسية وهي إيران. وقد دفعت الأزمة السورية، العراق دفعا ليعيش وسط هذا الصراع الإقليمي والدولي المحتدم، ليضيف الى بلاد ما بين النهرين صراعا آخر كانت في غنى عنه خاصة وانها تعد تاريخيا مركزا او ساحة لصراع القوى العظمى، واليوم أيضا يبدو العراق من جديد ساحة لنزاعات مماثلة. ويتمزق الجسد العراقي في الوقت الراهن الى أشلاء متعددة داخليا وإقليميا ودوليا، فعلي المستوي المحلي، ثمة أحزاب وتكتلات سياسية كثيرة تتنافس على كعكة البرلمان وتأمل جميعها في الفوز بالأغلبية لتشكيل الحكومية بنسبة معقولة لتبتعد عن حسبة الائتلافات التى توقع اي ائتلاف حكومي في مشاكل برلمانية وحكومية. ثم الصراع الإقليمي الذي تؤججه إيران وصولا بالمكون الدولي الذي لا تغيب عنه الولايات المتحدة بالقطع. واذا ابتعدنا قليلا عن المكون السياسي المحلي في العراق، فنجد ان طهران وواشنطن مارست الدور الأعظم في انتخابات عام 2010 والذي قاد الى إعادة ترسيم نوري المالكي في منصبه كرئيس الوزراء بعد ولاية أولى بدأت منذ 2006، ولتشهد حكومته الثانية تحالفات ما بين هشة وما بين اضطرارية أوقعته في الكثير من المشكلات الداخلية والإقليمية والدولية. ولتزداد أزمة المالكي بتنفيذ قرار الرئيس الأمريكي باراك أوباما ببدء الانسحاب العسكري لقواته بحلول نهاية 2011 ، حيث يجد النفوذ السياسي الإيراني مساحة أكبر للتحرك ضمن العملية السياسية في العراق، لدرجة جعلت التكتلات العراقية حتى التي تنطوي تحت لواء «الشيعية» تشعر باستفزاز من تنامي هذا النفوذ، خاصة وان الانسحاب العسكري الأمريكي جعل من طهران أكبر اللاعبين في إيران بعد خصومة ونزاع وحرب دامية بين 1980 و1988. وبطبيعة الحال، لم يكن تنامي النفوذ الإيراني في العراق محل شكوك قادة الأحزاب العراقية فقط، فقد دخل القلق في قلوب الباحثين الدوليين ومراكز الابحاث العالمية أيضا، لتقيم الندوات والمنتديات لبحث مدى تأثير القرار الإيراني في مركز اتخاذ السلطة في بغداد، ونعود الى بحث أجراه الخبير مايكل نايتس الباحث في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، والذي خرج بنتيجة مهمة مؤداها ان النفوذ الإيراني اصبح اليوم أكبر من النفوذ الأمريكي. ولم يترك نايتس تلك النتيجة تمر مرور الكرام هكذا، لانه يضع الموقف برمته أمام الإدارة الأمريكية والشعب العراقي ككل، فمبعث تصاعد النفوذ الإيراني في الشأن العراقي يعود الى ان طهران كسلطة أصبحت تملك سيطرة مباشرة على أهم الأحزاب العراقية، وبطبيعة الحال التي تدير العراق حاليا.. ويتناقض هذا مع تراجع التأثير الأمريكي بعد الانسحاب، والذي أصبح منحصرا في عقد اتفاقيات عسكرية تتعلق بتوريد أسلحة ومعدات حربية ودفاعية فقط، ولكن هذا يمنح الإدارة الأمريكية تأثيرا محدودا وليس قويا في التدخل في الشأن العراقي، حتى وإن كانت واشنطن قادرة نوعا ما بممارسة ضغوط على قادة العراق من خلال الامتناع عن تسليم معدات عسكرية وتأخير ذلك، فهذه هي ورقة الضغط الوحيدة التي تملكها أمريكا حاليا. المشكلة الأهم التي تواجه الحكومة العراقية المقبلة أيا كان من يجلس على كرسي رئيس الوزراء نوري المالكي الأكثر حظا بالفوز بالمنصب او غيره من قادة الائتلافات البرلمانية، فإن العراق كبلد مدفوعا بالظروف الإقليمية ليغرق في دوامة الصراع الإقليمي حول الموقف من نظام الرئيس السوري بشار الأسد والنزاع في سوريا التي تملك حدودا مشتركة مع العراق تمتد لنحو 600كلم. فالعراق محاصر بتنامي النفوذ الإيراني كما أسلفنا، وفي نفس الوقت يتورط – على مستوى الحكومة وليس السياسيين - في الأزمة، فمواقف السياسيين العراقيين تتباين حيال أحداث سوريا، لكن الحكومة تتبنى في العلن موقفا محايدا من النزاع هناك وتدعو إلى حل سياسي، ولكن غالبيتها - التي يهيمن عليها التيار الشيعي - تشعر بتقارب تجاه نظام بشار الأسد، ممثل الأقلية العلوية في سوريا، وتخشى أن تدعم الغالبية السنية هناك، تجنبا لتكرار الحرب الأهلية التي شهدتها العراق في الفترة بين عامي 2006-2008 عندما تعرضت لنزاع سني- شيعي بلغ ذروته في حرب أهلية بين الطرفين قتل فيها الآلاف. وانطلاقا من الدعم الإيراني للنظام السوري ومساعدته عسكريا ولوجستيا وماليا واقتصاديا، فان إيران وعبر تأثيرها المتنامي داخل أروقة الحكم العراقية، لن تسمح بقدوم حكومة محايدة في العراق تكون بعيدة عن متناول يدها وتحت سلطتها مباشرة، ولهذا السبب المباشر، فهي دعمت كل الائتلافات الشيعية في الانتخابات وعملت على التوافق بينهم بقدر الإمكان خشية تشتتها وتوزيع أصواتها على بقية الكتل السياسية السنية.. فإيران التي تعمل على إشعال الصراع الإقليمي بالمنطقة، لم تترك الخيار للكتل الشيعية بالعراق بالتنابذ كثيرا، لان هدفها في النهاية هو ان تأتي بحكومة راضخة لها وتحت سيطرتها وتأتمر بأمرها، ثم بعد ذلك تتفرغ للنزاع المنخرطة فيه في سوريا، ولتستمر أيضا في مواصلة عملها الجاد هناك والخاص باستمرار عملية التنسيق مع ميليشيات شيعية في العراق لإرسال عراقيين إلى سوريا من أجل القتال هناك إلى جانب حزب الله اللبناني. ونشير هنا الى تقارير استخبارية أمريكية أكدت ان إيران، التي كانت أقوى داعم للمالكي في تعزيز سلطته في السنوات الأخيرة، دعمت إعادة انتخابه بملايين الدولارات، ودفعت كذلك أموالا لبعض منافسيه الشيعة لضمان تحقيق هدف طهران الأكبر بالحفاظ على الهيمنة الشيعية وليس بالضرورة حكم المالكي. لا شك ان الأمريكيين كانوا يتمنون الحاق الهزيمة بالمالكي – رغم انها مستبعدة سياسيا وانتخابيا - ولا يهمنا هنا ما تعول عليه تقييمات الاستخبارات الأمريكية بأن إعادة انتخاب المالكي ستزيد من حدة التوترات الطائفية وترفع في الوقت ذاته من مخاطر وقوع حرب أهلية، مستدلين على ذلك بتركيزه السلطة في يده وفشله في المصالحة مع الفصائل العراقية - سنة أو أكرادا - وإخفاقه العسكري ضد المتشددين المسلحين. فكما أسلفنا، فالمالكي لم يفقد بعد دعم السلطات الدينية الشيعية في النجف الذين يتمتعون بسلطة روحية كبيرة على الأغلبية الشيعية في العراق، رغم القائمة الطويلة من المنافسين السياسيين الذين لم يفقدوا رغبتهم حتى الآن في الاطاحة بحكمه حتى من داخل البيت الشيعي الكبير الذي يضم ائتلافات دولة القانون والتحالف الوطني والذي يشمل المجلس الأعلي الاسلامي والتيار الصدري.. ورغم اعتراف كثير من العراقيين، برغبتهم في قيادة قوية، فإنهم قالوا أيضا إنهم سئموا من العنف والجمود السياسي في ظل حكم المالكي. ربما يعول المالكي كثيرا على تردد بعض العراقيين في تغيير القيادات في بلادهم خاصة وانها تواجه عمليات تمرد وصراع دائم سواء على السلطة او المناصب او المناطق، حتى لو تناقض هذا مع اتهامات توجه له مباشرة بانه يمنح أقاربه صلاحيات واسعة داخل حكومته، حيث يتولي نجله سلطة الأمن داخل مكتب رئيس الوزراء وداخل المنطقة الخضراء، كما يعمل زوجا ابنتيه في مكتبه، وأدرجهما في القوائم الانتخابية على قائمة حزب الدعوة الذي يقوده في الانتخابات الأخيرة. ورغم ان منافسيه يتوقعون ان يحصل أي ائتلاف يشكله على أغلبية برلمانية تمنحه الفرصة لتشكيل الحكومة الثالثة، فإن المتوقع أيضا ان يلقى المالكي معارضة قوية خلال صراعه للبقاء في السلطة. ولم تبدأ بعد مفاوضات الغرف المغلقة بين الأحزاب المختلفة لتشكيل إئتلافات الحكومة المقبلة، والتي ستكون بالأساس بين المالكي ومنافسيه الشيعة، وستشهد مشاركة نوعية من قادة السنة والأكراد أيضا. ولكن الأهم، ان فترة ما بعد الانتخابات ستكون حافلة بالكثير من الفوضى وطويلة، وغير نمطية في العراق، ويخشى المواطن العادي ان تطول لتعود معها نذر الحرب الأهلية. ونعود هنا الى توقعات غربية ان إيران ربما تشعل الأوضاع قليلا في العراق لو ظهرت بوادر بتحوله الى دولة ناجحة، رغم ان المعطيات لا تثبت ذلك حتى وقتنا الراهن، وإن كان المالكي لا يهمه سوى إرضاء من يجلسون على العرش الإيراني.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها