النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11702 الخميس 22 ابريل 2021 الموافق 10 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:44AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:07PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    7:35PM

كتاب الايام

البحرينيون يساهمون في ملحمة التابلاين

رابط مختصر
العدد 9167 الجمعة 16 مايو 2014 الموافق 17 رجب 1435

«التابلاين» اسم يسكن بثبات داخل الذاكرة الجمعية للبحرينيين، مثلما هو الحال بالنسبة لأشقائهم السعوديين وغيرهم من الجنسيات العربية والغربية التي كانت لها مساهمة بشكل أو بآخر في هذا المشروع الجبار الذي يمكن وصفه بـ «ملحمة». نعم كان «التابلاين»، الذي هو مختصر عبارة «ترانس أرابيا بايب لاين» أو «خط الأنابيب عبر البلاد العربية، ملحمة بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معان. ذلك أن المشروع مثل تحديا في عالم صناعة النفط، ليس لأنه كان الأكبر من نوعه في حقبة الاربعينات، وليس بسبب طوله الذي تجاوز 1600 كيلومتر، وليس بسبب شح إمدادات الحديد جراء الإقبال الكبير عليه من أجل التصنيع الحربي أثناء سنوات الحرب العالمية الثانية وما بعدها فحسب، وإنما أيضا بسبب تشابك الظروف الأمنية والسياسية في المنطقة والإمكانيات التقنية المتواضعة في تلك الحقبة الزمنية، فضلا عن لهيب الشمس الحارقة، والتضاريس الصحراوية الوعرة، وإنعدام الطرق المعبدة والمرافق السكنية ومصادر المياه. وفي هذا السياق كتب الباحث السعودي علي الميداني تحقيقا في جريدة الشرق الأوسط ـ 20/5/2008 ـ جاء فيه أنه في ظل تلك الظروف الصعبة والموحشة «عمل جنود مجهولون بكل جد لتنفيذ المشروع المستحيل بامكاناتهم المتواضعة، رابطين النهار بالليل حتى وصلوا ميناء صيدا في لبنان». وما لم يقله الميداني لكنه من الأمور التي باتت معروفة للجميع هو أن عددا ليس بقليل من البحرينيين كان ضمن من عمل في إنجاز ملحمة التابلاين، بل ممن أدى فيها دورا مفصليا عبر قيامه بأعمال اللحام. ومن هنا كان جلالة الملك المفدى حفظه الله ورعاه حريصا، في كلمته بمناسبة عيد العمال في عام 2005، أن يذكــّر بدور البحرينيين في مشروع التابلاين وذلك حينما قال جلالته: «ارتأيت، أن يكون الأول من مايو عطلة رسمية في البحرين تقديراً لعمالها، فهم طلائع التحديث الصناعي والمدني في تاريخنا ليس في البحرين وحدها وإنما بمشاركتهم الأشقاء في بلدان الخليج الأخرى وذلك منذ اكتشاف النفط في المملكة العربية السعودية وغيرها من الدول الشقيقة وإسهامهم في بناء خط التابلاين لتصدير النفط إلى ساحل البحر المتوسط، وهو تقليد عريق متصل، فما زال هذا الاستعداد للعمل في الدول الشقيقة حياً لدى أهل البحرين». وقصة التابلاين يجب أن تــُروى بتفاصيلها للأجيال الجديدة لأن فيها من العظات والعبر الكثير، وعلى رأسها أنّ الارادة والعزيمة كفيلتان بتخطي العقبات وتحويل الحلم إلى واقع. بدأت الحكاية بأمر ملكي من المغفور له الملك عبدالعزيز آل سعود إلى وزير ماليته عبدالله السليمان بتوقيع إتفاقية في 1946 مع شركة الانابيب التي كان يمثلها «وليم لنهان» بالاشتراك مع شركات إسو، شيفرون، تكساكو، وموبيل النفطية، وذلك من أجل مد خط او خطوط أنابيب تربط حقول النفط في المنطقة الشرقية بميناء تصدير على ساحل البحر الابيض المتوسط. وكان من المفترض أن يكون هذا الميناء هو حيفا لكن اغتصاب فلسطين حال دون ذلك، الأمر الذي جعل الملك عبدالعزيز يوجه بإلغاء المشروع أو البحث عن ميناء بديل، فكان الميناء البديل هو صيدا اللبنانية، وبالتالي تم تعديل مسار خطوط الأنابيب لتمر في سوريا والأردن ولبنان. وكان هذا ثاني تعديل يــُجرى على الخطة الأصلية للمشروع والتي كانت تتضمن البدء في إنشاء خط الانابيب من الطرفين والالتقاء في مكان ما في المنتصف، غير أن التوترات السياسية والحروب المباشرة أخرت الشروع في إنشاء الجزء القادم من ساحل البحر المتوسط كما كان مقرراً، بينما انطلقت أعمال الإنشاء في السعودية، وسط شكوك حول امكانية انجاز المهمة. ولئن كان قيام إسرائيل مثــّل أولى المشاكل السياسية التي اعترضت المشروع، فإنها لم تكن الأخيرة. فالامريكي»وليام أوين» الذي عمل مع شركتي التابلاين وأرامكو في وظائف تنفيذية وقانونية وكان شاهدا على العديد من المفاوضات يخبرنا في الجزء الثاني من كتاب «ذكريات وانطباعات عن المملكة العربية السعودية وأرامكو» من إعداد «كارول هيك» وترجمة الدكتور «عبدالله بن ناصر السبيعي» أن التابلاين كانت في الاساس جزءا من أرامكو لكنه لاعتبارات سياسية عــُزلت عنها، إذ لم تكن الحكومة السعودية تريد لأرامكو أن تكون طرفا في نزاع مع حكومات البلدان التي يمر بها خط التابلاين. وقد تبين لاحقا أن هذا القرار كان حكيما بدليل أن الحكومة السورية بقيادة خالد العظم ظلت لفترة تعارض مرور خط التابلاين فوق أراضيها خوفا من قيام الأحزاب اليسارية والراديكالية المعادية لكل ما هو غربي بالتحريض ضدها، ولم يتغير موقف الحكومة السورية إلا في مارس 1949 أي بعد مجيء حسني الزعيم إلى السلطة في دمشق في انقلاب عسكري. فهذا الأخير وافق على المشروع فورا بعد تلكؤ أسلافه طويلا. ولم يكد أصحاب مشروع التابلاين والمساهمون فيه يتنفسون الصعداء بالحصول على الموافقة السورية بعد حصولهم قبلها على موافقات الاردن ولبنان إلا وحسني الزعيم يـُـطاح به ويــُعدم في أغسطس 1949 على يد العقيد سامي الحناوي الذي حاول التنصل من موافقة سلفه على مشروع التابلاين قبل أن يعود ويوافق عليه على مضض خشية من إثارة دول الغرب ضده ورفع قضية ضد سوريا في محكمة العدل الدولية. هذا في ما خص المشروع قبل البدء في تنفيذه في يناير 1948، أما في ما خص المشاكل السياسية التي اعترضت خط تابلاين بعد ضخ النفط فيه في نوفمبر 1950 ـــ وبالتالي تدفَّق الزيت إلى الخزانات في صيدا تمهيداً لتعبئة الناقلات التي أصبح بإمكانها نقل الزيت في غضون أيام إلى أوروبا المتعطشة وقتذاك للنفط الخام لإعادة إعمار ما دمرته الحرب العالمية الثانية ـ فهي أيضا عديدة. حيث توقف ضخ النفط في الخط لأول مرة في 1956 بسبب العدوان الثلاثي على مصر، وتوقف للمرة الثانية في 1967 على اثر الاحتلال الإسرائيلي لهضبة الجولان التي يمر بها الخط، ثم توقف للمرة الثالثة في 1976 بسبب الحرب الاهلية اللبنانية، فيما استمر ضخ النفط إلى مصفاة الزرقاء الاردنية حتى توقفه نهائيا في 1990 لأسباب سياسية أيضا. أضف إلى ما سبق تربـُصْ بعض التنظيمات الراديكالية بالخط ومنشآته. فعلى سبيل المثال أصدرت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بيانا من دمشق في 1969 أعلنت فيه مسؤوليتها عن «تدمير خط البترول في منطقة تقع شمالي القنيطرة بحوالي 20 كيلو مترا في هضبة الجولان المحتلة وذلك في 31/ 5/ 69 وقد شبت حرائق هائلة في مكان الحادث ظلت مشتعلة» وأضاف هذا التنظيم اليساري المتطرف «إن أنابيب التابلاين هي ملك لمجموعة من الشركات الأمريكية الاحتكارية والاستغلالية، والنفط الذي تنقله هو ملك لها، والجهات التي تستلم هذا النفط وتستخدمه وتستفيد منه هي هذه الشركات ذاتها التي تقتل شعبنا وتغتصب وطننا في فلسطين». وإذا كان هذا بعضا مما اعترى المشروع من مشاكل سياسية فإن ما اعتراه من مشاكل فنية لا يحصى. وكانت شركة بكتل الامريكية العملاقة التي أشرفت على إنجاز المشروع تتوقع ذلك وذلك طبقا لدراسة هندسية قــُدمت لها في عام 1944. تلك الدراسة التي أكدت وجود صعوبات لإنشاء الخط وفق المعطيات التقنية والفنية واللوجستية والمناخية والتضاريسية في حقبة الأربعينات، لكنها في الوقت نفسه إعتبرته مجديا لأنه يختصر الزمن والمسافة الذي يستغرقه النفط الخام للوصول إلى أوروبا، بالإضافة إلى توفير تكلفة الرسوم العالية التي كانت تدفعها ناقلات النفط للمرور في قناة السويس. وكي نقرب الصورة للقارئ لجهة الصعوبات التي اعترت المشروع عند البدء فيه في 1948 بتكلفة إجمالية قدرها 250 مليون دولار ـ وهو رقم كبير في ذلك الزمن ـ فإنه من المفيد التذكير بأنه احتاج لإكماله إلى 350 ألف طن من الأنابيب الحديدية، وثلاثة آلاف قطعة من الآليات ومعدات البناء، و16 ألف عامل، وتشييد خمس مضخات لضخ النفط في الأراضي السعودية، تفصل كل واحدة عن التي تليها مسافة 300 كيلومترا، وكانت هذه المضخات في كل من النعيرية والقيصومة ورفحاء وعرعر وطريف، علما بأن شركة أرامكو السعودية قامت في عام 2000 بسحب النفط المتبقي في الانابيب وكانت كميته تعادل نحو مليوني برميل ثم قامت في عام 2006 بتفكيك محطات الضخ الخمس المذكورة، تاركة خط التابلاين في حاله إلى حين ظهور ما يبرر إعادة تشغيله. ونظرا لطول المسافة بين منبع النفط وموقع خزانات التعبئة في مرفأ الزهراني إلى الجنوب من صيدا فقد استغرقت عملية التعبئة ما يقارب الشهرين، علما بأن طاقة «التابلاين» عند بداية العمل فيه كانت 320 ألف برميل يومياً ــ أي ما يعادل 30% من إنتاج السعودية من النفط في تلك الفترة ــ ثم تم رفع طاقته في الستينات إلى550 ألف برميل يومياً. يقول علي الميداني في تحقيقه المشار إليه آنفا أن «الصعوبات التي تعرض لها العاملون في المشروع دفعتهم إلى تحقيق انجازات غير متوقعة، فالمشكلات الهندسية فرضت حلولا مبتكرة جديدة وغير مألوفة، ساهمت بدورها في تحقيق أرقام قياسية جديدة، فعلى سبيل المثال، كان حجم أعمال نقل الأنابيب والمواد والعمال وطول الرحلات البحرية المطلوبة أكبر من أي مشروع منفرد يتم تنفيذه بسلاسة زمنية في تاريخ صناعة النفط، فقد احتاج المشروع إلى شاحنات ومقطورات عملاقة صُمِّمت وصنعت خصيصاً له، ويمكن لكل منها نقل ما يزن خمسين طناً وسط الصحراء، أي ما يوازي وزن عربة قطارشحن». ثم يخبرنا الميداني بأن مشروع التابلاين صاحبته ابتكارات وفق نظرية «الحاجة أم الإختراع» فيقول أن من أبرز الابتكارات «الخطاف السماوي» الفريد الذي أقيم في «رأس مشعاب»، وهو عبارة عن شبكة كابلات علوية يبلغ طولها نحو ثلاثة أميال كانت تحمل مفصلات الأنابيب من السفن إلى اليابسة. يقول» وليم اوين» في صفحة 413 من كتاب «ذكريات وانطباعات» المشار إليه آنفا أن علاقة العزلة بين شركتي أرامكو والتابلاين قد انتهت رسميا في 1964 حينما فرضت الفوائد المادية نفسها «فجعلنا التابلاين شركة تابعة لأرامكو»، لكنه يضيف أن التعاون السلس والاندماج الفعلي احتاج إلى نحو خمس سنوات ليتحقق بسبب ما كان قد تنامى من تنافس حاد بين الشركتين وصراعات بين رؤسائهما ومحامييهما. أما «بيتر سبيرز» الذي عمل لدى أرامكو في البحث والترجمة والتخطيط والعلاقات الحكومية في الفترة ما بين 1950 ـ 1980 فيحدثنا في الكتاب نفسه (الصفحات 600-611) عن موضوع قد لا يعرفه الكثيرون وهو عن جدل استغرق سنوات طويلة بين أرامكو والحكومة السعودية حول خط أنابيب التابلاين. فبينما كانت أرامكو تدعي أن خط الانابيب يبدأ من القيصومة التي كانت نقطة تجميع للنفط القادم من حقول شمالية بعيدة، كانت الحكومة تقول أن الخط يبدأ من بقيق على اعتبار أن مصدر معظم النفط هو حقل بقيق. كما يخبرنا أنه عمل في القيصومة حيث كان الذي يتولى مساعدته والترجمة له موظف من الجنسية البحرينية، ويخبرنا أنه سكن هناك في سقيفة طويلة من البنايات شبيهة بالثكنة «مع وجود رواق يربط الوسط والغرف على كلا الجانبين، وفي الوسط توجد دورة مياه وحمامات الاستحمام». ثم يقول أنه أثناء تشييد خط التابلاين كان هناك راديو لاسلكي للاتصال بالظهران لوضعهم في صورة ما يتحقق على الأرض، لكن بعد تدفق النفط في الانابيب «كان عليهم إيجاد وسائل اتصال للتحكم مباشرة في كمية التدفق، والتأكد أن المضخات لن تعمل جافة، وأن الخزانات لن تفيض». بعد ذلك ينقلنا سبيرز إلى أجواء أخرى تتعلق بالأموال الواجب دفعها للحكومة السعودية مقابل النفط المتدفق في خط التابلاين فيقول كان لابد من قياس المادة المتدفقة بما يمكـّن الحكومة السعودية من الحصول على مدفوعاتها، مضيفا أنه كان يؤدي القياس عن شركة أرامكو شركة معروفة في صناعة النفط تدعى سيبولت، وكان لديها شخص هناك في القيصومة لهذا الغرض «لكن لم يكن هناك قياس من قبل الحكومة، لذا كنت أقوم بالمهمة ممثلا للحكومة». وأخيرا فإن البحرين كانت بوابة العبور لأوائل من استقدمتهما شركتا أرامكو والتابلاين من الولايات المتحدة للعمل لديها في الوظائف العليا المختلفة. فهذا المهندس الامريكي «بول أرنوت» الذي عمل مع الشركتين يقول في الصفحات 227 ـ 233 من الجزء الاول من كتاب «ذكريات وانطباعات» أنه لكي يصل إلى مكان عمله في الظهران استقل السفينة من نيويورك الى ساوث هامبتون ومن الاخيرة ركب طائرات بحرية تابعة لشركة الخطوط الجوية البريطانية لما وراء البحار باتجاه البصرة التي امضى بها ليلة واحدة قبل ان ينطلق في صباح اليوم التالي نحو البحرين. وفي وصفه للبحرين يقول أنها «جزيرة تقع مباشرة على الشاطيء المقابل للسعودية، وهي نقطة الدخول إليها، وكان بها مطار وميناء أيضا». وفي مكان آخر يخبرنا أن تاريخ وصوله إلى البحرين كان في شهر أغسطس، وأن الجو كان حارا بصورة مرعبة، وأنه ذهب مباشرة لمقابلة المسؤول عنه في البحرين «بيل فولكنر» الذي أمره بسرعة الالتحاق بالمركب المغادر إلى الخــُبر. ويضيف أرنوت أنه أخبر مسؤوله بأنه مدعو لتمضية سهرة مع «شارلي ديفز» الذي كان مدير الانتاج وقتذاك في شركة نفط البحرين التي كانت وقتها مملوكة بالكامل من قبل شركة ستاندر أويل أوف كاليفورنيا المالكة لأرامكو، كما أخبره بأن عليه البقاء لبعض الوقت في البحرين لتفصيل بعض الملابس وشراء خوذة. اعتقد الرجل أن تفصيل ما يريده من ملابس سيستغرق على الأقل مدة اسبوعين يمضيهما في ربوع البحرين العامرة قبل الذهاب إلى الصحراء القاحلة، فإذا بالخياط الذي قادوه إليه يخبره أن ملابسه ستكون جاهزة في اليوم التالي!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها