النسخة الورقية
العدد 11120 الخميس 19 سبتمبر 2019 الموافق 20 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:05AM
  • الظهر
    11:32AM
  • العصر
    2:59PM
  • المغرب
    5:38PM
  • العشاء
    7:08PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

المخدوعون والخادعون...

رابط مختصر
العدد 9165 الأربعاء 14 مايو 2014 الموافق 15 رجب 1435

لأول مرة في تاريخ البحرين الحديث يجري الترويج للطائفية المذهبية هكذا على ملء الأسماع، وعلى هذا النحو من الوضوح في إعلان الكراهية والجرأة بطرحها وعدم الاكتراث بما ستؤول إليه الحال الاجتماعية. آخر هذه الترويجات ما تضمنه تساؤل علي سلمان في خطبة يوم الجمعة الماضي التي أسرف فيها في مخاطبة الناس الذين وصفهم في مقال أخير له صاحب العمود الشهير «عيون وآذان» الكاتب الصحفي جهاد الخازن بـ»المخدوعين»، وجعل منهم أناسا متدنيي الفهم بقوله: «هل من احترام الإنسان أن يحارب المواطن الشيعي طول حياته من ولادته حتى مماته لأن له رأيا مخالفا». وقوله أيضا «نحن في البحرين متسامحون مع المسيح واليهود واللا دينيين سواء من شعب أو حكومة وهذا أمر صحيح.. ولكن في حالة عداء مع الشيعة». فهل هناك عداء أكثر صراحة من هذا الذي تشنه «الوفاق» وشقيقاتها المذهبيات على المجتمع وعلى الدولة وعلى مشتركنا الجمعي ميراثا وواقعا وآمالا في مستقبل باسم يتطلع إليه المواطن البحريني المنتمي إلى هذه الأرض الطيبة بطبعه الإنساني قبل أن ينتمي إلى طائفة أو دين أو مذهب أو إيديولوجيا؟ باختصار، ما قاله علي سلمان في خطبته تلك هو مسعى منه حثيث إلى تعميق الشرخ الاجتماعي، والذهاب بعيدا بطرح الشعارات والعناوين الكاذبة، والتي كان آخرها عنوان «الاضطهاد المذهبي» وهو عنوان بالغ الخطورة بحق؛ لأنه يبذر في التربة الاجتماعية بذور الفتنة والشقاق. خطابات متشنجة بمسحات دينية صادرة من طائفيين، خلت ضمائرهم من أدنى حس وطني، موجهة إلى دول ومؤسسات لتشيع في خطاباتها بأن طائفة بأكملها يتهددها «الاضطهاد»؛ فتتناولها أبواق سياسية تشحذ عواطف المواطنين والعالم بتوظيفها في بيانات وصوغها في شعارات يرفعها مغلوبون على أمرهم في المسيرات. وعطفا على وصف الكاتب الصحفي جهاد الخازن لكوادر الجمعيات الشيعية بالمخدوعين، نود أن ننبه إلى أنه إذا كان هناك مخدوعون فبالضرورة هناك خادعون، وهم ثلة القيادات الجاثمة على صدور الناس في الجمعيات، وليست الشيعية فحسب، وإنما الجمعيات اليسارية أيضا، هذه التي تدعو إلى التداول على الحكم ولم تكلف نفسها عناء تطبيق ذلك في بيتها الحزبي؛ فالوجوه القيادية هي هي ثابتة عبر الأزمان ما تغيّر من هيئاتها إلا ملامح نعمة على الوجوه ظاهرة وفي أنيق الملابس بادية في كل موسم خطابي يلوكون فيه الكلام ذاته ويمارسون التحريض نفسه ويستعرضون الحجج الخاوية عينها دون حياء أو خجل. صحيح أن المروّجين لهذه الخطابات أطراف مذهبية معروفة وكلها تمارس السياسة وتتاجر بمبادئ حقوق الإنسان وقيمها، بعد أن أخفقت في خلق إجماع على برنامجها السياسي المتمثل في إسقاط النظام وإقامة جمهوريتها الإسلامية، لكن تكرار هذا الخطاب وغمر الواقع الاجتماعي به في ظل توافر وسائل الاتصال الاجتماعي ورخصها سيدفع إلى أخذ هذه الأفكار المذهبية المغلفة بالشعارات السياسية مأخذ الاعتناق من طرف جماعات شيعية ويشجع الجماعات من الديانات والمذاهب الأخرى على الانكفاء خلف خطابات طائفييها ومذهبييها الذين هم على أهبة الاستعداد لتوسيع دائرة النزاع المجتمعي. فهل هذا ما تريده البحرين؟ إن سرعة انزلاق المجتمع إلى هاوية الطائفية بسبب الإصرار على تجذيرها سلوكا وممارسة على يد مؤثرين في المجتمع من رجال دين، وحتى «فكر» وجمعيات سياسية و»مراكز حقوق إنسان» تفرض علينا ألا نقف مكتوفي الأيدي فاقدي الإرادة؛ لنرى مجتمعنا المتحاب والمتواد تاريخيا يتشظى من أمامنا ونقف حياله متفرجين. نعم لقد تأخرنا في إيجاد الحل المناسب لهذه المشكلة المستعصية، والوقت قد أدركنا لنجد أنفسنا تحت وطأة ضغط هذه المشكلة، غير اننا نعول على إرادة مجتمعية جبارة قادرة على قهر الوقت لكي نتدارك فيه هذا المشكل الاجتماعي الحاد في قدرته على تنصيف المجتمع إلى مجتمعين، لهذا لا ينبغي علينا أن نترك هذا التأخير يذهب باتجاه التجاهل والنسيان حتى يصبح مستحيلا، ويصير الحل مستعصيا رغم أن التحذير مما بتنا واقعين فيه قد تم في سياقات مختلفة منذ الإرهاصات الأولى لهذه الطائفية المقيتة التي بدت في الأفق الاجتماعي مع الممارسات العنيفة والمظاهر الإرهابية التي كانت تقوم بها الجماعات المذهبية في تسعينيات القرن الماضي؛ حتى بدا هذا العنف وهذا الإرهاب من الأمور العادية التي تُمارس باسم حقوق الإنسان. قد تكون الطائفية قد أطلت برأسها يوما في تاريخ هذا البلد كما أشارت إليها بعض الوثائق، وكما انتقلت إلينا عن طريق المحكيات السردية على لسان الرواة ممن عاشوا أحداثها، ولكنها خُنقت، أما التقصير الحقيقي فهو أننا لم نشيّعها إلى مثواها الأخير. إن شعبنا عاش تاريخه الحديث متوحدا في عروبته مطبقا لإسلامه بحسب ما يمليه المذهب الذي يعتنقه كل منتم إلى هذا العرق البحريني الطيب. أما الدولة فقد كانت دائما حريصة على بقاء الوئام الاجتماعي وقد سيجت هذا الوئام بما ينبغي من الاحتياجات؛ ليحافظ على نسيجه إلى أن جاءت الطائفية البغيضة طلعا جديدا توافرت له كل الظروف الموضوعية والذاتية بعد «الثورة الإسلامية» في إيران وما تلاها من انكماشات على الذات مست كل المكونات الاجتماعية في الوطن العربي عموما، ودول مجلس التعاون فيما بعد خصوصا. غني عن القول إن لإيران يدا واضحة فيما يجري في البحرين وهي تدعم جماعات لمواصلة شق المجتمع وتأليبه على قيادته السياسية. الكل يعرف أن إيران لم تكن يوما واقعا جغرافيا وسياسيا ذا ثقة لدى الشعب البحريني، وليس مرجع ذلك أن إيران شيعية، وإنما لأن طموحاتها توسعية منذ فترة حكم الشاه، وجاءت «الثورة الإسلامية» وزادت هذه الأطماع بعدا مذهبيا، والخوف أضحى مضاعفا مما تخطط له إيران من خلال طابورها الخامس في بلدان دول مجلس التعاون. في اعتقادي أن المشكلة الطائفية غدت واضحة المعالم مكتملة الأركان في المجتمع البحريني، وتستحق منا أن تكون مدار بحث اجتماعي تقوده جمعيات وجماعات متجردة من الأنانية منفتحة على كل أطياف المجتمع متجاوزة ما هو ماثل في المجتمع من جمعيات معتبرة إياها مسؤولة عن كل الذي يجري في البلاد؛ لأن ليس كل جمعية سياسية سنية، مثلا، هي ممثلة للسنة، ولا كل جمعية شيعية هي الممثل الشرعي والأوحد لشيعة البحرين مهما ادعت ذلك؛ إذ لو أن هذا المنطق كان صحيحا لما وجدنا هذه الكثرة الكاثرة من الجمعيات على الجانبين.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها