النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12099 الثلاثاء 24 مايو 2022 الموافق 23 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

رهان «السيسي».. وأسطورة «سي السيد»!

رابط مختصر
العدد 9164 الثلاثاء 13 مايو 2014 الموافق 14 رجب 1435

في الحوار الممتع، الذي أجراه الإعلاميان البارزان «لميس الحديدي» و«إبراهيم عيسي» مع المشير «عبدالفتاح السيسي» المرشح لرئاسة الجمهورية، لفت نظري أنه حرص علي أن يكرر إشادته بالمرأة المصرية، التي أعلنها في مناسبات سابقة، مؤكدا أنه سيعتمد عليها - هذه المرة - بشكل أساسي، ليس فقط في حث أفراد أسرتها علي الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات الرئاسية الوشيكة، بصرف النظر عن المرشح الذي سيمنحونه أصواتهم، لكن كذلك في تنفيذ برنامجه إذا فاز في الانتخابات،بحكم أن هذا البرنامج يقوم في جانب كبير منه، علي ترشيد الاستهلاك، بخاصة في السلع الإستراتيجية، ومن بينها ترشيد استهلاك الكهرباء، بسبب أزمة الطاقة التي تعانيها مصر، وما كاد يقول ذلك حتي قامت زوجتي لكي تتأكد - كعادتها في الشهور الأخيرة - من أن كل الأضواء في شقتنا مطفأة، ثم عادت لتواصل متابعة الحوار، وتطفئ بالمرة أنوار الغرفة التي كنا نجلس فيها، اكتفاء بالضوء المنبعث من شاشة التليفزيون، بدعوي أن الضوء يزيد من حرارة الجو! لم تكشف إشادة «السيسي» المتكررة، بالدور الذي تلعبه المرأة المصرية في الفضاء العام، عن إدراكه فحسب للدور المهم الذي لعبته في ثورتي يناير 2011 ويونية 2013 أو معرفته بأن 40٪ من المقيدين في جداول الناخبين هم من النساء، ولكنها انطلقت أساسا من معرفته بالدور الحقيقي الذي تلعبه المرأة المصرية في حياة أسرتها وبالتالي أمتها علي عكس الاتجاه السائد - حتي بين النساء المصريات أنفسهن - بأنهن يعشن في مجتمع ذكوري يضطهد المرأة، ويهمش دورها، باعتبارها شيئا أو قطعة من أثاث المنزل، وليس باعتبارها كائنا بشريا. تلك صورة أشاعتها المرأة المصرية عن نفسها، وصمت الرجال المصريون عن تكذيبها، بل وحرصوا علي الإيحاء بصدقها، ربما لكي يرضي كل منهم غروره بأن يتظاهر أمام الآخر، أنه يلعب في بيته الدور نفسه الذي كان يلعبه السيد «أحمد عبدالجواد» بطل ثلاثية «نجيب محفوظ» الشهيرة بل وقادت المبالغة بعضهم، إلي حد إعلان تعاطفه مع قضايا المرأة، ووقوفه مع مطالبها بالتحرر من هذه السيطرة الذكورية، التي تصادر حقها في اتخاذ أي قرار يخصها أو يخص أولادها، في ظل هيمنة «سي السيد» علي البيت وعلي المجتمع.. وعلي الوظائف العليا.. سواء أكان زوجا أو أبا أو حتي ابنا. الوجه الآخر لهذه الصورة غير الصحيحة لمكانة المرأة المصرية، في أسرتها، التي يشارك في إشاعتها الرجال، لا ينكشف إلا في فلتات اللسان التي تصدر عنهم في صورة تعليقات عامة عن جبروت النساء، وإلا الشكاوي الصريحة التي يتبادلونها في جلسات الأصدقاء، عما يعانونه في بيوتهم من استبداد زوجاتهم، وتسلطهن، وتحولهن إلي خميرة عكننة، يضطرون في مواجهتها إلي الاستجابة لمطالبهن، غير المعقولة أحيانا، وإلي الخضوع لأوامرهن تجنبا لوجع الدماغ وهربا من النكد. وبصرف النظر عما قد يكون في القولين من تعميم ومن مبالغة أحيانا فإن صورة المرأة المغلوبة علي أمرها، كما عكستها «الست أمينة» في ثلاثية «نجيب محفوظ» تبدو أقرب إلي الصورة الفلكورية منها إلي الحقيقة الاجتماعية التي تقول بأن المرأة المصرية، كانت ولا تزال تلعب الدور الرئيسي في حياة أسرتها أما وأختا وزوجة وابنة، وهي صاحبة الكلمة الأساسية في بيتها، علي الرغم من كل ادعاءات سي السيد أحمد عبدالجواد! في مذكراته «خليها علي الله» يروي الكاتب الكبير الراحل «يحيي حقي» تجربة تعرض لها حين كان يعمل - في منتصف عشرينيات القرن الماضي - «معاون بوليس» في أحد عواصم جنوب مصر، حيث يسود الاعتقاد بأن أهل الصعيد هم الأكثر تشددا في اضطهاد المرأة، والأكثر تعصبا لذكورية المجتمع.. فيقول: «لا أنسي هذا المنظر الذي شهدته وأنا منشغل في تحقيق قضية تافهة، معزة نزلت في حقل برسيم.. فطارت أسرتان إلي السلاح، هذه لصون الكرامة، وتلك لصد الهجوم، كنا نعلم أن النصح والشفاعة والزجر والتهديد لن تغني شيئا، وأن بين السلام وإطلاق الرصاص خيطا أوهي من نسيج العنكبوت إن لم يكن في حضورنا فبعد ذهابنا، إن لم يكن اليوم فغدا أو بعده، وان غدا لناظره قريب، حين يطل الشيطان برأسه في الصعيد لا يدخل جحره من جديد إلا بعد أن يلغ في الدم. رأيت أول الأمر أفراد الأسرة صاحبة البرسيم: خمسة إخوة، كل منهم تمثال بديع لرجولة الصعيدي وأنفته وصلابته، لهم جميعا شوارب طويلة منتفشة، ورقاب لا أني عن التغني بجمالها وكبريائها، هم في غضب شديد كانما قتل لهم قتيل، ووجدت من الحكمة أن أذهب إلي بيتهم، بحجة الاستماع إلي أقوالهم وتحرير المحضر وأنا أرمي إلي تهدئة نفوسهم - دخلت واحدا من هذه البيوت الريفية العادية، وجلسنا في الحوش، في جانب منه سلم من الطوب الأحمر بلا درابزين يصعد إلي حجرة لها باب من لوح خشبي رقيق، وعلت الأصوات وتشابكت واتقدت العيون، ليس في الأرض قوة تثنيهم عن الشر، فإذا بهم جميعا يصمتون فجأة حين سمعنا صوت صرير باب الحجرة العليا، وهلت علينا منه امرأة عجوز محطمة، قد انقلب سواد عينيها إلي بياض، رمادية الجلد، هذه امرأة أفنت عمرها في عمل مرهق متصل، وحمل وولادة، وعرفت كل الأمراض، جري الابن الأكبر فصعد إليها في لمح البصر وتضاءل أمامها ومد لها ذراعه لتستند إليها، وجري الابن الثاني ومد لها من جانب آخر ذراعه وهو يحني رأسه، وحوط الباقون عليها يفتحون لها الطريق خطوة خطوة.. وقبل أن تبلغني كانوا يقولون لها: «لماذا تتعبين نفسك»؟ فأجابت وهي تجلس بجهد قبالتي بعد أن سلمت علي: - ييجي حضرة المعاون عندنا ولا اسلمش عليه؟ دي تبقي عيبة كبيرة قوي. سألت إن كنت شربت الشاي، وألحت علي إلحاحا شديدا أن ابقي للغداء عندهم، أدير نظري في الرجال فأراهم يجلسون في أدب قد غضوا أبصارهم، لا يبدو عليهم أنهم قادرون علي ايذاء ذبابة. سألت عن سبب الضجة، فلما علمت الخبر هونت منه، ولامت أولادها علي سرعة غضبهم، تزوم فيهم أحيانا ثم تضحك لي، وقالت: - اتركوا لي هذه المسألة أفضها مع جارنا، فإن لنا به سابق ود، فإذا تحدثت إليه لان في يدي. بقيت صورتها في ذهني بقية اليوم، أحمد لها أنها فضت نزاعا كاد يؤدي إلي مجزرة وأحمد لها قبل كل شيء أنها انقذتني من تحرير محضر طويل عريض من أجل معزة». ولعل مثل تلك الصورة، - التي لم تغادر ذاكرتي أنا الآخر منذ قرأت مذكرات يحيي حقي- هي التي أوحت للمشير «عبدالفتاح السيسي» بأنه يستطيع أن يعتمد علي المرأة المصرية، في تنفيذ هذا الجانب من برنامجه، بعيدا عن أسطورة «سي السيد» التي لا يزال البعض يروج لها، علي الرغم من أصوات النساء والفتيات المصريات، التي كانت تجلجل في فضاءات الميادين أثناء ثورة يناير ويونية!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها