النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

مطارحات

استهداف السيادة الوطنية

رابط مختصر
العدد 9163 الأثنين 12 مايو 2014 الموافق 13 رجب 1435

استهداف السيادة الوطنية الديمقراطية الليبرالية كديانة عالمية جديدة.. يجري نقاش محتد منذ سنوات حول مفهوم السيادة الوطنية بين السياسيين والحقوقيين ومؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الدولية ذات العلاقة، يميل في نتائجه النهائية إلى نوع من النفاق والازدواجية، إذ لا سيادة في الحقيقة إلا للأقوياء عسكرياً واقتصادياً وسياسياً، وتتدرج درجات هذه السيادة بعد ذلك بحسب حجم القوة السياسية والمادية والعسكرية، وتتدرج بعد ذلك تلك السيادة بحسب حجم تلك القوة، فهنالك دول لها سيادة مطلقة على العالم وعلى مجلس الأمن وعلى القرارات الدولية وعلى البحار والمحيطات والأجواء، تفعل ما تشاء وتستخدم الفيتو في وجه كل قرار يعترض مصالحها، وهنالك دول منتهكة السيادة بشكل كامل «مثل جمهوريات الموز» تشكل مجرد حدائق خلفية لدول أخرى. وهنالك دول بين بين. لقد قامت العلاقات الدولية الحديثة على مبدأ احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها، وشكل هذا المبدأ أحد أهم الركائز القانونية التي أقرّها ميثاق الأمم المتحدة، بل وأهم مقومات الاستقرار في الامن العالمي، ومع ذلك أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارات لاعتماد نظام عالمي إنساني، يهدف إلى تقديم المساعدات للأقليات المضطهدة، وقد تبع ذلك قرارات عدة لمجلس الأمن، بإرسال قوات إلى بعض المناطق الساخنة لحفظ السلام والقيام بمهمات إنسانية، بما في ذلك الدخول إلى إقليم «تيمور الشرقية» واقتطاعه من الدولة الأم، بهدف وقف انتهاكات حقوق الإنسان هناك، وكان ذلك قراراً خطيراً، لما ترتب عليه من آثار عديدة تركت بصماتها على العلاقات الدولية المعاصرة، ومنها ما يتعلق بانتهاك سيادة الدول من خلال منح الشرعية للتدخلات العسكرية والسياسية المباشرة، وعودة الوصايا بأشكالها القديمة والجديدة، وقد رأينا الترجمة العملية لذلك من خلال عودة الوصاية في كل من أفغانستان والعراق والصومال وغيرها من الدول او المقاطعات، كالمحاولات المحمومة لفرض الوصاية على إقليم دارفور السوداني .. وغيره من المناطق الأخرى. ولعلّ هذا التحول قد جاء نتيجة تداعيات تغير موازين القوى والمصالح، والتي شهدها العالم إثر انهيار المنظومة الاشتراكية، وبروز كيانات وتجمّعات إقليمية جديدة، وترسّخ مسار العولمة بما أتاحه من تحكّم الشركات المتعدّدة الجنسيات والهيئات المالية الدولية في اقتصاديات الشعوب والتشكيك في الأدوار التقليدية للدولة الوطنية، واتساع نطاق انتهاك حدود الدول الاقتصادية والسياسية والمساس بهويتها الثقافية الوطنية، وخضوعها لضغوطات من الهيئات الأممية التي تتحكم فيها الدول الكبرى، حيث بدا واضحاً أن السيادة الوطنية هي على رأس العناصر المستهدفة في مناخات التحوّلات العالمية التي تجاوزت معاني السيادة في العديد من الحالات على شاكلة التدخل في العراق وأفغانستان وليبيا بطريقة فجة، باسم ديانة عالمية جديدة، تسمى الديمقراطية الليبرالية لحماية مصالح رأس المال العالمي، والمجمعات الصناعية - العسكرية، التي يتم تلوينها بصيغتي الإنسانية والحرية، كما قد تبرز أحياناً في صيغ الإصلاح السياسي المفروض من الخارج، أو عبر ما يسمى بالحرب ضد الإرهاب، بما يفتح المجال أمام مسارات غامضة وملتبسة، مطلة على المجهول والانتهاك للسياسة والحرية نفسها، من خلال تدخلات دبلوماسية فجة، او عبر البوارج والصواريخ العابرة، أو الطائرات من دون طيار، او احتضان وتشجيع الجماعات المعادية لدولها وتشغيلها لتكون جسر عبور للتدخل السياسي والإعلامي. ولعل الإنجاز الوطني الأكثر أهمية، على هذا الصعيد، في مثل هذه المناخات الصعبة، يتمثل في ثبات الرؤية الوطنية التي تضع كل أهداف وممارسات الإصلاح السياسي رهن الجهد الوطني الداخلي، الذي لا تقفز على المراحل، ولا تعنيه أجندات الخارج المفضوحة في ارتباطاتها بلعبة المصالح، بل تركز المسار على رصد حاجيات الداخل الوطني، وموازنة خطوات الإصلاح السياسي مع جهود التطوير الاقتصادي والاجتماعي في مسار واحد، لا يفصل بين أبعاد عملية الإصلاح، رغم بطء الحركة في هذا الاتجاه والصعوبات والتحديات التي تواجه هذا الجهد الرشيد. ولذلك، فإننا عندما نواجه بعض جماعات حقوق الإنسان بمخاطر اللجوء إلى الخارج وما قد يجره من تدخل من شانه أن يمس بسيادة البلاد، يجيبوننا مباشرة ودون تردد: إنّ منع التدخّل لا يعنينا كونه لا ينطبق الا على العلاقات بين الدول، فالتدخل هنا مختلف لأنه يكون باسم دوافع «حقوق الإنسان»، خصوصا ان بعض الأنظمة تتذرع بمفهوم السيادة لممارسة أقصى أنواع الانتهاكات ضد شعوبها، ويضيف هؤلاء أنهم يمثلون «المجتمع المدني» الذي لا يعمل وفقا للمبدأ الوطني بل وفقا للمبدأ الإنساني الدولي. ولكن وبالرغم هذا الادعاء بتمثيل المجتمع فإنه - ومهما بلغت أهمية هذا التمثيل-لا يمكنه الحلول محلّ المواطنين انفسهم، او محل الدولة الشرعية نفسها، ليس هنا من تناقض محتمل بين شبكة الجمعيات والدول كممثلين للأمم والشعوب، بل البذور الأولى لتعاون ضروري يفترض أن يكون على أساس وطني، وعلى أساس حماية الاستقلال والسيادة الوطنية، ورفض انتهاك مبدأ السيادة الوطنية والتي ما تزال تُمثّل مطلباً للشعوب المكافحة ضدّ الظلم الاجتماعي او أطماع الجيران الأقوياء، وبالفعل، فإنّ الدولة ما تزال تمثّل الإطار المُحتمَل على الأقل، لممارسة السلطة الديمقراطية وتأكيد حضور الشعوب وتكريس الاستقلال الوطني، وحماية الثروة الوطنية، بسبب تمتّعها ببناء صلب للدفاع عن حقوق المواطنين والحؤول دون الاستغلال الدولي للموارد من قبل الشركات متعدّدة الجنسية، بيد انه ليس من قدر العالم أن يبقى في مواجهة هذا الوضع المتكالب الذي تتعرض فيه العديد من الدول الصغيرة لانتهاك سيادتها بأشكال متعددة..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها