النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11720 الإثنين 10 مايو 2021 الموافق 28 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:28AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:04PM
  • المغرب
    6:14PM
  • العشاء
    7:44PM

كتاب الايام

تاجر بحريني جريء سبق عصره

رابط مختصر
العدد 9160 الجمعة 9 مايو 2014 الموافق 10 رجب 1435

يورد الباحث الإماراتي حسين بن علي الوحيدي في كتابه «تاريخ لنجة: حاضرة العرب على الساحل الشرقي للخليج» ــ الصفحات 72 إلى 81 ــ أسماء رجالات من آل خاجة من أمثال «سالم بن إبراهيم الخاجة» الذي كان حاكما على جاسك وجزيرة جسم، و»محمد بن عبدالله الخاجة» الذي كان قنصلا للدولة العثمانية في لنجه، إضافة إلى «محمود محمد عبدالله الخاجة» و»إبراهيم فهمي بن محمود الخاجة»، و»الحاج يوسف بن محمود الخاجة». وعن أصول العائلة وتاريخ تجارتها، كتب الوحيدي في الصفحة 72 من كتابه النص التالي: «آل الخاجة: وهم عرب وردوا لنجه من كنكون، أولهم الحاج عبدالله والحاج يوسف. هاجروا سنة 1270 للهجرة إلى لنجة، وكان سبب ثرائهما أنهما كانا من الموظفين الكتاب عند التاجر المشهور خليفة بن عبدالله العتيبي، فقال لهما يوما: لم لا تشتريان شيئا تكسبان من ورائه. فقالا: ليس لدينا مال نتاجر به. فقال لهما: قيدا باسمكما جنسا ــ أي سلعة ــ تستفيدان منه، فقيدا باسمهما صفقة شعير، وشاء الله أن يزيد سعره بعد أيام، فباعاه وكسبا من ورائه، وتكرر ذلك حتى حصلا على 1500 قران، وهي عملة معروفة تلك الأيام، فحملاه إلى البيت، فقالت لهما امهما: أغلقا الباب واحسباه حتى لا يشعر بكما أحد، فبارك الله لهما فيه فصارا من الأثرياء، وفتح الله تعالى عليهما، فأسسا تجارة خاصة واشتريا بغالا وسفنا وصار لهما مركبان كبيران هما «علمكير» و»شاه جهان»، فكان الحاج عبدالله الخاجة يذهب بنفسه إلى كلكته في أقصى الهند ويحمل عليها الرز إلى لنجه وبنادر الخليج، والله يرزق من يشاء بغير حساب، وقد توفي الحاج يوسف سنة 1325 للهجرة». وفي البحرين يوجد اليوم أكثر من عائلة تحمل إسم «الخاجة» لكن دون أن يكون ذلك سببا في انحدارها من أصول واحدة. من هذه العائلات عائلة التاجر المحسن «يوسف بن أحمد الخاجه» المولود في بلاد فارس في عام 1879 والمتوفي في البحرين في عام 1949 والذي يقول عنه المؤرخ الأستاذ بشار الحادي في مدونته عن أعيان البحرين أنه «سافر إلى البحرين ليوسع نشاطه التجاري، وافتتح فيها محله التجاري الأول بسوق البز بالمنامة وهو عبارة عن دكان صغير لتجارة الأقمشة»، مضيفا أن الحاج يوسف الخاجة: «تزوج إحدى عشرة إمرأة ولم يرزق من الذرية إلا بيعقوب، وعلي، ومحمد، وموزة». وأنه كان «محبا لفعل الخير، يساعد الضعفاء والمساكين والمحتاجين، ويكثر من الصدقات والعطاء لهم». وأن من أبرز أعماله الخيرية بناء منارة مسجد مقبل الذكير في عام 1941 ووقف دكان عليه، ووقف دكان بسوق المنامة على مؤذني المسجد، وطباعة كتابين على نفقته الخاصة في مطبعة البحرين لصاحبها عبدالله الزايد، أولهما «وسيلة الطلب في فقه أبي حنيفة النعمان بن ثابت»، وثانيهما «وسيلة الفلاح في أذكار المساء. ويرتبط التاجر المحسن «يوسف الخاجة» بصلة قرابة، لم اتمكن من تحديدها، بتاجر بحريني آخر من العائلة نفسها من ذوي الصيت والشهرة في ميدان الاعمال والمبادرات والمغامرات التجارية، ولاسيما في مدينة الخبر بالمنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية. والإشارة هنا هي إلى المغفور له باذن الله تعالى الحاج عبدالله بن حاجي علي الخاجة الذي كان أكبر أنجال والده، والذي يقول إبنه عادل أنهم ــ أي آل الخاجة ــ وآل الزين وآل القصير أقارب وينتمون إلى أصول واحدة. ذهب الحاج عبدالله في مقتبل عمره ــ كغيره من البحرينيين ــ إلى المنطقة الشرقية في أربعينات القرن الماضي، أو ربما قبل ذلك ، محاولا إستثمار ما تعلمه في شركة نفط البحرين (بابكو) في البحث عن فرص عمل مجزية لدى شركة الزيت العربية الامريكية (أرامكو) يحقق بها طموحاته اللامحدودة. وعلى حين لم يصمد الكثيرون من رفاقه أمام شظف العيش ومصاعب الحياة وقسوتها في السعودية آنذاك فعادوا إلى البحرين بعد فترة وجيزة من العمل، كان الحاج عبدالله ضمن القلة التي آمنت بأن المستقبل واعد في تلك المنطقة، خصوصا بعدما عادت عجلات صناعة النفط إلى الدوران وانتعشت الأعمال من بعد توقف قسري بسبب ظروف الحرب العالمية الثانية. فطنة الخاجة وحدسه التجاري وتوقعاته التي لم تخنه يوما دفعته إلى الاستقرار في الخبر التي كانت في نهاية الأربعينات بلدة تتجه إلى الاتساع في كل الاتجاهات وإلى النمو في شتى المجالات، لاسيما بعد أن اتخذت منها أرامكو مركزا لمدّها ومدّ موظفيها الأجانب بمختلف أنواع الخدمات والسلع، وبنت فيها فرضة صغيرة لجلب ما ينقصها من البحرين عن طريق المراكب الشراعية والبخارية. لاحظ الخاجة إبتداء أن مدينة الخبر، وقد صارت ملجأ الأجانب وعائلاتهم للتسوق، ينقصها متجرا لبيع الملابس الأوروبية والكماليات العصرية فوفر تلك الخدمة الفريدة آنذاك عبر محل من دورين افتتحه في أحد تفرعات شارع الملك خالد الحالي. حيث سافر بنفسه في أوائل الخمسينات إلى نيويورك من أجل إستيراد أنواع مختارة من أطقم الملابس الافرنجية وبناطيل الجينز والقمصان وربطات العنق بنوعيها ــ العادي وربطة الفراشة ــ والبيجامات والمعاطف والجاكيتات والقبعات والأحذية والأحزمة والملابس الداخلية، والساعات وكاميرات التصوير والأقلام والحقائب والعطورات. ولم تمض سوى فترة قصيرة إلا والخاجة ينقل تجارته إلى محل أرحب في قلب شارع الملك خالد، وكان المحل في الأصل عبارة عن فندق كبير من ثلاثة أدوار. في هذا المكان الرحب الجديد نمت تجارة الخاجة كثيرا ليس بسبب أناقة وديكورات المحل ــ بمقاييس ذلك الزمن طبعا ــ وليس بسبب تنوع بضائعه وجودتها وعلاماتها التجارية المعروفة فقط، وإنما أيضا بسبب توفيره للخدمات المكملة كخدمة توفيرالقهوة و»الجاتوه» والفطائر للمتسوقين، وخدمة توصيل العملاء من وإلى المحل في سيارات الأجرة الأمريكية الفارهة التابعة لشركة أرامكو. أضف إلى ذلك خدمة مبتكرة هي تلبية طلبات الزبائن من السلع غير المتوفرة عن طريق إنتقائها من دفتر «كاتلوغات» ضخم مثبت في إحدى زوايا المحل، وتوفيرها رأسا من مصدرها في نيويورك خلال مدة لا تتجاوز الإسبوعين. حيث كانت الظهران في ذلك الزمن المبكر ترتبط بمدينة نيويورك برحلة إسبوعية تقوم بها شركة الخطوط العالمية «تي. دبليو. إيه»، التي كانت تدير مطار الظهران الدولي في الأربعينات. ومع توسع تجارة الرجل وازدياد الطلب على بضائعه المتنوعة، ولاسيما من قبل الأثرياء الجدد، وتوفر رأس المال أقدم الخاجة بجرأة على مغامرة جديدة فاستحوذ في عام 1960 على مساحة كبيرة من الأرض تعادل مساحة ملعب لكرة القدم في قلب المركز التجاري للخبر، وراح يقيم فوقها ما سوف تتذكره الأجيال كأول «ديبارتمنت ستور» في منطقة الخليج بأسرها. وكي يبهر الخاجه تجار ذلك الزمن ويتفوق عليهم إستورد من الخارج أول باب كهربائي دائري متحرك في تاريخ الخبر ــ وربما تاريخ الخليج كله ــ ليثبته كمدخل لمحله التجاري الشامل. لم يكتف الرجل بذلك، فقد أرادها مناسبة يتحدث عنها المجتمع لسنوات تالية طويلة وينقلون تفاصيلها لإبنائهم، لذا أقام حفلا بهيجا بمناسبة الافتتاح وزع خلالها على الحضور ما لم يسبق لهم تناوله أو رؤيته من الحلويات الفرنسية اللذيذة، وجاء ببناته الصغيرات من البحرين جوا وألبسهن ملابس بيضاء ووردية كالفراشات ليكن ممسكات بشريط الإفتتاح من الجانبين، فكان الخاجة بذلك أول من عــّرف المجتمع السعودي البدائي آنذاك بفكرة قص الشريط ايذانا بالافتتاح. كان المبدأ الذي يؤمن به الخاجة أن جهد الموظف والعامل وإخلاصه وتفانيه في العمل يرتبط إرتباطا وثيقا بمقدار ما يهيئه له رب العمل من أسباب الراحة في المسكن والمأكل. وانطلاقا من هذا المبدأ فقد تملك منزلا ضخما من دورين يتوسطه فناء واسع تحيط به الغرف، وجعل من كل غرفة سكنا لموظف من موظفيه الذين إنتقائهم من بين مواطنيه البحرينيين المتعلمين وبعض السعوديين النجباء. إلى ذلك أحضر لهم طباخا خاصا ليعد لهم بالمجان وجباتهم اليومية الثلاث على شكل بوفيه عامر بما لذ وطاب. أما أثناء العمل فكان الخاجة هو أول من ابتدع فكرة فرض الزي الموحد على موظفيه أثناء قيامهم بواجباتهم. وكان الزي مكونا من طقم رجالي كامل أبيض اللون مع ربطة عنق على شكل فراشة وحذاء باللونين الأبيض والأسود تمشيا مع صرعة الاربعينات وأوائل الخمسينات. وعلى الرغم من أن مغامرة الخاجة في تأسيس أول «ديبارتمنت ستور» في الخليج لم يكتب لها النجاح المأمول بسبب ضخامة المكان وجودة المحتوى من السلع مقارنة بالقوة الشرائية الضعيفة للسواد الأعظم من الناس ونوعية احتياجاتهم المتواضعة، فإن الخاجة لم يخسر إذ باع عقاره بهامش ربح معقول على مجموعة من المستثمرين السعوديين واللبنانيين الذين حولوا ذلك المبنى الكبير إلى مستشفى تحت إسم «مستشفى السلامة»، وهو المشفى الذي لا يزال قائما إلى اليوم في المكان نفسه، ويطل على أربعة شوارع رئيسية. غير أن الخاجة المجبول على حب المغامرات وقيادة المبادرات لم يثنه فشل مغامرته السابقة عن ركوب الموجة مجددا. لقد عزّ عليه أن يهجر تجارة الملابس الاوروبية الجاهزة واكسسواراتها التي كانت سببا في شهرته، لذا نراه يقرر في منتصف الستينات أنْ يصفي جلّ تلك التجارة ويــُبقي فقط على الجزء الأثمن منها والمتمثل في الساعات واقلام الحبر والولاعات الثمينة والمحافظ الجلدية ومشابك ربطات العنق وحقائب السفر. ونراه في الوقت نفسه يتجه بجسارة نحو الاستثمار في قطاع كان يشوبه الخوف والتردد وهو قطاع الفندقة. لقد وجد الرجل بنظرته المستقبلية الثاقبة أنّ بقاء الحال من المحال، وأنّ مدن المنطقة الشرقية ستصبح إنْ عاجلا أو آجلا محجة لرجال الأعمال، وأنه بالتالي لابد من توفير خدمات فندقية لائقة فيها، حيث لم تكن الخبر والدمام والمدن المجاورة لهما تحتضن وقتذاك سوى عدد ضئيل من الفنادق الصغيرة ذات المستوى المتدني، سواء لجهة الأثاث أو الخدمات أو المناهل. وهكذا راح الخاجة في مطلع السبعينات يضع حجر الأساس لأول فندق عصري في تاريخ المنطقة الشرقية. ولم ينتصف عقد السبعينات إلا و»فندق الخاجة» يُشار إليه بالبنان كسكن لكبار الزوار و كبار ضيوف شركة أرامكو، وكما يلتقي فيه عــُلية القوم لتناول الوجبات أو القهوة والمرطبات، خصوصا وأن هذا الفندق تميز باحتضانه لأول مطعم صيني في تاريخ المنطقة الشرقية، والفضل يـُعزى، بطبيعة الحال، لصاحبه الذي سافر بنفسه إلى هونغ كونغ وتايوان ليجلب منهما الطهاة وما يحتاجونه من معدات، حيث لم تكن خطوط الإتصال وقتذاك مفتوحة بين السعودية والصين الشيوعية. ومرة أخرى يخيب ظن الخاجة، لكن هذه المرة ليس بسبب إخفاق المشروع ماديا، وإنما بسبب عدم تقديره للأمور بدقة. وبعبارة أخرى فإن الفندق الذي إعتقد أنه يفي بالغرض المطلوب صار في غضون سنوات قليلة عاجزا عن استيعاب الحجوزات، وصارت صالاته وردهاته ومطاعمه مكتظة على الدوام. لقد جاءت طفرة منتصف السبعينات النفطية بالخير العميم، وصارت مدن المنطقة الشرقية وسواها كخلية نحل وورش عمل لا يتوقف هدير مكائنها، وحل فيها فجأة مئات الآلاف من البشر من كل فج عميق، بينما إمكاناتها الفندقية والخدمية والترفيهية محدودة للغاية. فما العمل؟ هنا نجد الخاجة يقود مغامرة استثمارية جديدة دون خوف أو وجل أو تردد، معتمدا على سمعته النظيفة وعلاقاته التجارية المتشعبة وروابطه القديمة مع دوائر شركة أرامكو ورجالاتها الأوائل. ولم تكن المغامرة الجديدة سوى شراء قطعة أرض كبيرة على مقربة من فندقه وبمساحة توازي أربعة أمثال مساحة ذلك الفندق لتكون مكانا لفندق جديد بعدد أكبر من الغرف والصالات والمطاعم والمرافق، وبممرات أرحب، وديكورات أكثر فخامة وانسجاما مع متطلبات المرحلة. وقد تم تشغيل هذا الفندق في عام 1975 او نحو ذلك، لكن صاحبه لم يعش ليرى نموه وازدهاره أو ليضيف إليه المزيد من ابتكاراته ولمساته. إذ إنتقل إلى رحمة الله تعالي في أغسطس من عام 1977 بعد حياة حافلة بالكفاح والعطاء والكرم والخصال الطيبة التي لا زال أبناء الخبر يتذكرونها كلما مروا بمبناه الفندقي الذي اشتراه طبيب سعودي من أصول مصرية وحوله إلى «مستشفى الدكتور محمد فخري». وبعد، أليست هي مفارقة أن يتحول كلا المكانين اللذين شهدا ولادة مشاريع الخاجة غير المسبوقة في الخبر إلى مستشفيين؟ ونختتم بالإشارة إلى أن الخاجة مارس التجارة في البحرين أيضا، لكن على نطاق أضيق مما مارسه في الخبر. حيث كان له متجر في شارع الحكومة بالمنامة في الموقع الملاصق للفرع الحالي لبنك البحرين والكويت، كما استثمر جزءا من ثروته في بناء عمارات سكنية ذات تصاميم متميزة في كل من القضيبية ــ بالقرب من منزل علوان أفندي»، وفي سوق المنامة ــ بالقرب من فندق العاصمة. أما سكن الحاج عبدالله وعائلته في المنامة فقد كان في منطقة الحورة، حيث كان يملك منزلا ضخما ظل مهجورا طيلة عقد التسعينات إلى أن تم هدمه قبل نحو عامين من بعد أن اشتراه الوجيه المرحوم عبدالله أحمد ناس ليقيم عليه «مجمع ناس» في شارع الزبارة عند تقاطعه شرقا مع شارع المعارض.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها