النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

من مفارقات الأزمة..

إيقاف الحروب التي في العقول أولاً!!

رابط مختصر
العدد 9158 الأربعاء 7 مايو 2014 الموافق 8 رجب 1435

الجميع يتحدثون عن رفض العنف ونبذ الكراهية، ولكن في خط مواز نجد دائرة العنف تتوسع ويجد من يحتضنه تبريرا وتمويلا، كما نجد مساحة الكراهية تتسع يوما بعد اليوم في مختلف اشكال الخطابات (الديني-الإعلامي- السياسي..)..هذه المفارقة تضعنا اليوم أمام أزمة صعبة تتشكل من عدة عقد متداخلة وتناقضات لا اول لها ولا آخر، ولكن هذا الوضع الشاذ يضعنا في ذات الوقت أمام استحقاقات متجددة للتحول نحو مجتمعات متسامحة قادرة على التعايش والقبول بالتنوع، والتقدم نحو الديمقراطية والمشاركة السياسية وبناء الفضاء الاجتماعي الحر، وتعزيز الاعتماد على القدرات الذاتية لتفادي الارتهان للخارج من خلال تجديد شروط الشراكة الفكرية والاجتماعية والتنموية في مشروع حضاري إنساني سواء على المستويات العلمية والتربوية أو على المستويات السياسية والحقوقية والثقافية نحو أفق إنساني أكثر قدرة على تقبل الاختلاف والعيش المشترك والقبول بالآخر. إن هذا التجديد يمكن أن يؤسس لمفاهيم السلام الحقيقي والتعايش بين الأديان وهو الشرط الرئيسي للسلام في بعده الأعمق، وضمن شرطه الإنساني، حيث إن الحروب – مثلما يقول التربوي الفرنسي جاك ديلور- تنشأ أول ما تنشأ في العقول، والسلام لا ينشأ إلا إذا نشأ في العقول والوجدان أولا- وذلك من خلال الحد من اتساع المسافة بين الأديان والمذاهب، بل داخل المذهب الواحد نفسه، واتساع الشقة تمهيدا لحروب لا تنتهي إلا بهلاك الأرض والحرث والنسل فالذين زرعوا الانقسامات وغذوها ورعوا نموها لتنهض في النفوس والعقول يجلسون اليوم على الربوة، فيما يحترق أبناؤنا اليوم بنارها في الساحات والمدارس والمساجد والجامعات والمصانع، وقد يكون الزارع الناعق هنا أجنبيا قريبا، أو أجنبيا بعيدا ولكن له وكلاء محليون يتعيشون من آلامنا ودمائنا، فالانقسامات التي يريدونها لنا تعيد إلى الأذهان احتمالات إعادة إنتاج «سايكس– بيكو» جديد تحت شعار «سلام ديمقراطي» في الشكل، وفي مضمونه تكريس للانقسام الاثني – والديني والطائفي. وبدلا من تعزيز وحدة الدولة الوطنية، يصبح لدينا دول طائفية دينية عرقية مذهبية، على شاكلة دولة شيعية وأخرى سنية وأخرى كردية ورابعة تركمانية مثلا، وتصبح هنالك رئاسة مارونية ورئاسة سنية ورئاسة شيعية ورئاسة كردية ومحاصصة وزراء وولاة وقضاة وباعة متجولون، الأمر الذي يدخل المنطقة في دوامة من العنف والفوضى المولّدة للأحقاد والتفكك. ...التاريخ يجيبنا انه لا حل تقريبا. فالعنف ليس ظاهرة جديدة ولدتها العولمة، مثلما يزعم البعض، وإنما يعود تاريخه إلى العهود القديمة، حيث شهدت البشرية أصنافاً لا تحصى كمَّاً وكيفاً من مظاهر القسوة والبربرية والعنف التي سببت سلسلة من الكوارث المأساوية المتعاقبة، وحتى داخل المجتمعات الغنية والهانئة نسبيا كتلك المنتمية إلى دول أوروبا الغربية مثلا، فإن هنالك نوعا من العنف البنيوي الذي اعتادت عليه هذه المجتمعات والقائم على التفاوت الاجتماعي المذل وعلى التمييز المهين والإفقار المنظم والتهميش لقطاعات واسعة من هذه المجتمعات، خاصة الفقراء والمعدمين.. ولذلك فحتى القوانين المحلية أو الدولية الهادفة إلى ترويض الناس أفرادا وجماعات للحد من العنف فإنها لا تكاد تلعب سوى دور ثانوي، حيث إن منطق القوة هو الذي يهيمن في النهاية والتحالفات والمصالح السياسية هي الفيصل وليس القيم الأخلاقية والسياسية والقانونية. ويظل الجانب المتعلق بالدور المفترض للعلاقات الثقافية بين الدول والشعوب في الحد من موجات الكراهية المولدة للحروب وللعنف بكافة أشكاله، فإن العلاقات الثقافية المتبادلة بين الدول والجماعات تظل محدودة الدو، فعند أول مواجهة أو خلاف سياسي أو عسكري، تتمترس الثقافة هي الأخرى لتتحول إلى أداة من أدوات الحرب، ولكن من المهم التأكيد بان التصور المعياري الذي نملكه عن أنفسنا تجاه الثقافات الأخرى هو عنصر مهم في هذا الإطار، فإذا سعى الغرب على سبيل المثال إلى إعادة النظر في صورته عن نفسه، يمكنه مثلا أن يتعلم ما الذي عليه تعديله في سياسته كي ينظر إليها على أنها تجسد مقاربة حضارية ببعد إنساني بعيدا عن الهيمنة والعنف والاحتقار والإيذاء المنظم للشعوب الأخرى، وإذا لم تتم السيطرة على النزعة الرأسمالية الهمجية والمتوحشة في طمعها وعنفها، فسيكون من المستحيل التمكن من وقف المشاكل المولدة للحروب والمآسي. فالمطلوب -إذا ما أريد للعنف أن يتراجع-الحد من النتائج الأكثر تدميرا للإنسان، والأكثر إذلالا لإنسانيته على صعيد العالم، والحد من الإذلال والإفقار الذي تغرق فيهما مناطق وقارات بأكملها بسبب الفوارق المجحفة بين الدول والشعوب، تلك الفوارق المتأتية في الغالب من مصالح الغرب الأساسية. وقد نكون أيضا في حاجة ماسة إلى تعزيز دور الأطر المؤسساتية في الأصعدة الإقليمية والدولية وإنشاء المزيد منها لمواكبة أشكال الوفاق الدولي وتعزيز اللقاءات الدولية من اجل السلام، بما قد يسهم في بلورة توجه سلمي عالمي يعزز التوافق في مواجهة سياسات التوحش التي انتهجتها رسميا الإدارات الأمريكية المتعاقبة. وإذا كان من الصعب وضع نهاية للعنف بكافة أشكاله، فإن بالإمكان الحد منه بشكل ملموس بالحد من آلية إنتاج الأفكار المولدة والمسوقة والمبررة للعنف. وهكذا، فالخطر المحدق بشعوب المنطقة قاطبة كان، وما زال، ذا وجهين: - الوجه الأول العقل الذي حَكَمَنا غلَّب فينا عقلاً طائفيا تفتيتيا أسَرَنا من خلال الأوهام الطائفية والحروب المستجلبة من أعماق التاريخ. - الوجه الثاني غلَّب علينا عقلاً حداثويا خارجا عن السياق المحلي وتعقيداته استلبنا بالأوهام والقفز على الواقع ودفعنا الى مواجهات مزيفة وطرح إشكاليات أكثر زيفا.. ان المطلوب هو تجاوز الاستلابين، الأصولي والحداثوي لانباتتهما عن الواقع، ونعتقد أن هذه الإشكاليات الزائفة تسقط اليوم، ليتكون وعي جمعي ومشترك بين الجميع الذين يبدو أنهم أدركوا الحاجة الى التقارب. هذا التقارب بين كل المجموعات الفكرية والسياسية بدون استثناء، والدعوة إلى حوار مجتمعي يشارك فيه الجميع، هذا الحوار يستدعي قبول الناس بعضهم ببعض للوصول إلى مشترك بينهم.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها