النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12142 الأربعاء 6 يوليو 2022 الموافق 7 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

أحمد فؤاد نجم.. ونجيب ساويرس.. وآخرون

رابط مختصر
العدد 9156 الأثنين 5 مايو 2014 الموافق 6 رجب 1435

كنا ستة اجتمعنا في ركن من أركان قاعة اجتماعات واسعة، ملحقة بمكتب المهندس «نجيب ساويرس»، الأربعة الآخرون هم «د.عماد أبوغازي» و«الشاعر إبراهيم داود» «ومني فائق» المسئولة عن الأنشطة التنموية في مكتب نجيب «واعتذر سادسنا المنتج السينمائي «محمد العدل» أما سابعنا فكان الفاجومي الذي كانت روحه تطل علينا من زجاج القاعة التي تقع في الطابق السادس والعشرين، وتطل علي النيل، وكأنها خرجت من عمق مياهه، وفي الخلفية صوت «أم كلثوم» يغني «شمس الأصيل.. دهبت خوص النخيل يا نيل، تحفة ومتصورة في صفحتك يا جميل»! وكانت الصفة التي اجتمعنا بها، هي أننا أعضاء في مجلس أمناء «جائزة أحمد فؤاد نجم لشعر العامية المصرية»، وهي جائزة نشأت فكرتها، أثناء اللقاءات التي جمعت أصدقاءه في قائمة وبعد رحيله وتبرع صديقه المهندس «نجيب ساويرس» بالقيمة المادية لثلاث جوائز قيمتها مائة ألف جنيه، تمنح سنويا لثلاثة من شعراء العامية المصرية، وأسفرت المشاورات عن اختيارنا نحن الخمسة لكي نشكل مجلس أمناء الجائزة، وكان جدول أعمال الاجتماع الأول - الذي عقد يوم الثلاثاء الماضي - هو تحديد شروط وآليات التحكيم ومواعيد فتح باب الترشح للجائزة، وتسليم الجوائز للفائزين بها، وغير ذلك من التفاصيل.. وكان ابرز ما انتهينا إليه، هو أن يتم فتح باب الترشح في 22 مايو من كل عام، وهو عيد ميلاد نجم الذي ولد في هذا اليوم، علي أن توزع الجوائز في آخر ديسمبر وهو ذكري رحيله في عام 2013. قبل الاجتماع وأثناءه وبعده كنا - كالعادة الشائعة بين المصريين والعرب - نخرج عن جدول الأعمال، لتقودنا عبارة يقولها أحدنا في الموضوع، إلي دردشة حرّة، ليست لها علاقة مباشرة بهذا الجدول، وإن كانت لها علاقة بصاحبه، الذي كان يطل علينا عبر مسطح الزجاج الذي عليه.. قادما من صفحة النيل التي تنعكس عليها شمس الأصيل، فتذهب سعف النخيل. وسط الضحكات التي كانت تتصاعد أحيانا حين يتذكر أحدنا موقفا من مواقف «نجم» المليئة بالمفارقات والتناقضات، أو تعليقا من تعليقاته الساخرة، كنت أسرح أحيانا بذاكرتي إلي جلسات السمر التي جمعتنا، وأشعر بحنين جارف إلي ما كان يسودها من صفاء، إلي أن اجتذبني حديث «نجيب ساويرس» عن الظروف التي شاهد فيها «نجم» لأول مرة. حدث ذلك في بداية سبعينات القرن الماضي، خلال حوارات الحركة الطلابية النشطة، التي كانت تعارض آنذاك، سياسة اللا حرب واللا سلم، وتتخذ من صحف الحائط، إدارة إعلامية تعتمد عليها في نشر أدائها في الشئون السياسية الجارية، مطالبة بحسم مسألة تحرير الأرض المصرية والعربية المحتلة، في حرب 1967، وفي توعية الطلاب بهذه المطالب، وحشدهم حولها ولم يكن الأمر يتطلب سوي مساحة من ورق البريستول الأبيض المقوي مقاس 35*50سم، وقلم فلوماستر يكتب به الطالب مقالته، ثم يعلقها علي أحد الأشجار ويثبتها في فروعها بخيط من الدوبارة، أو يضعها علي أرض أحد الممرات ويثبتها بقطع من الطوب، ويقف إلي جوارها في انتظار مرور القراء الذين يجتذبهم عنوان المقال، فيتلكئون عنده، ليقرءوه من باب العلم بالشيء، ويجدوا فيه جديدا غير الذي يقرءونه في الصحف الرسمية من انباء وتعليقات وعلي عكس ما يحدث في هذه الصحف، فإن كاتب المقال، كان يقف بشحمه ولحمه وابتسامته إلي جوار ما كتب، علي استعداد للإجابة عن أي سؤال من أسئلة القرار، وللنقاش مع أي صاحب رأي، حتي لوكان مخالفا لرأيه. من بين زحام هؤلاء الطلاب بعد ذلك أسماء قادة سياسيون وصحفيون وأدباء ورجال أعمال وصناع سينما وتولي بعضهم الوزارة، وشارك الكثيرون منهم فيما تلا ذلك من انتفاضات شعبية، وكان «نجيب ساويرس» الطالب آنذاك بكلية الهندسة بجامعة القاهرة، أحد الذين اجتذبتهم هذه الظاهرة، فبدأ يقرأ هذه المقالات، ويشارك في حلقات النقاش التي يعقدها الطلبة حول ما ينشر فيها من آراء ويشارك في الأنشطة التي تعلن هذه الصحف عن إقامتها فى أحد مدرجات الكلية، أو في مدرج كلية أخري من الكليات التي تقع مبانيها في الحرم الجامعي. وكانت معظم هذه الأنشطة ندوات سياسية يدعي إليها عدد من الصحفيين أو الكتاب السياسيين، من المعروفين بمعارضتهم للنظام، وكانت تنتهي عادة باحتفالية شعرية غنائية، يحييها الشاعر «أحمد فؤاد نجم» بإلقاء بعض قصائده، ومغن وملحن كفيف هو الشيخ «إمام عيسي»، يغني ما قام بتلحينه من قصائد كتب معظمها «نجم» وكتب بعضها غيره من الشعراء، وكان معظمها يتغني بالوطن، ويدعو لتحرير الأرض العربية المحتلة، ويشيد بالمقاومة الفلسطينية. وبسبب ما اجتذبت أشعار «نجم» وألحان «إمام» طالب الهندسة الشاب، إلي عالمها الذي كان يختلف كل الاختلاف عن عالمه، فعلي العكس من الشاعر الصعلوك والمغني الكفيف، اللذين كانا ينتميان إلي العالم الذي يعيش تحت خط الفقر، واللذين امضي كل منهما جانبا من سنوات طفولته فى ملجأ لرعاية الأيتام، وعملا بمهن تافهة وضربا في مناكب الأرض، ينحتان في الصخر، حتي يجدا ما يتقوتان به، كان «نجيب» ابن عائلة من الأثرياء تعمل في مجال المقاولات، صحيح أنها عائلة عصامية كونت ثروتها بجهد الأب، إلا أن الجيل الثاني منها الذي ينتمي إليه «نجيب» كان قد نشأ في ظروف ميسرة، لا وجه للمقارنة بينه وبين الظروف التي نشأ فيها «أحمد فؤاد نجم» ولذلك لم يكن واردا ولا في الأحلام أن تنشأ بين الرجلين صداقة تحت أي ظروف! فكيف نشأت هذه الصداقة العجيبة؟ كان ذلك هو السؤال الذي توقفت عنده، في اللحظة التي عدت فيها إلي مناقشة جدول أعمال الاجتماع الأول لمجلس أمناء جائزة أحمد فؤاد نجم «لشعر العامية المصرية» بينما كان «نجم» يطل علينا عبر زجاج النافذة، قادما من عمق النيل، وصوت أم كلثوم تغني «شمس الأصيل دهبت خوص النخيل يا نيل.. تحفة ومتصورة في صفحتك يا جميل...» والقصة لم تكتمل بعد.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها