النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

القيادة التاريخية

رابط مختصر
العدد 9155 الأحد 4 مايو 2014 الموافق 5 رجب 1435

غالبا ما تنتهي الحوارات العربية السياسية التي أعقبت أحداث «الربيع العربي»، بخاتمة تقول: «نحن في حاجة إلى قيادة تاريخية»، أو ما يوحي بأن «أزمة العرب اليوم هو افتقادهم إلى قيادة تاريخية» قادرة على انتشالهم من «المأزق التاريخي» الذي تمر به حركة التغيير العربية. في البدء لا بد من التأكيد على أن الوصول إلى هذه الحالة هو في حد ذاته «تعبير تاريخي» عن وضع إيجابي، يحمل في ثناياه شعور مكونات العمل السياسي العربي بالحاجة للتغير الذي يخفي في جوهره فشل قيادة معينة عن إنجاز متطلبات المرحلة الراهنة، بكل تعقيداتها وملابستها. فالشعور بفقدان الشيء، هو تجسيد للحاجة إلى غيره. ومن هنا فهذا التعطش العربي الباحث عن هذه «القيادة التاريخية»، هو أول بذور البحث عن سبل الانتقال إلى حالة تاريخية جديدة تتلاءم والتطورات التي عرفتها المنطقة العربية، والتي بدورها ليست معزولة عن تلك التي عصفت بدول العالم الأخرى. فليس بعيدا ما يجري في سوريا، على سبيل المثال، في خطوطه العامة وليس التفصيلية، عن ذلك الذي نراه اليوم في أوكرانيا. لكل منها نكهته الخاصة المستمدة من ظروفه الذاتية، لكن يبقى هناك الكثير من المشترك بينهما عند تناول المسألتين من زاوية المستوى العام والإطار الشمولي. ومن الخطأ القاتل حصر صياغة مفهوم «القيادة التاريخية» في الأدبيات السياسية العربية، وإن كان العرب سباقين إلى ذلك. فإذا ما اعتبرنا أن «الكتلة التاريخية» التي تحدث عنها كارل ماركس وفريدريك إنغلز، والتي تكون أحد النتائج السياسية/التاريخية لجهود القيادة التاريخية، فبوسعنا هنا الإشارة إلى كتابات عالم الاجتماع العربي ابن خلدون، الذي يعتبره البعض أول من «انتبه إلى مفهوم الكتلة التاريخية بشكل علمي استقرائي وأخضعها للدراسة الموضوعية بالحديث عن جذورها والتغيرات التي تطرأ عليها والآثار المترتبة على ذلك». فقد تناول المفكر العربي ابن خلدون ذلك من خلال ما أطلق عليه اسم العصبية، «وما يتبع ذلك من مصطلحات كالأعوان... والنصرة... والتخلي... والعمران (البنى التحتية)... والآداب والفنون وصناعة الثياب وأنواع المأكول والمشروب (البنى الفوقية)... وما يقابل العمران من خراب وتدهور على يد كتل تاريخية جديدة (عصبيات جديدة) ناشئة». لكن ينبغي الاعتراف أن ابن خلدون لم يظهر في كتاباته، وبالوضوح الجلي المطلوب تلك العلاقة المنطقية بين الحاجة للقيادة التاريخية، وتشكل الكتلة التاريخية، وإن برزت في تلك الكتابات بعض التلميحات الباهتة التي تشير إلى مثل تلك العلاقة. وهو امر منطقي عندما تؤخذ المسألة في إطارها التاريخي. لكن من المعروف تاريخيا أن «أول من اخضع مفهوم الكتلة التاريخية للدراسة العلمية الرصينة وتوقف عند جذورها ومقوماتها، واسباب بزوغها، ونتائجها ودورها في حركة التاريخ هما كارل ماركس وزميله فردريك انغلز». فقد تنبه كلاهما على نحو مشترك الى العناصر الحقيقية التي تقف وراء «حراك التاريخ الاجتماعي والسياسي والاقتصادي ودور تغير عوامل الانتاج الاقتصادي على الفكر البشري وضمور وصعود كتل تاريخية قادرة على تغيير كل المفاهيم التي كانت عصية على التغيير وتحمل ثبات المقدس». فكما تعلمنا دروس التاريخ، أنه أمام المنعطفات التاريخية المهمة التي يتقرر عندها مصير شعب بكامله، تتشبث قيادات معينة جلها من المثقفين ومتمرسي العمل السياسي الذين يحاولون، بوعي أو بدون وعي إيقاف عقارب الساعة، من خلال تمسكهم بمراكزهم القيادية في مكونات العمل السياسي، وكأنهم بذلك العمل يصرون على إعاقة عمل قوانين التاريخ. عند تلك اللحظة التاريخية تبرز من بين الصفوف قيادة تاريخية، لا تستأذن أحدا، وتكون مؤهلة، بحكم تكوينها السياسي والاجتماعي، لأن تأخذ على عاتقها مسؤولية إحداث التحولات المطلوبة التي تسير في اتجاه حركة التاريخ وحركة التغيير الضرورية المصاحبة لها. ننطلق في ذلك من كون التاريخ، ليس في جوهره، كما يصفه بعض علماء السياسة سوى تعبير ملموس « عن صعود قوى اجتماعية جديدة وهبوط أخرى. وأن الذي يحكمه هو التطور الاجتماعي». وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى اجتهادات المفكر العربي محمد الجابري، الذي رأى أن «الحركات السياسية الكبرى التي أرادت إنجاز المهمات التاريخية قد وضعت هذه المقولة (الكتلة التاريخية) نصب أعينها وذلك لحشد كل إمكانيات الشعب لمواجهة الخطر الذي يتعرض له»، أو انجاز المهمات المطلوبة. ومرة أخرى ينبغي التأكيد أن هذه الكتلة التاريخية كي تتشكل وتمارس دورها الطبيعي في إحداث التغير المطلوب لا بد لها من قيادة سياسية مؤهلة تقوم بزرع الأفكار القادرة على إحداث التغيير في صفوف أوسع قطاع ممكن من الجماهير كي تصل بدورها إلى مستوى القدرة على تكوين تلك الكتلة التاريخية التي تأخذ على عاتقها مهمة تجسيد ذلك التغيير على أرض الواقع. ولا يمكن الحديث عن «الكتلة التاريخية»، دون التوقف عند المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي، بغض النظر عن اتفاقنا معه أو اختلافنا معه، فلابد من الإشارة إلى ما اسماه «باللحظة التاريخية «وهي في جوهرها «علاقة القوى السياسية ببعضها البعض. أي تقييم درجة التجانس والوعي الذاتي والتنظيمي التي وصلت إليها المجموعات المختلفة»، كي تدرك أن لحظة التغيير قد أزفت، وأن الكتلة التاريخية قد تكونت، وأن بروز القيادة التاريخية كي تأخذ زمام المبادرة قد بات ضرورة لا مناص منها. هذا التوقيت بين تشكل «الكتلة التاريخية»، وحلول أوان «اللحظة التاريخية»، لا يمكن ان يلمسه أحد سوى القيادة التاريخية المؤهلة التي بات من مسؤوليتها تقدم الصفوف كي تتخلص من تلك القيادات المتآكلة من الداخل التي لم يعد أمامها من خيار سوى التنحي قبل أن تزيحها قوانين حركة التاريخ بقسوتها التي لا ترحم.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها