النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

مطارحات

انفعال عشوائي أو غوغائي في البنية الثقافية للخوف

رابط مختصر
العدد 9151 الأربعاء 30 أبريل 2014 الموافق 30 جمادى الآخرة 1435

الكاتب في بلاد العرب، إما يكون منتقدا أو مادحا، إلا انه لا يعرف إلى النقد الذاتي طريقًاً، وحتى لا نظلم الكتاب جميعا، يجب أن نعترف بأن الظاهرة عامة وراسخة القدم عندنا، فهي ليست من الصفات اللصيقة بالكتاب والصحفيين فحسب، بل هي عامة، تنتشر بين الجميع، إلا من رحم ربي. فالنقد الذاتي ليس من نقاط قوة الفرد العربي، فمن الصعب أن نجد أحدهم في حالة تجل وكشف لأخطائه بالصدق العام المطلوب، فالكل على حق، والكل في حديثه عن نفسه كامل، والكمال لله. انظروا -مثلاً- إلى ظاهرة المذكرات الشخصية لكبار الزعماء والساسة والرؤساء ورؤساء الأحزاب والجمعيات والفنانين في العالمين المتقدم والمتخلف على حد سواء، والتي باتت تغزو العالم منذ سنين بعيدة، هذه الظاهرة وقفت حائرة عاجزة عند أبواب بلاد العرب، فكم من مسؤول عربي -رحل أو رُحل، انعزل أو عزل- تجشم مشقة كتابة مذكراته على سبيل المثال؟ ولماذا لا يفعل ذلك مثلما يفعل المسؤولون في العوالم الأخرى؟ ما الذي يمنعه من أن يقف أمام المرآة ويتحدث عن إنجازاته وعن اخطائه؟؟ قارنوا ذلك بما يحدث في بلدان العالم الحر، بل قارنوا ذلك بما حدث ويحدث حتى في بلدان أفريقيا السوداء وأمريكا اللاتينية. أما العرب فيبدو أنهم لا يجيدون الكتابة خارج بهرج المسؤولية وغطائها وحصاناتها المختلفة، فمعظمهم لا يكتب في حياته أكثر من العبارات التي تعبر عن قوة الموقع أو الكرسي. مشكلتنا أننا ننتمي إلى دائرة ترفض الجلوس أمام المرآة، دائرة مصابة بضعف الإيمان بأن لكل إنسان ملامح خاصة، ورذائل خاصة، وان لكل إنسان تجربة في الضعف الإنساني، يجب أن يطلع عليها العالم، ويستفيد منها الآخرون.. نحن دائرة تحتقر التاريخ، والناس، والرأي العام مما يجعل الجميع يلجأ إلى كواليس الإشاعة والأقاويل الفارغة والكتابة على الجدران، والتي لا تهتم إلا بالجزء الخاص بالرذائل الخاصة.. والاستثناءات النادرة التي صاغت شبه مذكرات في تاريخ العرب، فعلت ذلك بحذر شديد، وبلغات أجنبية في الغالب «حتى لا يقرأها أغلب القراء العرب»، وفي دور نشر أجنبية بعيدة، ربما بسبب الاستلاب أو بسبب الخوف من اطلاع الجمهور الواسع عليها، ولكن النتيجة في الأخير واحدة، وهي إخفاء الحقائق. *** وجه آخر لثقافة الخوف يرتبط بخوف المثقف من مواجهة استحقاقات الواقع ومن متطلبات الموقف الفكري والسياسي في ذات الوقت، فهو يخاف من مواجهة القوى الاجتماعية والسياسية الفعالة فيجاريها او يسكت عنها أو يجاملها، أو ينسحب الى غياهب الصمت مفضلا الجلوس على الربوة والاكتفاء بالتعبير عن « الهلاميات» أو التهويم في عوالم العبث اللغوي، أو التظاهر بالتعالي على «سفاسف الصراع الاجتماعي والسياسي». إن الصمت والانسحاب قد يكونان تعبيرا عن موقف، ولكنه يظل في النهاية موقفا سلبيا، وغير فاعل، وإذا كان ميزان القوى يميل الى صالح القوى المحافظة والمضادة للتقدم والحداثة فان الصمت يكون بالضرورة تقوية لهذا الموقف ومساندة له. فالمثقف لا يكون مؤثرا إلا إذا كان ملتزما بالتعبير عن حركة التاريخ ومضطلعا بمهمة التنوير، ومستقلا «عن الطمع والهوى»، ولن يكون مستقلا إلا إذا كان مستور الحال مقضي الحاجة، لا تضطره الفاقة والعوز إلى إراقة ماء الوجه وبيع النفس والعقل والروح. لأن المثقف إذا دار في فلكها بشكل امتثالي، أصبح مسلوب إرادة العقل، وإذا عاش في الركاب صار بوقا، يلحقه ما يلحق المتبوع من انتكاسات ومن عداوات طالما أنه يتطابق معه ويتماهى معه، ولا يقل خطورة عن مثل هذا الموقف ذلك الانسحاب الصامت من الحياة الفكرية والثقافية والسياسة عامة، أو اللا مبالاة كعنوان للتدمير الصامت للذات، خلية خلية لكيلا يسهم المثقف في الحياة وهو من كان يحلم بواقع أفضل، وهذا ما نلاحظه حاليا بين أوساط مثقفينا الذين فضلوا الانسحاب من الحراك ومن الحوار على حد سواء، ولذلك لم « يعبأ بهم أحد». ان المعركة هي معركة الجميع، معركة الدفاع عن امن المجتمع واستقراره وتنميته وحريته وحداثته في ذات الوقت، ولذلك فإن الذي يتخلف عن الوقوف مع الوطن ومصلحته يكون قد تخلف عن أداء رسالته، ولذلك لا افهم كيف يمتنع المثقف عن الإدلاء برأيه في مجتمع يشهد تحولات ومخاضا متعدد الابعاد ويواجه تحديات كبيرة. ففي الغرب، تتأسس قوة المثقف من جرأته وثقته بنفسه أو تحرره الكلي من مختلف أشكال الخوف، يقوده التساؤل الحي والنقد البناء الى المشاركة في الارتقاء بالمجتمع، بعيدا عن سيادة اليقين والتلقين والامتثال، وذلك أن تلك البلاد توقفت عن أن تكون بلاد الخوف، بينما المثقف في ديارنا العربية، تتناهشه أشكال لا تحصى من الخوف، من كل شيء، حتى من نفسه ومن افكاره التي تراوده ولا يقوى على البوح بها حتى لنفسه. ليس فخرا الاعتراف بأن مجتمعاتنا لاتزال يحركها انفعال عشوائي أو غوغائي، فلم نترب على استعمال العقل النقدي الا نادرا، فأغلبنا تعلم وتثقف على التخويف والتسليم والقناعة والرضا، ونبذ حرية التفكير وحق الاعتراض، فأصبحت مجتمعات دون إرادة فاعلة، والمثقف أو الكاتب عندنا جزء من هذه البنية، فهو -حتى إذا كتب- إما يكون منتقدا -لا ناقدا- أو مادحا -لا محللا- إلا انه في اغلب الأحوال، لا يعرف إلى النقد الذاتي طريقًاً، وحتى لا نظلم الكتاب جميعا، يجب أن نعترف بأن الظاهرة عامة وراسخة القدم عندنا، فهي ليست من الصفات اللصيقة بالكتاب فحسب، بل هي عامة، تنتشر بين الجميع، إلا من رحم ربي. جملة مفيدة من أجمل ما كتب الشاعر البحريني علي الشرقاوي في الزمن الجميل: «تعب أنا لكأنّ روحي بالضنى عصفورة خلعوا جناحيها بأعلى المنحنى فبكيت دما وبكيت لكن العنا ما كان يعرف من أنا!».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها