النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11931 الثلاثاء 7 ديسمبر 2021 الموافق 2 جمادى الأولى 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:47AM
  • الظهر
    11:29PM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

إيراني ينصب على آل الشايع ويهرب إلى البحرين

رابط مختصر
العدد 9146 الجمعة 25 أبريل 2014 الموافق 25 جمادى الآخرة 1435

توقفنا في مقالنا في الأسبوع الماضي حول كتاب «أصداء الذاكرة» لرجل الأعمال الكويتي المعروف عبدالعزيز محمد الشايع عند وصوله إلى «بمبي» للدراسة ومشاهدات «الصدمة الحضارية» الأولى. ونواصل في مقال هذه الجمعة استعراض شريط ذكرياته عن تلك المرحلة الثرية من حياته. حيث يقول انه عاد إلى الكويت بعد سنتين من الدراسة لكنه سافر إلى الهند مجددا بعد عامين من أجل البقاء فيها للمساعدة في إدارة تجارة العائلة فعاصر فيها إنتهاء الحرب العالمية الثانية واندلاع حركة الاحتجاج السلمي ضد المستعمر البريطاني بقيادة المهاتما غاندي وتقسيم شبه القارة الهندية إلى كيانين منفصلين. وحول الجزئية ما قبل الأخيرة يقول ما نصه «الهند استقلت بصورة سلمية بعيداً عن الثورات. لم يتأثر اقتصادها، بل كانت مهيأة للاستقلال من خلال رجالاتها وتنظيمهم وإعدادهم للخطط، أمثال نهرو ووزير الداخلية بتيل وغيرهما». ويصف عبدالعزيز الشايع «بمبي» فيقول أنها كانت مدينة مزدهرة ومركز للاستيراد والتصدير مع الخليج، وأنه أثناء الحرب العالمية الثانية لم تكن هناك بواخر لنقل البضائع منها إلى الخليج سوى بواخر شركة «بريتش إنديا ستيم نافيغيشيون» التي كانت تعمل على خطين ملاحيين أحدهما سريع أي يصل ما بين «بمبي» والبصرة في 7 أيام، والآخر بطيء يستغرق 15 يوما للوصول من بمبي إلى الكويت. اما عن أسباب تقدم تجارة الكويتيين في الهند على سواها فيرجعها الشايع إلى تعاونهم وتكاتفهم وما كانت تتمتع به مكاتبهم من تنظيم، ناهيك عن إحلال الكويتيين لأساطيلهم البحرية المتنامية في الحجم والعدد والوجهات مكان بواخر الشحن التقليدية التي كانت وقتذاك منشغلة في الحرب العالمية الثانية. ويتحدث عن علاقة الخليج بالهند فيصفها بالوثيقة ويقول ان الهند كانت وجهة الكويتيين والخليجيين للعلاج والتعليم والسياحة في بونه وبنغلور وحيدر آباد وميسور وغيرها. وعلى الرغم من إشادته بمباهج الهند ومصداقية الهنود وإلتزامهم في تعاملهم مع أهل الخليج لدرجة أنه لا يتذكر وقوع أي مشكلة بين الطرفين، فإنه ترك «بمبي» وعاد إلى الكويت في عام 1952، أي بعد أن عاش في الأولى 13 سنة متواصلة، منزعجا من قرار إتخذته الحكومة الهندية اشترطت فيه على من يريد مزاولة التجارة في الهند من الاجانب أن يكون له شريك هندي بنسبة 50 بالمائة، وعليه لم يرجع بعدها إلى الهند إلا في زيارتين خاطفتين، وهو في طريقه إلى الشرق الأقصى. وعن اندماجه في المجتمع الهندي يخبرنا عبدالعزيز أنه بسبب وجود جالية خليجية كبيرة في الهند فإنه لم يكن هناك اختلاط واسع بالهنود، واصفا تلك الجالية بأنها كانت تتكون من الكويتيين والسعوديين والبحرينيين والاماراتيين، فمن الكويتيين يتذكر عبدالعزيز حمد الصقر، محمد عبدالمحسن الخرافي، محمد النصف، حسين بن عيسى القناعي، الشيخ عبداللطيف العبدالرزاق، حمد السلطان القناعي، خالد الخميس، سليمان الصانع، ومساعد الساير. ومن البحرينيين يتذكر أحمد عبدالرحمن الزياني، الشيخ مصطفى عبداللطيف، والشيخ إسحاق الخان. ومن السعوديين يتذكر الحاج محمد علي زينل علي رضا، صالح ومحمد العلي البسام، عبدالرحمن وعبدالله البسام، وحمد العلي القاضي. ويقول ان أعضاء هذه الجاليات كانوا يلتقون ببعضهم دائما، ولاسيما عند زيارات حكامهم إلى «بمبي»، وخصوصا أثناء زيارات حاكم الكويت الأسبق المغفور له الشيخ عبدالله السالم الصباح الذي كان يحب هذه المدينة كثيرا ويتردد عليها أكثر من مرة في العام، بل الذي كان وراء فكرة إنشاء المدرسية العربية في «بمبي» وتزويدها بالمدرسين الفلسطينيين ومختلف الأجهزة والأدوات المدرسية على نفقته الخاصة. ويضيف الشايع أن هذه المدرسة قامت بدور مشهود لجهة تعليم اللغة العربية لأبناء الجاليات العربية كافة، وأنها بعد وفاة مؤسسها الشيخ عبدالله السالم تعهد ابنه الشيخ سعد العبدالله برعايتها، مشيرا إلى ظهور مدارس أخرى بعد ذلك مثل المدرسة المحمدية وكلية الدراسات الإسلامية اللتين تأسستا بمبادرة من المرحوم صالح الشايع، وكلية الهندسة والتقنية التي تكلف تأسيسها نحو مليون دينار كويتي تبرع بها المرحوم عبداللطيف الشايع، ومدرسة البنات في «بمبي» وملاحقها السكنية التي تأسست بكلفة نصف مليون دينار كويتي من تبرعات المرحوم صالح الشايع. ويتذكر عبدالعزيز الشايع قصة المدرسة العربية فيقول حينما بدأت أعداد الجاليات الخليجية والعربية بالانحسار بعد استقلال الهند وسادت توقعات بأن المدرسة العربية في «بمبي» سوف تتوقف عن العمل، كاتب صالح الشايع المغفور له الشيخ سعد العبدالله الصباح مذكراً إياه بأن المدرسة هي إحدى مكرمات والده وينبغي أن تستمر، خصوصا وأنها كانت تتحول في المساء إلى ديوان يجتمع فيه العرب، فجاءه الرد بتأجيل إغلاق المدرسة عدة سنوات قبل أن يتم في النهاية إلحاقها بالقنصلية الكويتية في «بمبي» المجاورة لها. وإذا كان عبدالعزيز الشايع لم يخالط الهنود كثيرا للأسباب التي أوردها، فإن ابن عمه صالح علي الشايع كان على العكس منه تماما. إذ انغمس حتى النخاع في المجتمع الهندي. فقد شارك في الأندية الأدبية الهندية، وحصل على عضوية نادي سباق الخيول الذي كانت عضويته مقتصرة على الطبقة السياسية المتنفذة، وكان يصطاف مع الهنود من علية القوم في مصيف بونة ويقيم معهم في دار خاصة للضيافة ملحقة بنادي السباق. إضافة إلى ذلك كان صالح الشايع أحد التجار الخليجيين القلائل الذين تزوجوا هناك، وكان زواجه من السيدة «عائشة الفوزان» شقيقة السفير السعودي الأسبق في الهند «عبدالله الفوزان». وهكذا كان صالح الشايع يطيل الإقامة في الهند لسنوات. وفي هذا السياق كتب عبدالعزيز: «وكانت تمر مدة طويلة لا يعود فيها إلى الكويت، أطولها استمرت خمس سنوات، ولذلك سبب يتعلق بمعلومات وصلت إلى وكالة مكافحة التهريب والمخلين بالقوانين، تفيد أن بعض الكويتيين يقومون بتهريب الذهب. وقد وضع مسؤولو ذلك المكتب صالح الشايع في قائمة من يعتقدون انهم يتاجرون بالذهب، ولم يكن وحده في تلك القائمة بل ضمت أيضاً حسين بن عيسى وحمد السلطان والكثير من الكويتيين على الرغم من أننا مسجلون رسمياً في بومباي وندفع الضرائب. وقد رأى صالح أنه لو عاد إلى الكويت في اجازة لبضعة شهور كما كان يفعل دائماً، فربما سيمنعونه من دخول الهند لاحقاً. وهكذا بقي في الهند وسعى لإزالة اسمه من تلك القائمة واستعان لأجل تحقيق ذلك بالحاج محمد علي زينل الذي كان يعمل في مجال تجارة اللؤلؤ، وهو صديق حميم لصالح، وبعد أن بحثا أمر القائمة اتفقا على الذهاب إلى نيودلهي، حيث الحكومة المركزية. وقاما بالاتصال بأعلى المستويات هناك ونجحا في إقناع المسؤولين بأن هذا الاتهام غير صحيح وأنه بُني على أساس كيديّ، ونتيجة لجهودهما تلك ألغي القرار عن الجميع». ونجد في كتاب الشايع هذا النص «لم تكن الحياة في الهند تسير على خط واحد، بل كانت أوجاعا ومسرات، طرائف وآلاماً، فيها محطات عمل وجهد وفرح، لكن تخللتها أيضا عمليات نصب، وكانت أكبرها تلك التي تعرض لها مكتب الشايع من قبل يهودي إيراني، ووصلت حلقاتها إلى البحرين، حيث كانت نهايتها سعيدة، إذ عاد المال المسروق إلى أصحابه». ولندع صاحب «أصداء الذاكرة» يروي تفاصيل هذه الحادثة بنفسه: «في عــام 1949 عندما انفصلت باكستان عن الهنـد، فتحنا خطاً تجارياً بين بومباي وكراتشي، وأصبحنا نصـدّر بضائع من وإلى المدينتين، واستمر العمل على هذا المنوال بهدوء، إلى ان زارنا في أحد الأيام شخص يهودي إيراني يتقن اللغة العربية، وقال إنه مسافر إلى كراتشي، وهــــو بحـــــاجة لتحويل 250 روبـــــية يملكها في كراتشي. ولأنني لم أطمئن له منذ النظرة الأولى، فقد سألته: لماذا تحول هذا المبلغ الصغير؟ ضعه في جيبك وسافر! إلاَّ أنه تحجج بالخشية من سرقته في الطريق وادّعى خوفه من فقدان المبلغ الذي هو بأمس الحاجة إليه، وألح علينا في طلبه، مما جعل الأخ صالح الشايع يوافق، حيث طلب مني أن احرر له تحويل هذا المبلغ على محمد المرزوق المتواجد في كراتشي، وكنا نتعامل معه، وهكذا استلمت منه 250 روبية وكتبت له ورقة بالتحويل ووقعتها وسلمته إياها. لكن اليهودي الايراني عاد الينا بعد شهر، وقال إنه لم يسافر وطلب منا ورقة تحويل أخرى لمبلغ الـ 250 روبية الذي سبق ان سلمنا إياه وحولناه له إلى كراتشي. فاستغربت ما قاله وبدأت أتشكَّك في نواياه، وعارضت إعطاءه تحويلاً، لكن الأخ صالح ألح عليّ وقال لي: أعطه ورقة اخرى فيبدو أنه مسكين ومحتاج إلى هذا المبلغ فعلا. فما كان مني إلا اطاعة الأخ صالح فيما طلبه، ومنحته ورقة تحويل جديدة ونسخة الوصل التي نحتفظ بها عادة في سجلاتنا. بعد فترة قصيرة زارنا محمد المرزوق في بومباي، وعندما رأيته أردتُ الاطمئنان على مبلغ اليهودي فالشك لم يفارقني منذ البداية، وسألتُ المرزوق: هل جاءكم اليهودي بورقة تحويل؟ فأجاب: نعم جاء ودفعنا له 20 ألف روبية! عندها هتف صالح: 20 ألفاً؟! كيف؟ انه لا يستحق سوى 250 روبية فقط! وهنا أصبح الأمر واضحاً، فبعد ان فشل هذا اليهودي في تزوير الورقة الأولى، أراد ورقة تحويل جديدة لكي يحاول فيها من جديد، وهكذا نجح في محاولته الثانية، ولم ينتبه لها المرزوق بناء على تعاملاتنا الكثيرة معه. لكن محمد المرزوق وبعد ان تبين له الأمر رجع حالاً إلى كراتشي وتتبع خطوات اليهودي فتبين له أن قام من خلال بنك معين في كراتشي بتحويل 19 ألف روبية إلى لندن بطريقة «الشيك» واشترى بطاقة سفر سافر بها إلى البحرين لبيع الشيك هناك. ولم يسافر اليهودي إلى لندن حيث حول المبلغ المسروق، بل أثبتت تحريات المرزوق أنه سافر إلى البحرين. وبعد أن درسنا تحركاته، قام السيد محمد المرزوق بالاتصال بحاكم البحرين الشيخ سلمان آل خليفة وأخبره بما حصل وأن اليهودي موجود في البحرين، وقد أمر الشيخ سلمان السلطات الأمنية بملاحقته، وتم القبض عليه وايداعه السجن، وقد طلب مني الأخ صالح السفر إلى كراتشي لمعرفة كل التفاصيل والتوجه منها إلى البحرين للحاق به هناك. فنفذت الطلب فورا، وفي كراتشي أعطاني المرزوق خطاباً إلى الشيخ سلمان حاكم البحرين الذي كانت تربطه به علاقة ومعرفة، وشرح المرزوق في الخطاب كل تفاصيل عملية النصب والسرقة التي قام بها اليهودي، مع معطيات كاملة عنه مثل اسمه الكامل كما هو مُدَوَّن في الجواز وجنسيته وغيرهما من المعلومات الاخرى التي يمكن أن تسهل عملية البحث عنه. وعندما وصلت إلى البحـرين ذهبت فوراً لمقابلة الشيـخ سلمان حيث سلمتـه خطاب محمـد المرزوق، فوعـدني خيراً وأبدى حرصه عـلى استرجاع حقنا من اليهودي الإيـراني الجنسيـة. ولأن المال الحلال لا يضيع أبداً، ولحسن حظنا وسوء حظ ذلك اليهودي، تعثر تحويل الشيك الذي يحمله لمشكلة عارضة تتعلق بالشيك نفسه، مما جعل البنك يوقف صرف الشيك. وفي ذلك الوقت كانت في البحرين محكمة إنكليزية والحاكم فيها باكستاني، ومن حسن الحظ أيضاً انه كان على علاقة جيدة مع بعض أصدقائنا في البحرين، وعندما ذهبت لأقابل اليهودي الموقوف في السجن طلبت منه ان يعترف بما اقترفته يداه لكنه لم يعترف، فقلت له: أنا الذي أعطيتك التحويل، فلا تؤذ. نفسك ولا تؤذنا.. بل أعد لنا أموالنا التي سرقتها مقابل ألاّ نطالبك بأي شيء آخر، لكنه استمر في إنكاره، وفي هذه الحالة كان ينبغي ان تقوم باكستان (كراتشي) بتقديم طلب لأمير البحرين لنقل المتهم إلى اراضيها حيث تتم محاكمته هناك. وقد حتم علي هذا الوضع أن ابقى في البحرين لمدة أربعين يوما بانتظار أن يأتي وفد باكستاني رسمي لتقديم الطلب واستلام المتهم، وبالفعل جاء وفد مكون من ثلاثة جنود وضابط استلموه. وعندها فقط استطعت ان ارتاح قليلاً وأتابع رحلتي إلى الكويت. وقد تمت محاكمته في كراتشي وحكم عليه بتسليم المبلغ المسروق». ولعله من الاهمية بمكان أن نشير في نهاية المطاف إلى أن الشايع كانت له تجربة سياسية قصيرة في عام 1964 حينما دخل الوزارة التي سرعان ما خرج منها بسبب وجود صراعات في داخلها، ولجوء بعض اطرافها إلى إستخدام المادة 131 من الدستور ــ وهي مادة تمنع الجمع بين العمل الحكومي والتجاري ــ في هذا الصراع من أجل التخلص منه ومن رفاقه. كما لا يفوتنا أن ننوه بما ذكره عن الدور الحيوي للجنرال الانجليزي «هستــد» في تنظيم مدينة الكويت وتخطيطها تخطيطا نموذجيا قبل 60 عاما، وتزويد مناطقها بمكاتب خدمية، وهو ما يذكرنا بما فعله السير «تشالرز بلغريف» في المنامة. وفي لغة لا تخلو من الانتقاد والسخرية في آن كتب «احمد الصراف» حول هذه الجزئية قائلا: «لم يهتم أحد بتسمية سكة صغيرة باسم هستــد، في الوقت الذي أطلقنا فيه أسماء من هب ودب على شوارع مدننا، ربما لأنهم امتلكوا يوما كراجا أو حظرة صيد سمك أو جاخورا، أو كان نائبا سيء السمعة»! وفي مكان آخر يذكرنا الصراف بأنه كان من النادر سماع قصص تتعلق بالغش والتزوير والسرقة بين الكويتيين من الرعيل الأول على الرغم من أن غالبيتهم كانوا من الفقراء المعدمين، وينصح قائلا ان « ما تحتاج له الكويت الحديثة هو الهودة للنظام الاخلاقي الذي كان سائدا، وهذا لا يمكن تحقيقه من دون تضمين المناهج الدراسية مواد تتعلق بتدريس الأخلاق، التي إنْ ذهبت، وهي بالفعل قد ذهبتْ، فستذهب معها الأمم».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها