النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

من أجل التقاء إرادات الإصلاح والتطوير

بين خطاب الاحتجاج وخطاب الامتثال

رابط مختصر
العدد 9144 الاربعاء 23 أبريل 2014 الموافق 23 جمادى الآخرة 1435

لدينا اليوم خطاب سياسي أدمن الاحتجاج(ولا شيء غيره) ويقابله خطاب أدمن الامتثال (ولا شيء غيره)، لنكون إزاء خطابين متطرفين: الأول متطرف في الكراهية، والثاني متطرف في الحب.. والكراهية والحب ليسا من مصطلحات السياسة، ولا من مفاعيلها ولا من آلياتها، فالسياسة تقوم على الموازنة بين المصالح وبين الممكن الآن والممكن غدا، وبين جدل الطموح مع الواقع، وبين المطالب والطموحات وعقلنتها ومواءمتها مع حياة الناس ومصالحهم ومعاشهم وطاقتهم على الاحتمال، ومراعاة متطلبات تغير الأحوال، وتجنب الانتحار والمغامرات التي تؤخر العباد والبلاد ولا تتقدم بهما.. وعند تفكيك الخطابين بغرض التوصل إلى فهم آلياتهما ومؤدياتهما في مجمل المشهد الوطني نجدهما متطابقين بالرغم من تناقضهما في الهدف والمرمى واللغة والشعارات، لأنهما لا يتوقفان عند محطة التحليل والنقد والتحفظ ولا يريان إلا لونا واحدا (ابيض أو اسود فقط)، وهما بهذا المعنى خارج نطاق الوعي المؤثر في حركة التاريخ.. ولكن إذا كان الخطاب الامتثالي ضربا من تجميد السّائد والتماهي معه والنظر إليه بعين الرضا والقبول في جميع الأحوال وكأنه خطاب آلي (اوتوماتيكي في مجال التماهي والمطابقة وفي ثقافة التطبيل والتزمير)، فإن الخطاب الاحتجاجي المطلق المفرغ من العمق والوعي بحركة التاريخ وبحدود المهام التي يمكن انجازها في كل مرحلة، يصبح بدوره عقبة مظللة على المهام التاريخية، باعتباره قائما على جملة من الشعارات التي تفقد بريقه كلّما تلبست بأشكال مختلفة من الإسقاط واللاّواقعية، والأخطر من ذلك ان هذا الخطاب الاحتجاجي تحكمه أعنف درجات التمثل الانفعالي للحظة، مما ينتج في الغالب ضربا من القصور يمكن استجلاؤه من خلال بعض مظاهر الانحدار في خطاب بعض الجمعيات السياسية وبعض السياسيين من التيارات المختلفة من اليسار إلى اليمين.. لقد هيمنت في السنوات الأخيرة هذه الحالة التي تترجمها بشكل يومي المقالات الصحفية والمنابر الدينية والبيانات السياسية في صيغتين متناقضتين تخفيان الروح الحقيقية التي تجسدها المجالس الشعبية والرؤى المتحررة من ثقافة الامتثال ومن ثقافة الاحتجاج، بل إن هذا النوع من الاستقطاب السلبي لا يساعد البلاد على التقدم نحو أهداف بناء الثقافة الديمقراطية، في نوع من التضليل المفضي الى بناء وعي مزيف. المصيبة الثانية انه وحتى القوى الديمقراطية (التي يفترض انتماؤها إلى توجه ديمقراطي) تتخذ في خطابها الاحتجاجي نبرة معاكسة للخلفية الفكرية التي تحملها إلى درجة يمكن معها لأي ملاحظ فهم النزعة التصفويّة التي يبدو أنها منقادة إلى أجندات محدّدة ترى مصلحة في إدماج اليمين الأصولي داخل أنسجة المجتمع المدني في إطار استراتيجيات مدروسة لإعادة تشكيله بما يخدم مصالحها والمسألة من الواضح أنها تتجاوز مجرّد التنسيق السياسي الظرفي، إلى نوع من التحالف الذي كثيرا ما تحدثنا عنه، مع أن التحالف كمصطلح يحيل إلى شيء من التغايّر والتضادّ في مرجعيات الأطراف المتحالفة، ولكن خلال الأزمة الأخيرة وصل الأمر إلى نوع من التسخير الكليّ للواجهة الحزبية لمثل هذا الحلف الاحتجاجي المطلق الذي لا يرى أي ايجابية فيما أقدمت عليه الدولة خلال اكثر من عشر سنوات من خطوات إصلاحية، بما أدى إلى الإعلان الصريح عن الانحدار الإيديولوجي إلى أعمق غياهب المـاضوية في تجسـدها الأكـثـر عنفيـة وانغـلاقـا ندفع اليوم ثمنه بسبب تفويت فرصة اللحظة التـاريخية التي كانت مواتية لالتقاء إرادات الإصلاح والتطوير. ومثلما أنتج خطاب بعض التيارات في المشهد الوطني درجة من درجات التمثل الانفعالي من خلال البيانات التي تميل إلى تبرير الكوارث والتعدي على القانون، مما أنتج ضربا من القصور يعكس مظاهر الانحدار في أنشطة بعض المجموعات السياسية، فإن خطاب الموالاة - إن صح التعبير- لا بدّ أن يتجاوز منطق الترديد ورفع الشعارات التي تطغى فيها اللغة على المضمون، ذهابا إلى منطق الحجة، الذي يَفهم بعمق ما تُنجزه الدّولة على الأرض - بشهادة التقارير والأرقام والمنجزات المشاهدة بالعيان- وينزّل ذلك ضمن حركة البناء المزدوج للحداثة والدّيمقراطية، وذلك لأنّ بناء الديمقراطية، وبناء الحرية عمل يستلزم كامل عناصر الصرح الذي تقوم عليه الدولة. ومن هذا المنطلق تحديدا لا بد أن يجترح هذا الخطاب طريقا لرد الاتهامات الموجّهة للدولة، والتي تقوم على تناقض صارخ يتمثل في عدم النظر إلى ما يحدث فيها من تطوّر اقتصادي واجتماعي وسياسي وحقوقي، ضمن نسق البناء المتلازم للحداثة والحرية والديمقراطية ولو بالتدريج والتقسيط، في حين أن ذلك هو نسق بنائهما التاريخي الحقيقي كما تم في الغرب وفي أوروبا على وجه الخصوص. كما أنه من المفيد الوعي بأن بناء الحداثة والحرية هو برنامج سياسي له خصومه، فقد بنى الفكر الغربي والحضارة الغربية بأكملها تجربته للحرية على أساس ربطها بالتاريخ، وبالفعل اليومي، لذلك فإنّ الحرية تحرّر، يقتضي تدرّجا في السّيطرة على الضرورات التي تجعل الإنسان متى ما كان تحت وطأتها لا يمارس الحرية: الهمجية والتوحش والجهل والفقر، ولابدّ، هنا، أن نُدرك أنّ منطق تطوّر الأشياء يؤدّي إلى ضرب من التّأثير الرّاجع إلى تطوّر العقول والذّهنيات، والموقف الدّاعي إلى قصر الحداثة حداثة العقول، وأنّ فشل مشاريع الحداثة في كثير من البلدان العربيّة يرجع إلى عدم قدرة نخبها السياسية على استيعاب التحدُّث الضروري للعقول الذي نجم عن صدمة الحداثة نفسها، وبالتّالي إلى عدم قدرتها على الاعتراف بسليلها السياسي الطّبيعي. إنّ فشل مشاريع الحداثة يرجع لكونها لم تدرك أنّ الغاية الحقيقية تتمثل في تعديل الحداثة بالحرّية وتعديل الحرّية بالحداثة، أي في اغتناء الحداثة بالإنسانيّة، إذ لا يمكن بناء الحرّية ضمن سياق من الخصاصة والفقر وانتشار المرض والأوبئة والجهل وانعدام الكرامة. ولا يمكن إرساء الحداثة من دون إطلاق متدرج للإرادة، إطلاقا يعطيها دورها في صنع التاريخ.. ففي الدول الديمقراطية تقوم حركة الاحتجاج بإدخال أجندتها على طاولة العمل السياسي المنظم وتفاوض وتصل إلى تسويات سياسية. في الدول غير الديمقراطية، أي التي لا يعتمد نظام الحكم فيها على نتائج صندوق الاقتراع، لا تتطور حركة الاحتجاج للتعبير عن مصالح اقتصادية اجتماعية مستدامة. وتنتهي حالة الاحتجاج بمعالجة القضية قيد الاختلاف.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها