النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

مطارحات

بوعبدالله ليس مهتماً بـ «الحوار ولا بتعديل الدوائر

رابط مختصر
العدد 9142 الأثنين 21 أبريل 2014 الموافق 21 جمادى الآخرة 1435

ليس من باب التسخيف أو التسطيح وصف الأغلبية الصامتة «غير المتحزبة» بكونها غير معنية في أجندة أولوياتها بالعديد من القضايا التي تحاول النخبة السياسية والحزبية الإشاعة بأنها «طموحات الشعب»، مثل الانتخابات والدوائر الانتخابية والتعديلات الدستورية الى اخر ما في قائمة الجدول السياسي المعروف.. هذه الفجوة لا تعني ولا يجب ان تعني أن جمهور المواطنين «الصامتين» غير معنيين بالإصلاح السياسي او بالحرية والديمقراطية، ولكن المسألة تتعلق بجدول الأولويات فقط، ففيما تركز النخبة السياسية المتحزبة على موضوع السيطرة على السلطة والتداول عليها كأولوية، وما يستدعيه ذلك من التدافع السياسي نحو الصراع والضغط والابتزاز، فإن الأغلبية الصامتة من المواطنين غير المتحزبين تنشد الأمن والأمان والحرية والكرامة والازدهار والعيش الكريم حقيقة لا شعارا. بوعبدالله هو أحد هؤلاء المواطنين الصامتين الصابرين المكابدين، في الخمسين من العمر، موظف في «الحكومة» على حد تعبيره، راتبه 485 دينارا لديه اربعة من البنين والبنات، كبيرهم في الجامعة، يمضي وقت راحته الخاصة في الفترة المسائية وفي الإجازة الأسبوعية في أداء أعمال هامشية تكميلية بين سوق واقف والسوق الشعبي ليوفر بعض المال الاضافي لتغطية احتياجات اسرته. وهو لا يكاد يجد الوقت لمشاهدة التلفزيون، ولا لحضور الندوات والتجمعات أو المشاركة في المظاهرات. بوعبدالله لا يحب السياسة والسياسيين، ولديه حساسية خاصة ضد الجمعيات السياسية وحتى الخيرية، ولا يهتم لأمر الانتخابات والبرلمان والبرلمانيين، ولا يعرف من أمر البلدية إلا ما يتعلق بالنظافة. ومع ذلك صوت مرتين مرة في الانتخابات البلدية، والثانية لانتخاب ممثل الدائرة في البلمان والذي «طلع لا يهش ولا ينش» على قول بوعبدالله، ومن وقتها اضرب على المشاركة في الانتخابات التي يفوز فيها دائما رجال الدين على حد قوله أيضا. يكتفي بوعبدالله بمتابعة أصداء السياسة في شكل حكايات وإشاعات ونكت وسخافات خلال «استراحة العمل»..لا يقرأ الصحف ويراها «كلاما فارغا» ولا يشاهد التلفزيون إلا عرضا، يتابع الإذاعة خلال ذهابه الى العمل في السيارة، يصلي ويصوم ويحترم قواعد المرور، وملتزم بدفع فاتورة الكهرباء في مواقيتها، لا يسافر لم يؤم المجمعات التجارية، ولا المنتزهات منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي.. فاجأني بو عبدالله مؤخرا بسؤال غريب لم أعتده منه، فهو لم يسأل عن علاوة الغلاء التي ينتظرها بفارغ الصبر، ولا عن توزيع المساكن والشقق الاسكانية على المواطنين الصابرين في طابور الانتظار، ولم يسألني كالمعتاد عن آخر الأخبار، بل فاجأني بسؤال جديد عن: حكاية الحوار الوطني؟ «هكذا حرفيا».. وحاولت – رغم المفاجأة السارة بتحولات بو عبدالله في الاهتمام بالسياسة - أن اشرح له الحكاية، وبالرغم من كونه شبه أمي، فقد استوعب اللغز بسرعة فائقة، إلا انه علق على الموضوع ببرود شديد: هذه الحكاية لا تهمني، ولا احسب أمثالي مهتمين بها، نحن مهتمون بتوفير الأمن والسلامة والطعام والسكن والصحة والتعليم لأبنائنا، وإذا كانت الدولة توفر لنا كل هذه الأمور- ولو بشكل متواضع - فإنها تكون حكومة زينة، تعدل الدستور أو ما تعدل الدستور، تسوي انتخابات او ما تسوي انتخابات بعد ذلك فليس الأمر مهما بالنسبة لأمثالنا. قلت لأبي عبدالله متفلسفا: هذا معناه انك غير مهتم بالديمقراطية والحرية وحقوق الانسان، فمن أجل تحقيق التنمية والعدالة والرفاهية، نحتاج إلى إقامة دولة المؤسسات الديمقراطية المستقرة،‏ وتوسيع الحريات وترسيخ المحاسبة‏،‏ وتحقيق الشفافية واحترام الحقوق والحريات الأساسية للإنسان، باعتبارها حجر الزاوية في بناء الحكم الرشيد القادر على إنجاز التنمية، وتمكين الناس من بناء القدرات الذاتية والمشاركة في جميع مجالات العلم والعمل والإبداع والسياسة، واكتساب المعرفة وتوظيف القدرات البشرية بكفاءة في النشاطات الاجتماعية والتنموية لتحقيق الرفاه، وهذا الأمر يحتاج بالضرورة إلى أن نتكاتف - حكومة وشعبا- من أجل إنجاح الإصلاح السياسي وتعزيز الحريات وبناء فضاءات الحوار والمساءلة، وتعزيز الثقة بيننا..... رد بوعبدالله – كمن يحفظ الجواب عن ظهر قلب : هذا يبدو كلاما جميلا على ما أظن، بالرغم من انه غير واضح تماما بالنسبة إلي، ولكني اعتقد انه «من الجميل أن يكون عندنا انتخابات، وجميل أن يقولوا عنّا بلد ديمقراطي، وحلو أن الناس يكونون أحرارا في الكلام، وأنا اسمع الناس يوميا في برنامج صباح الخير يا بحرين في الإذاعة يشتكون ويناقشون الخدمات الحكومية بحرية، كل ذلك حلو وممتاز - والكلام ما يزال لأبو عبدالله - ولكن المهم فعلا بالنسبة إليّ ولأمثالي من المواطنين الكادحين، هو استمرار الدولة في توفير الأمن والأمان للناس، وتوفير التعليم المجاني والعلاج المجاني لأولادنا، وان تستمر في منحنا علاوة الغلاء..»ويا ليت يخلونها دائمة»، ولكن حكاية الحوار الوطني وتعديلات الدستور والشفافية وغيرها من المصطلحات التي قد تكون مفيدة، ولكنها تبدو لي مثل متابعة الدوري الانجليزي، فعندما يكون همّ الناس أمثالي هو توفير قوتهم اليومي‏،‏ تكون الديمقراطية والحوار الوطني وتعديلات الدستور في آخر سلم أولوياتهم، مما يجعلنا منعزلين عن السياسة بكاملها، إلا فيما يتصل بالمعيشة والأمن والسكن والتعليم والصحة وحرية الكلام والشكوى في الإذاعة، هكذا أفهم الديمقراطية!!‏ سالت بو عبدالله مازحا: إذا كان لكل إنسان الحق في التعبير عن رأيه، فهل لكل إنسان الحق في عدم التعبير عن رأيه؟ فأجاب دون تردد: هذه الحكاية ليست من أولوياتي، أولوياتي العيش الكريم لي ولأولادي واحترام كراماتي. قلت: هكذا أنت لم تعد صامتا، فأنت هنا أصبح لك رأي وهذا حقك لكن إذا تنازلت عن هذا الحق يصبح من حق الآخرين الحديث نيابة عنك وإدعاء تمثيلك والحديث «عن طموحاتك»، قد يكون الصمت في بعض الحالات نوعا من الحكمة، ولكنه في الحياة العامة لا يكون مقبولا، وإلا استولى الأدعياء على حقوقنا في التعبير عن مواقفنا الحقيقية واجترحوا لنا مواقف قد لا تكون هي مواقفنا، وهذا هو الحاصل في الواقع تحديدا. جملة مفيدة جاء في تقرير صادر عن مؤسسة «فريدوم هاوس» أن «الحكم الرشيد» قد يكون مصطلحاً أفضل للاستخدام من مصطلح الديمقراطية.فالتاريخ يشير إلى أن معظم الديمقراطيات ظهرت تدريجيا، ثم تطورت عبر السنين وأن الديمقراطية في الأنظمة السياسية الليبرالية هي أكثر من مجرد انتخابات ودوائر انتخابية وأن الديمقراطية لديها فرصة كبيرة في الاستمرار في الدول التي يتوافر فيها للمواطنين العاديين قدر كاف من الرفاه الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي وتتوافر لهم الحاجات الأساسية التي تؤمن الكرامة الحقيقية للأفراد.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها