النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11722 الأربعاء 12 مايو 2021 الموافق 30 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:26AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:03PM
  • المغرب
    6:15PM
  • العشاء
    7:45PM

كتاب الايام

مع الناس

غسان الرفاعي مقاتلاً فذاً ­من أجل نقاء الماركسية

رابط مختصر
العدد 9138 الخميس 17 أبريل 2014 الموافق 17 جمادى الآخرة 1435

يوم كان فيما يعرف بالحرب الباردة.. كان العالم يدور في محورين: محور الاشتراكية ومحور الرأسمالية.. وعندما اخفق الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية.. اصبح العالم كأنه يدور في محور واحد: هو محور الرأسمالية.. وتنامت الافكار الرأسمالية على الافكار الاشتراكية.. واختل محور التناقض على صعيد العالم – كما يبدو – بين الرأسمالية والاشتراكية.. وارتفع شعار: الرأسمالية نهاية التاريخ!! ان هذ ا الحدث «...» غير المتوقع كليا والذي لم يخامر عقل احد.. ادى الى زلزال فكري هز المفاهيم الماركسية.. وادى الى ارباكات نظرية ومراجعات في الماركسية العلمية!! ان كل تحول نوعي في الفكر والمادة يبقى فيه شيء من بقايا كم تحوله: اي ان الكم فيه شيء من النوع.. وان النوع فيه شيء من الكم.. تماما كما ان هناك في السلبي شيء من الايجابي وفي الايجابي شيء من السلبي.. ففي الصواب خطأ.. وفي الخطأ صواب.. في الرأسمالية ما هو ايجابي وما هو سلبي ما هو في الاشتراكية عبر التحولات التاريخية!! ان جدل الحياة قد يأخذ بالفكر الى مواقع صائبة او الى مواقع خاطئة وهو ما يتوقف في صراع بنية المتناقضات المادية والفكرية ضمن مسار التاريخ! وامام هذا الارباك الفكري الذي ادى بالمثقف العضوي الى عثرات التماهي بين السلبي والايجابي جراء عصف سرعة المتحولات المادية والفكرية في عملية الانتاج على صعيد العالم! ان «أمنا» المادية في العودة اليها والى دفء قلبها ما يجعلنا نتلمس الحقيقة الفكرية بين ثناياها في التاريخ وعبر التاريخ فيما يعرف ماركسيا «بالمادية الفكرية» اي ان الحياة في ماديتها ضمن حقيقة ان الافكار تتجلى في ماديتها.. وهو ما يمكن الامساك بمقود الافكار في موضوعية الحياة المادية.. لقد اتسعت رقعة تماهي الافكار الرأسمالية في الافكار الاشتراكية كما تكالبت قوى اليمن والامبريالية على دفن الافكار الاشتراكية وتمزيقها بتشويهات الافكار الرأسمالية.. وقد دخلت البراغماتية «Pragmatism» الرأسمالية على الخط في زمن تراجعت فيه الافكار الاشتراكية ارتباطا بانتهاء الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية. حتى ان البعض من اليساريين عندنا راحوا يتنازعون نزعات المفاهيم البراغماتية ويوشون بها كتاباتهم النقدية ضد مفاهيم فكرية في صلب النظرية الماركسية الى ان اصبحت البراغماتية خبزا فكريا ينفذون عبرها في نقد الماركسية ضمن باطل البراغماتية التي تنقض المستقبل بالحاضر وتراوح في الحاضر الآني.. فالمستقبل عندها بعيد وغائم وضبابي ولا شأن لأحد به.. فالشأن شأن الحاضر وليس المستقبل.. فالناس والجماهير في الحاضر وليسوا في المستقبل.. فالمستقبل غائم وضبابي بناسه وجماهيره. ان البراغماتية تراوح في حاضر الرأسمالية التي تنفي مستقبل التحول الى الاشتراكية وترى في الرأسمالية انه نهاية التاريخ.. ان الاستاذ غسان الرفاعي المبتهج حتى العظم بنقاء الماركسية يقول في مقال اطلعني عليه ونشره في الحوار المتمدن «ان المشكلة الحقيقية فينا في اشخاصنا نحن كخلاصة لتجربة معينة.. لثقافة سياسية معينة.. انتكست انهارت في جوانب منها.. اصابها الانهيار بتشوهات وبكدمات فكرية وسلوكية لم نتعاف منها بعد ذلك لاننا لم نجد ولم نجهد كفاية لاكتشاف ذاك «الترياق السحري» الذي يعيد التوازن والاستقرار لروحنا ولفكرنا.. ويؤكد انه لا يمكن فهم بعض حاضرنا دون نقد ماضينا بعمق بصدق وبشرف.. فشتم المظاهر السلبية في تجربتنا وحسب لا يجعلنا نفهم ولا يساعد على تلمس حقيقة حاضرنا.. يعني نبش وكشف جذور الاسباب لممارساتنا النظرية والعملية التي ادت الى حدوث الكارثة.. هذا يعني تحليل ورؤية شمولية علمية لمجمل الاوضاع المستجدة». وكأنه يشير الى لجوء البعض.. الى عبث البراغماتية فيما عنون مقاله آنف الذكر «البراغماتية المرض المزمن». واذا كان الحاضر يفهم بفهم ماضيه الذي انبثق منه – كما يشير – غسان فانه يدين البراغماتية التي لا تعترف لا بالماضي ولا بالمستقبل وانما بفعل الحاضر من واقع انها فعل حاضر فعلي غير معني لا بالماضي ولا بالمستقبل فالتاريخ انتهى في ماضيه ومستقبله وهو ما يتحدد تاريخيا في النظرية البرغماتية التي تشير بشكل او بآخر الى ان الرأسمالية هي نهاية التاريخ!! واذا كانت البرغماتية لا تضع شأنا لا للماضي ولا للمستقبل وانما الشأن شأن الحاضر «الرأسمالية» فانها ترى ان العقل ليس اداة للمعرفة وانما هو اداة لتطور الحياة وتنميتها فليس من وظيفة العقل ان يعرف وانما عمل العقل هو خدمة الحياة كما يذهب وليم جيمس «1842 – 1910» احد منظري البراغماتية ان البرغماتية فلسفة ضد التصورات الفلسفية التي تلاحق الحقائق المادية والفكرية في التاريخ وتؤولها.. ان البراغماتية تأخذ بدكتاتورية الواقع الآني الذي يفرض على البشرية معنى «الحقيقة وفي ذلك تعسف وازدراء لحرية الفكر فكل شيء مادي وفكري يخصر في الحاضر المبتور من الماضي والمستقبل! ان المنفعة العملية في النظام الرأسمالية هي المقياس لصحة الشيء الفعلي آنيا والدغمائية ضد المنهجية العلمية الماركسية في المادية الديالكتيكية التاريخية وعلى هذا الضوء يقول غسان الرفاعي: لا يتضح مدى التبسيط الذي يتسم بها الدعوات لحصر النضال وقصره على مهام الحاضر المباشر وحسب في حين ان المنعطف التاريخي الذي يمر به عالمنا وبلداننا يطرح على طاولة البحث النظري وفي ساحة النضال السياسي جملة من القضايا والمشاكل الجديدة التي تحتاج منا جهدا فكريا فعليا وضروريا لفهمها وتحديد مفاعلها واستخلاص المهام السياسية التي ينبغي بلورتها وادخالها في اجندة نضالاتنا الاستراتيجية والتكتيكية». ويحذر غسان الرفاعي بعد ان تشاكلت لدى البعض المفاهيم الماركسية بالمفاهيم البراغماتية قائلا: «علينا الاعتراف بان طقيان هذا الميل البراغماتي على ممارساتنا نحن قوى اليسار عموما والشيوعيين بخاصة انما يعود اساسا في جذوره حسب ما ارى الى التكوين الفكري «النظري» الذي قامت عليه احزابنا اذ اقتصر هذا التكوين على حفظ بعض النصوص وتلقين بعض العبارات العامة من الادبيات الماركسية دون استيعاب منهجية البحث الماركسي وقد اضفنا الى هذا التراث التشوهات التي ادخلتها المقاربات والممارسات العملية ذات الطابع الذاتي والعمومي». وكأني بغسان الرفاعي يلامس حقيقة هذا الوجع الذي ينزف قبحا منذ ان اختل هذا التوازن الفكري والنظري لدى الكثيرين من المثقفين العرب والعجم على حد سواء! ان غسان الرفاعي هو امتداد تاريخي مادي وفكري ومؤشر نضال مهم في الساحة العربية ومنذ اواخر الاربعينيات يوم ان وشى به «مالك سيف» الذي انهار تحت قمع اجهزة مخابرات نوري السعيد وكان غسان الرفاعي منذ ذلك التاريخ وما برح ماسكا بعقله وبكفيه المخضبتين بالعطاء الفكري والتنظيمي على جمر الماركسية اللينينية اطال الله في عمره وامده بالصحة والعافية وفي كتابه الجديد بعنوان «ماركس بدون دوغمائية ودون تفريط» يقول في مقدمة كتابه «يجتاح العالم العربي اعصار تغيير عاصف يبشر ببدء انفتاح عهد جديد من التطور يطوي عهودا من الاستبداد والتحكم بمصائر الناس وكراماتهم دامت عقودا» وفي كتابه آنف الذكر يعكس غسان الرفاعي تصويبا ماركسيا تجاه بعض المثقفين الذين يهتبلون شيئا في مواقفهم وتحليلاتهم افكارا براغماتية سواء بقناعة او مرورا دون ان يدرونه.. ويسلط غسان الرفاعي على كتاباتهم ومؤلفاتهم بأسلوبه البسيط الممتنع والمفعم بأدب نقد رصين مهذب وبلغة ادب الحوار الذي يأخذ بقلم غسان الرفاعي المشبوب بتواضع الخجل دفاعا عن الماركسية وبنقاوة مفاهيمها العلمية دون ان يأتي على ذكر اسماء نقاده الأمر الذي يربك المتلقي او المتابع في المقارنة بين الجهة التي عناها غسان في نقده! وكنت وانا اقرأ كتاب غسان في واقع تخمين اكان المعني «مهدي عامل» ام «فالح عبدالجبار» الا اني بعد ان وصلت بيروت في الاسبوع المنصرم ادركت ما عناه نقدا موضوعيا: كتاب «ما بعد ماركس» للدكتور فالح عبدالجبار وكنت ادري ان غسان الرفاعي لديه ملاحظات نقدية ضد كتابات مهدي عامل.. وقد رجوته ان يعيد قراءة كتابات مهدي عامل عله يضعنا على وجهة نظره في هذا الخصوص وكان غسان يهز رأسه مبتسما وهو يقول: ها.. قد كان «تخمينك على صواب الا انه لو ذكرت الاسم ربما كان اجدى! يقول غسان في كتابه آنف الذكر وهو يعني الدكتور فالح عبدالجبار لم يكتف باحثنا الكريم بنقد المبالغات التي اضافها السوفييت على مقولات المادية الديالكتيكية التاريخية بل يستطرد ليقول «اما ان ماركس كان ماديا فلا مراء في ذلك.. واما ان ماركس طرح نظرة فلسفة للتاريخ فلا مراء في ذلك ايضا.. لكنه لم يكتب دراسة في التاريخ ولم يكن مؤرخا وليس فيلسوف تاريخ.. واما ان ماركس كان ماديا وجدليا في نظرية المعرفة فلا مراء في ذلك لكنه لم يكتب في فلسفة المعرفة بعد ذلك يستدرك ليقول: «هناك بالطبع اطروحاته الشهيرة عن فيورباخ «ستة اسطر» ؟؟ وتعليقاته الشهيرة حول ديالكتيك هيغل «بضعة مقاطع»؟؟ وبالتالي تقتصر الماركسية في نظره على كونها مجرد نظرة تحليل النظام الرأسمالي ونقده ونظرية البحث عن الامكانيات التاريخية لتجاوزه مع عدم نسيان التأكيد على ان هذا التحليل انحصر موضوعيا في اوروبا الغربية وكرس مادة بحثه للفترة من القرن السادس عشر حتى التاسع عشر! امام هذا التوصيف وامام هذه الحدود الزمنية والجغرافية التي حوصرت في اطار ابحاث ماركس ينتصب سؤال عفوي مشروع ماذا بقي من الماركسية ومن ماركس في ايامنا هذا؟ ويقول غسان ان مجرد الاقرار بان ماركس كان ماديا وجدليا في نظرية المعرفة كان يفترض من «عبدالجبار» ان يتابع ذلك التمييز الذي ميزه عن هيغل الجدلي ولكن المثالي.. وعن فيور باخ المادي ولكن غير الجدلي «الميتافيزيقي» فالهوة عند هذا التمييز النوعي بين قامتين وقمتين فلسفيتين عظيمتين مثل هيغل وفيور باخ كان يظهر مدى تهافت الاشارات عند ماركس لم يكن فيلسوف تاريخ وانه لم يكتب في فلسفة المعرفة.. الخ.. وكان ذلك اضافة الى ما ورد قد جنب باحثنا الوقوع في تناقض احكامه حين اشار الى ان عرض ماركس للتاريخ قد اكتسب شيئا من ملامح الغبش الصوفي للهيغيلية وبخاصة وجود غائية في التاريخ اي كأن التاريخ هو ذات تعي نفسها في وقت يعترف فيه بان ماركس كان ماديا – جدليا في نظرية المعرفة ولا مراء في ذلك.. ويرى غسان الرفاعي عن حق قائلا: «ان طبيعة الموقف تحدد اتجاهات الباحث العلمي ومنهجيته وتحدد النتائج وفق ذلك ينبغي ان يؤخذ في الاعتبار ايضا اشكال التعبير عن «اولوية العلاقة» ويستشهد غسان بكتاب «انتي دوهرنج» لا نجلز الذي يقول «اذا كانت المقدمات التي ننطلق منها صحيحة واذا كنا نطبق عليها قوانين الفكر بصورة صحيحة ينبغي ان تتطابق النتيجة مع الواقع» ويستشهد غسان بماركس «الايدلوجية الالمانية» في سياق معالجته «للرابط العضوي ما بين المعرفة وبين وجودها في شكل اللغة منذ البدء تلوث الروح بما حملت من لعنة المادة حيث جعلت تجليها في شكل موجات هوائية متحركة او اصوات.. وباختصار في شكل لغة.. فاللغة قديمة قدم الوعي.. اللغة هي الوعي الممارس الذي ينوجد للناس الآخرين ولهذا السبب بالذات انما ينوجد لي ايضا بصورة شخصية». لكم هو حافل كتاب غسان الرفاعي «ماركس دون دغمائية دون تفريط» بالاستشهادات الماركسية التي تصوب المفاهيم الملوثة بالمفاهيم البراغماتية التي تستهوي ميول البعض من المثقفين والمفكرين العرب.. اذ ينقل عن فكر انجز قوله «ان التفسير المادي للتاريخ يعني قبل كل شيء انه دليل للدراسة لما بعد الطريقة الهيغلية فيعني دراسة التاريخ برمته من جديد وينبغي تفحص شروط وجود التكوينات المختلفة في المجتمع بالتفصيل قبل الاقدام على استخلاص الآراء المختلفة معها في المجال السياسي وفي القانون المدني وعلم الجمال والفلسفة والدين». ويشدد غسان دحضه ضد الافكار المهزوزة بنزعات ميكانيكية وتأويلات ميتافيزيقية في تحول المجتمعات في قول انجلز: «استنادا الى التفسير المادي للتاريخ.. ان العنصر المقرر النهائي في التاريخ هو انتاج واعادة انتاج الحياة الحقيقية ولم يؤكد ماركس ولا انا مطلقا خلاف ذلك واذا قال شخص ما يحرف ذلك للقول بان العامل الاقتصادي وهو الوحيد المقرر.. انما يحول ذلك الطرح الى عبارة لا معنى لها تجريدية فارغة ذلك لأن انجلز كان يرى بان للعناصر المختلفة في البناء الفوقي دورها وانها تمارس تأثيراتها في مجرى التطور». اي ان الاقتصاد ليس وحده في محور التحول والتغيير كما يرى ذلك البعض من الدوغمائيين!! من يقرر من؟! وعي الناس يقرر وعي الناس.. ام الناس يقررون وعيهم؟! الناس يقررون وعي المجتمع ام المجتمع يقرر وعي الناس؟! ان المجتمع هو الذي يقرر وعي الناس مرحلة معينة.. من تطور قوى الانتاج تدخل في صراع وتصادم مع علاقات الانتاج.. وهو ما يشكل على ايقاع مسار التاريخ في حياة الامم والشعوب!! ويضم كتاب غسان الرفاعي «ماركس دون دغمائية.. دون تفريط» دار نشر الفرابي – بيروت خمسة فصول بالترتيب الآتي: في المقاربة النظرية.. والسوفياتية النظرية.. والجديد في رأسمالية العولمة – اين مكان ماركس من ذلك وما العولمة ما دورها؟.. والنتائج والعولمة مخرج من الازمة ام مدخل الى ازمة اعمق. واحسب انه كتاب له اهميته الكبيرة في ميادين تجلياته الفكرية والايدلوجية وهو كتاب يضع المسار اليساري على خطوات واضحة المعالم.. حقا انه جدير بالقراءة!!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها