النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

مطارحات

التسامح كأساس لنجاح التعددية والتعايش

رابط مختصر
العدد 9137 الأربعاء 16 أبريل 2014 الموافق 16 جمادى الآخرة 1435

نكاد نكون الأمة الوحيدة في العالم التي تعاني من حالة انفصام شديد بين القول والفعل، فالجميع تقريبا طيبون وخيرون ومحبون للخير ويكرهون الكذب والنفاق، ولكن الأغلبية في الممارسة العملية يتشابهون في غلبة الشر عليهم وقلة الصبر. فالجميع مثلا يتحدث عن التسامح وكره التعصب ونبذ الكراهية والحقد،حتى أنه أمكن رصد 18 مقالا في شهر واحد في صحيفة واحدة عن التعصب وثقافة الكراهية، ولكن اغلب المقالات نفسها - في لغتها وأسلوبها - تقع في ذات المفارقة، وهي التعصب، بما يؤكد بأننا في واقع الأمر متعصبون في اللغة وفي الرؤية والموقف الأيديولوجي والسياسي والإعلامي، والفرق بيننا يكاد ينحصر فقط في عملية الإخراج والبهرجة.. إن الأغلبية في الواقع غير متسامحين، لكنهم يدعون غير ذلك، بل إن قسما من هؤلاء المتحدثين عن التسامح تحديدا هم أولئك المتعصبون أنفسهم والطائفيون والعنصريون، فالتسامح عندهم يعني التسامح مع أنفسهم ومع طوائفهم وأحزابهم ومريديهم ومع أفكارهم ورؤاهم، بل ويعني انحيازا كاملا للعصبيات ولذلك يتجاهل هؤلاء ما عدا ما يطرحونه، بل ويعتبرونه موجودا أصلا. إن التسامح في جوهره بالضرورة هو أن يكون لنا الحق في أن نكون مختلفين، الحق في المعارضة والحق في الدفاع عن النفس في وجه الاضطهاد والتمييز وفي وجه رأي الأغلبية، ولذلك فالتسامح يعني ترفق الأكثرية السائدة مع الأقلِّية وجودا وفكرا وممارسة في إطار القوانين المرعية..أي الاتفاق على علوية الحرية والحق في الاختلاف عن السائد، وعما هو رسمي ومستقر من الآراء، والأفكار والعقائد - وفقا للقانون - دون عنف، وهذه الصياغة هي الأقرب إلى السياق الذي نقصده، وإذا كان للناس ذوي القناعات الدينية والإيديولوجية والسياسية المختلفة أن يعيشوا معاً في مجتمع ديمقراطي تعدُّدي، في مجتمعات متعدِّدة، فإن ذلك يجعل من حرية المعتقد والرأي والموقف ضرورة قصوى، لا تستقيم الديمقراطية بدونها ولا يمكن أن يكون للتسامح من معنى جوهري إذا انعدم ذلك، بمعنى حرّية الآخر، لا فقط في الحقل الديني، بل كذلك فيما يتعلّق بالآراء والقناعات الفلسفية والسياسية والشخصية، لتنزل منزلة الحق المقدس وليس منزلة المنة التي يتفضل بها طرف قوي لصالح طرف ضعيف، بما يوجه البشر إلى الاعتراف بالآخر دون حجب حق الاختلاف في الفكر وفي الممارسة في إطار القانون الجامع الذي يحكم سلوك الأفراد في الدولة المدنية، بل إن الفكر الإنساني تطور اليوم إلى ما هو ابعد من ذلك باعتبار الاختلاف في الثقافة والفكر والرأي والممارسة الاجتماعية مصدر ثراء وغنى، وهو بهذا المعنى مطلوب لذاته، لما يسهم به من طاقة فاعلة على مستوى الإبداع والثراء الفكري والثقافي وحتى الاقتصادي، ونرى اليوم العديد من الدول المتقدمة تستمد جزءا من غناها من تعددها وتنوعها الثقافي والعرقي والديني والطائفي، وعلى رأس هذه الدول الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، فالتنوع هو السمة البارزة في هذه المجتمعات، والتنوع إذا ما تم استثماره في مناخ الحرية والقانون، يمكن أن يتحول إلى طاقة فاعلة وإلى ثروة حقيقية. فما المشكلة عندنا إذن؟ ولماذا نتخذ مواقف نظرية ايجابية في ما يتعلق بالتسامح والتعصب ونبذ ثقافة الكراهية، فيما نتعامل في الواقع مع عقدنا وأحقادنا وتعصبنا، بما يشبه الشيزوفرينيا؟ إن المشكلة متأتية من قوة تأثير التيارات الدينية - الطائفية منها على وجه الخصوص فهي التي تتعيش على الحقد والتمييز والتعصب بكافة أشكاله، فنظريا يبدو التدين عاملا معززا للتسامح والتضامن بين بني البشر، وواقعيا تحول التدين الى أداة من الأدوات التي يتم استغلالها لتعزيز الفوارق والكراهية بين الناس، ولا ادل على ذلك من ان اغلب الحروب التي شهدتها البشرية في العصور الوسطى او في العصور الحديثة قد لبست لباسا دينيا او طائفيا .. ذلك أن للإيمان وظيفة دينية وأخرى سياسية وبين الوظيفتين علاقات إدماج وإقصاء في ذات الوقت، بما يعني أن التفكير دينيا بشكل مغاير لما هو سائد يمسّ البنية السياسية للدولة، ذلك ان الديني والسياسي يتعالقان، وما هو ملفت، إن هذا الارتباط بينهما عرفته دول الغرب المسيحي مع محاكم التفتيش في أسبانيا، ومع دخول أوروبا مرحلة الحداثة، ولكن مع ظهور الدولة الرأسمالية وعلمنة الدولة تراجع الديني إلى المجال الخصوصي وبدلا من الحروب الدينية قامت الحروب الاستعمارية السياسية والاقتصادية والعسكرية. إن الحداثة، هي أساس التقدم والمدنية والتي تجعل الدولة تنظر إلى الإنسان باعتباره مواطنا حرا بغض النظر عن دينه او مذهبه وتجعل الدين مسألة فردية، فإنسانية الإنسان هي القيمة المطلقة، وان مشروع الأنوار الذي شهدته أوروبا الحديثة قد جرّد الوجود الإنساني من كل حضور ديني ضاغط ومتحكم، وكذلك فعلت الشيوعية، ولكنهما لم ينجحا تماما في محو الفوارق والتمييز على أساس ديني فالحروب ما تزال تقوم في البلقان والشيشان على أساس ديني ...فهل يحكم على الإنسان ان يظل سجين الحروب الدينية والطائفية إلى ما لا نهاية؟؟ وكيف يمكن التوفيق بين قوة معتقد المرء وروح التسامح الديني؟ وهل هناك حدود للتسامح؟ أينبغي التسامح حتى مع الجماعات والأحزاب والطوائف التي هي غير متسامحة؟ الحقيقة أن هذه الأسئلة وغيرها ما تزال تعذب المتديِّنين، عندما يبحثون عن التوفيق بين قوة المعتقد وروح التسامح فيجدون أنفسهم ممزقين بين كونهم أعضاء في طائفة مغلقة وبين القيم التي يعانقونها في بعدها الإنساني والأخلاقي وأظن أن هذا هو جوهر الأزمة؟ جملة مفيدة الدعوة إلى التسامح بدأت تأخذ بعدها العالمي الرسمي منذ أن بدأت المواثيق الدولية تذكرها أو تشير إليها في نصوصها بدءا من ميثاق الأمم المتحدة ثم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وأثمرت الجهود الدولية بشأن نشر ثقافة التسامح عن صدور»إعلان مبادئ التسامح» عن المؤتمر العام لليونسكو في عام 1995 وإعلان عام 1996 عاما دوليا للتسامح.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها