النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

مطارحات

مشكلتنا في «العجز عن إدارة الخلافات»

رابط مختصر
العدد 9135 الأثنين 14 أبريل 2014 الموافق 14 جمادى الآخرة 1435

عندما تنهار منظومة القيم أو تتزعزع، وعندما نتوقف عن الأخذ بعين الاعتبار الثوابت والمرجعيات والقيم في التعامل أو التواصل أو الحوار، نبدأ في مواجهة صعوبات جمة فيما يمكن أن نسميه « القدرة على إدارة الخلافات.»، ومتى فعلنا ذلك وجب أن نأذن بالويل والثبور، لأننا لن يبق أمامنا إلا أن نتقاتل، وأن نسمح لأنفسنا بالضرب تحت الحزام. الوضع الذي وصلنا إليه اليوم على الصعيدين السياسي والإعلامي هو بالضبط «العجز عن إدارة الخلافات» بما أدى وبصورة مأساوية إلى حالة من التشنج ثم إلى انتشار خطابات الكراهية والكيد والتشويه، وهذا مؤشر خطير إذا ما انتقل إلى المجتمع فسوف ننبئ بكارثة حقيقية. إن ما يفسر اليوم تدني مستوى التخاطب الإعلامي على سبيل المثال، وتحول التوتير والفايسبوك والواتساب وحتى الجرائد (في بعض الأحيان) إلى ساحات حرب مفتوحة أصبح ملمحا من ملامح الانحطاط العام، ليس في كثرة الأكاذيب وسرعة انتشارها فقط، وإنما في تحويل الأكاذيب والسباب إلى»معجم» لغوي جديد ينشر حالة من الانحطاط والإحباط، والأمر الأكثر خطورة في ذلك هو أن الخطاب الإعلامي قد ولد عددا من الخطابات المتصارعة أو المتعاونة، وتداخلاً أو تعايشًا بين أكثر من خطاب مأزوم. وتعكس هذه الخطابات المتداخلة حقائق اجتماعية متباينة ومصالح متعارضة، ومع ذلك فقد تحدث استعارات في المفاهيم والأطروحات في إطار محاولة كل خطاب أن يواكب الواقع ويحظى بقدر أكبر من التأثير الاجتماعي والسياسي حتى وان تطلب ذلك حالة من التزييف أو المغالطة، بهدف التأثير في الجمهور واحتكار هذا التأثير حتى ولو بالتزييف والفبركة والمبالغة أو سوء التأويل والتفسير والنية، حيث تطفو على السطح ترجمة فورية لحظية لصراعاتنا وخلافاتنا السياسية والاجتماعية، مجسدة على صعيد الإعلام، فيما يشبه الحرب الباردة التي تستقطب جيوشاً من الفاعلين في المشهد، من الداخلين على خط الدعاية أو الحرب الإعلامية الجديدة، من غير المؤهلين مهنياً أو فكرياً، بل إن عددا من هؤلاء قد تجرد - بسبب انعدام المسؤولية الأخلاقية والقانونية- من القيم ومن روح التسامح، فأصبح بتصرف وكأنه في ساحة حرب يباح فيها كل أنواع الضرب تحت الحزام واستخدام كافة أنواع الأسلحة المحرمة، والقصف المتبادل والأكاذيب والحيل، بما يسهم في تدمير البنية التوحيدية للمنظومة الاجتماعية، يحدث كل ذلك بالتوازي مع فوضى الشوارع وفوضى الكتابة وفوضى البيانات والشعارات والتنظيرات، دون أن يشعر هؤلاء أو أولئك بأي إشكال يتعلق باحترام الحريات العامة والخاصة أو احترام حقوق الآخرين. وإذا كان من الطبيعي أن تؤدي مناقشة أي ملف وطني إلى اختلاف الآراء والمواقف، بحسب المواقع والرؤى السياسية لكل طرف، وبحسب المصالح التي يدافع عنها كل طرف، وإذا كان من الطبيعي أن يكون الإعلام في مقدمة العناصر التي تعكس هذا الجدل وهذا الخلاف وتلك الأفكار والرؤى، فانه إذا ما نجح الإعلام في استيعاب ذلك الاختلاف في سياق سلمي وحضاري، كان ذلك أنفع للبلد وللبشر، وكان مؤشراً على قدرة المجتمع على إدارة صراعاته بشكل سلمي.. وكانت تلك علامة من علامات قوة المجتمع ونضجه وحيويته وسلامته السياسية والنفسية في ذات الوقت، لأن المجتمع الذي يسوده رأي واحد، ولا يسمح إلا لرأي واحد وحيد بالظهور هو بالضرورة مجتمع مختل وغير سوي، إذا كان كل ذلك مقبولاً في سياق أي مجتمع حر، فإنه من غير الطبيعي ولا المقبول أن يتحول الإعلام بمختلف مشاربه وتخصصاته إلى أداة للتخريب والتدمير: تخريب العقول وتخريب النفوس، بما يستحيل رتقه لاحقاً. الأمر غير الطبيعي وغير المطلوب هو أن يتحول الجدل السياسي والإعلامي-الذي يفترض به ألا يحيد عن الثوابت الوطنية والقانونية والأخلاقية-إلى ما يشبه الحرب الإعلامية بين بعض الكتاب وبعض الصحف وبعض الصحافيين، وقد باتت هذه الحرب واضحة في مفرداتها المتقاذفة، وفي لغتها الاتهامية، على خلفية الأحداث التي شهدتها البحرين وتداعياتها السياسية والأمنية والقانونية والاجتماعية. إن هذه الحرب الإعلامية تكرس حالة الاستقطاب والخلاف حول التشخيص والتوصيف والمعالجة، وهذا الخلاف كان يمكن أن يكون مقبولاً لو ظل في حدود الخلاف والحوار الحي، ولكنه تحول إلى حالة من التجاذب والتخوين المتبادل بل إلى العمل على “سحق” الخصم السياسي وإلغائه من الوجود وهنا تكمن خطورة الدعاية والتضليل معاً اذا ما افتقرتا الى القيم والمهنية، وها نحن نجني بعض الثمار المرة لذلك التوتير والإفراط في استخدام الكلمة بدون مسؤولية في كثير من الأحيان، خاصة بالنسبة للذين اعتبروا الديمقراطية مجرد «مملكة حقوق وحريات» دون واجبات ودون قيود أو حدود. وبالإمكان الرجوع إلى المواقع والمنتديات الإلكترونية لنجد أنها مثخنة بهذه اللغة التي أسهمت بشكل كبير في بناء متاريس وخطوط نار بين الطوائف والجرائد والمواقع والأفراد، في ظل هيمنة صراعات على غير صورتها الحقيقية، وافتعال خلافات على غير مضمونها الحقيقي، بخلق جو خانق مشحون بالتحريض والأكاذيب والمزايدات والترويج المتبادل لأفكار مقاتلة، فوقع المحظور، ولذلك كان لابد من وضع حد لضروب المزايدات والتجاوزات، بوضع النقاط على الحروف، ووضع الخطوط الفاصلة بين الحرية والمسؤولية فلا حرية لمن لا يحترم حرية الآخرين وحقوقهم، ولا سكوت ولا تهاون مع اللاعبين بضمائرنا. فعلى صعيد الحلول فان علينا التفكير في المخاطر المتزايدة المتصاعدة للحرب الإعلامية التي باتت تلحق إضرارا جسيمة ببنيانها الاجتماعي وباستقرارنا السياسي ونمونا الاقتصادي، وانتظام الحياة في البلاد، ولكن كيف نجترح الحلول دون المساس بمقومات المجتمع الديمقراطي ودون أن نقع في مواقف مضادة للحريات والحقوق المصونة في القانون والدستور؟ وهل يمكننا إسكات بؤر الكذب والتلفيق دون أن تكون تكل الممارسة مضادة للحرية الإعلامية مثلاً؟ أم أن الإسكات لا ينفع في التعامل مع الإعلام في ضوء الانفلات الكامل من الرقابة واستعصاء الترشيد في ظل السماوات المفتوحة وثورة الاتصال التي أنهت احتكار الدولة للإعلام والمعلومة؟ إنها سؤال الحرية الأكثر أهمية وسؤال المسؤولية الأكثر خطورة، وان مسؤولية النخب هنا كبيرة...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها