النسخة الورقية
العدد 11026 الاثنين 17 يونيو 2019 الموافق 14 شوال 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:12AM
  • الظهر
    11:39AM
  • العصر
    3:04PM
  • المغرب
    6:32PM
  • العشاء
    8:02PM

كتاب الايام

الدب الروسي هل يوقف الصلف الامريكي ؟؟؟

رابط مختصر
العدد 9133 السبت 12 أبريل 2014 الموافق 12 جمادى الآخرة 1435

لم تكن أزمة شبه جزيرة القرم التي أعلنت روسيا ضمها بعد استفتاء صوري ردا علي التدخل الأمريكي – الأوروبي في أوكرانيا والاطاحة بالرئيس الأوكراني المنتخب فيكتور يانوكوفيتش والذي كانت موسكو تقف وراءه بقوة، مجرد أزمة عابرة يشهدها العالم كل يوم تقريبا.. فالخلاف الروسي – الأمريكي بلغ حدا قد يصل فيه الطرفان التلويح بالحرب من أجل التمسك بمواقف كل طرف. فموسكو تعلن عدم التخلي عن القرم وإن اعادتها لسيادتها هو مطلب قومي، في حين تري واشنطن ان التصرف الروسي هو انتهاك واضح للقانون الدولي والاستيلاء علي بلد بالقوة وتدخل في شئون الغير. وبينما تسير الامور هكذا، تناسي البلدان ان الدول الكبري لا تلتزم بالخطوط المستقيمة والمبادئ خاصة عندما تندلع الأزمات وأنهما وسبقا ان تلاعبا بالقانون الدولي مرارا، وان كل طرف يحاول فقط تكييف المبادئ مع مصالحه ، هذا إن لم يتخل عنها في الحال. أزمة أوكرانيا أبلغ دليل علي ذلك، فعندما تدافع الولايات المتحدة عن وجهة نظرها بأن خلع الرئيس الأوكراني يانوكوفتش عمل مشروع لأنه نتيجة لثورة شعبية برغم أنه منتخب ديمقراطيا، فهي هنا تثبت انها تعمل بالنظرية وعكسها وفقا لمصلحتها، خاصة إنها سبق واعتبرت الموقف المصري حيال الرئيس المخلوع محمد مرسي نتيجة لثورة شعبية في 30 يونيو عملا غير مشروع، بحجة انه منتخب ديمقراطيا. كما اعتبرت الولايات المتحدة استقلال دول يوغوسلافيا السابقة أمرا مشروعا إعمالا لحق مواطنيها في تقرير مصيرهم. كما تدخلت عسكريا وشنت حربا جوية ضد صربيا مرتين إبان الحرب في البوسنة عام 1995 ، وإبان استقلال إقليم كوسوفو ذي الغالبية الألبانية عام 1999. وهي تعارض الآن حق إقليم شبه جزيرة القرم ذي الغالبية الروسية في تقرير مصيره وتصف استفتاءه لهذا الغرض بأنه غير شرعي.. كذلك فالولايات المتحدة التي أعطت ضمانات لروسيا في أعقاب حل الاتحاد السوفيتي بأنها لن تسعي لضم دولة لحلف الناتو لكي لا تعتبر روسيا ذلك تهديدا مباشرا لها.. لا تعترض الآن علي انضمام أوكرانيا المتاخمة لروسيا الي الحلف الغربي الذي اقيم في الأصل لمواجهة الاتحاد السوفيتي السابق ولا يزال يعمل حتي بعد ان انتهي حلف وارسو للكتلة الشرقية . نفس التناقض في المواقف ينطبق علي روسيا أيضا ، حيث دعمت سلوبودان ميلوسوفيتش ـ رئيس يوغوسلافيا - وهو يحارب من أجل وحدة بلاده وتكامل أراضيها في مواجهة مبادرات انفصال أقاليمها واحدا تلو الآخر. ولكنها الآن لا تستجيب لطلبات حكومة أوكرانيا باعادة القرم والتخلي عن فصل الجزيرة. ثم ان روسيا نفسها هي التي تخلت عن أقليم القرم لأوكرانيا مقابل ان تسمح للأسطول الروسي بالتواجد في ميناء سيباستبول علي البحر الأسود بشبه جزيرة القرم. نعود الي المسألة الجيوسياسية في الموضوع ، فالأمريكيون يخشون اندلاع حرب باردة جديدة رغم انهم لم يفصحوا عن هذا حتي وقتنا الراهن، بل يتجنبون ان ترد مثل هذه الجملة علي ألسنتهم خاصة الدبلوماسيين منهم والرسميين، ولكن من يطالع الصحف الأمريكية وكتاب الرأي والمحللين فيها، نراهم وقد تمادوا في التحذير من مثل هذه الحرب، التي يخشاها الأمريكيون، ربما لآنهم يعتقدون ان الخاسر فيها ستكون الولايات المتحدة نفسها وسمعتها الدولية. ونستدعي ما قاله الرئيس الأمريكي باراك أوباما موجها حديثه الي خصمه فلاديمير بوتين عقب إعلان روسيا ضم القرم :» هذه ليست حربا باردة أخري ندخل اليها، ولا تسعي الولايات المتحدة ولا الناتو الي أي نزاع مع روسيا». وهنا قد يكون أوباما وبدون وعي منه يسعي الي اثبات ان بلاده لا تزال هي القوة العظمي الوحيدة في العالم وصاحبة اليد القوية، في حين انه لو نظر للخلف قليلا لاكتشف ان بلاده استقبلت آلاف الجثث والمصابين في الحروب التي خاضتها وتخوضها أمريكا بلا أي طائل حتي الآن. لقد بلغ الكره الأمريكي للتصرف الروسي مداه، وخرجت الأقلام لتصف بوتين بانه « مارق» وان روسيا أصبحت « دولة مارقة» لانها تتجاهل المعايير والقوانين الدولية . في حين ان الأمريكيين كان لهم السبق في فعل نفس التصرف الروسي، والتدخل في العراق وأفغانستان ليس بعيدا للتذكرة، رغم ان الأمريكيين يتنكرون لفكرة الربط بين ما فعله بوتين وسبق وان فعله الرؤساء الأمريكيون من قبل. فأمريكا، مثل روسيا، تبنت فكرة إنشاء «منطقة نفوذ» حيث كان الغزو الأمريكي لجرينادا في عام 1983 وبنما في عام 1989 هما أحدث مثالين في التاريخ المعاصر علي ممارسة التدخل في شئون المنطقة الواقعة في المحيط الأمريكي . ونبش المحللون الأمريكيون في التاريخ لتعداد الحوادث التي انتهك فيها الروس المعاهدات والمواثيق، وتحديدا عندما أعلنت روسيا ضم أجزاء من أراضي جورجيا إلي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، وان بوتين يسعي لضم المزيد من أراضي الدول المجاورة وبعض الأجزاء من ساحل البحر الأسود ، بهدف تحقيق حلمه بإقامة إمبراطورية أوروبية – آسيوية. وسعي هؤلاء الي بث الرعب في قلوب الصينيين واليابانيين ، بآن روسيا لم توقع علي اتفاقيات ترسيم حدود مع الصين او اليابان، وتدعي سيادتها علي بعض الأراضي التابعة للدولتين، حيث تقع بالفعل أجزاء من أراضي الدولتين تحت الاحتلال الروسي، وان الموقف التالي من بوتين هو إعلانه ضم تلك الأراضي لبلاده. ومن الواضح ان المراكز البحثية الأمريكية تحركت علي الفور وجاءت بوثائق تدين بوتين وتصفه بانه لم يتغير ولا يزال علي غيه القديم وعشقه بتحقيق « الامبراطورية السوفيتية « ولو علي أنقاض الدول المجاورة. وعثر هؤلاء في الوثائق المنشورة عنه ، علي برقية عاجلة أرسلها الكولونيل في الاستخبارات الخارجية السوفيتية فلاديمير بوتين الي قيادة جهاز أمن الدولة السوفيتي الـ»كي جي بي» من برلين إلي موسكو عام 1989، ، أشار فيها الي ضرورة التحرك الفوري، وإرسال الجيش السوفيتي، من أجل وقف تدهور الأوضاع الناجمة عن قيام مواطنين ألمان بهدم جدار برلين، وعبورهم الي الجهة الأخري من المدينة، دون اعتراض قوات حرس الحدود الشرقيين. وإذا كان الكولونيل بوتين وقف مذهولا قبل 25 سنة في برلين أمام مشهد انهيار المنظومة الآيديولوجية التي ينتمي إليها، فهو فشل او لم يستطع آنذاك في إقناع رؤسائه في موسكو بالتحرك من أجل وقف عجلة الانهيار الحتمي للمنظومة الاشتراكية التي انطلقت في برلين. فقد كانت رغبة الكولونيل في تلك اللحظة ان يدخل الجيش الأحمر السوفيتي بدباباته إلي المدينة، ويكرر مشهد أحداث «براغ 1968» و»بودابست 1956» اللتين دخلهما الجيش السوفيتي، وقام بقمع أهم الانتفاضات الشعبية ضد السلطات الشيوعية في منظومة الدول الاشتراكية. وخلصت بعض المراكز البحثية الي ان بوتين - المسكون بهواجس اعادة الإمبراطورية من جديد - يعتبر ان قرار حل الاتحاد السوفيتي السابق هو أكبر كارثة «جيو – استراتيجية» خلال القرن العشرين، ويعتقد انه قاب قوسين او أدني من استعادة هيبة الدولة العظمي. وإذا تركنا ما وجهه المسئولون الأمريكيون من تحذيرات الي القيصر الروسي الجديد وعبارات جافة كثيرة ليصفونه بها ، فإن بوتين لم يعد يعبأ بتهديدات واشنطن علي غرار إجراء مناورات برية وبحرية ومهمات تدريب في منطقة البلطيق، وهذا لسبب بسيط جدا وانه لا توجد في الوقت الحالي أي قاعدة عسكرية للولايات المتحدة في دول البلطيق. من المؤكد ان تجاوز أمريكا وروسيا لتلك الأزمة لن يكون أمرا سهلا مثلما كان الحال في أزمات عديدة سابقة، خاصة وان بوتين يرفض بشدة النظام العالمي الذي ظهر بعد إنهيار الاتحاد السوفيتي، ناهيك عن ان القيصر الروسي الجديد يحلو له إعادة كتابة التاريخ الذي بدأ مع نهاية فترة الحرب الباردة. ربما يكون التحدي الذي يواجه أمريكا عبر الأزمة الأوكرانية هو كيفية التعامل مع ما ذكره بوتين في مناسبة إعلان انتصاره في موقعة شبه جزيرة القرم عندما أعلن للعالم أجمع انه عازم علي استعادة مكانة روسيا كدولة رائدة، بعد ان فقد العالم الاستقرار بعد انتهاء الثنائية القطبية علي هذا الكوكب، ولسان حاله يقول انه قرر «العودة الي المواجهة مع أمريكا المتغطرسة». ثم -وهذا هو الأهم- فان أمريكا لا تستطيع مواجهة روسيا وردعها عن تصرفها بضم القرم، لان الاتفاق غير المكتوب بين القوي الكبري يقضي بألا تواجه بعضها البعض، بدليل عدم مناصرة الولايات المتحدة وأوروبا الغربية في أوج الحرب الباردة، ما أقدم عليه الجيش السوفيتي في «بودابست 1956 « و «براغ (1968 « ، حينما أعلن رئيس أمريكا ورئيس وزراء بريطانيا ان ما حدث أمر «غير مقبول» ثم عادا وقبلاه.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها