النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11695 الخميس  15 ابريل 2021 الموافق 3 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:53AM
  • الظهر
    11:38AM
  • العصر
    3:09PM
  • المغرب
    6:01PM
  • العشاء
    7:31PM

كتاب الايام

من المنفى إلى السفارة: حكاية معارض وطني شريف

رابط مختصر
العدد 9132 الجمعة 11 أبريل 2014 الموافق 11 جمادى الآخرة 1435

من يقرأ أدبيات الجمعيات السياسية التي تسمي نفسها بقوى المعارضة البحرينية يجد العجب العجاب. فهي تنسب نفسها لمعارضة الخمسينات التي قادتها هيئة الاتحاد الوطني، وتقتات على التاريخ الناصع للأخيرة، بل لا تجد حرجا في الحديث عن زعماء الهيئة وكأنهم جزء من أتباعها. يحدث هذا في الوقت الذي يعرف فيه الجميع البون الشاسع والفارق الكبير بين الطرفين سواء لجهة الأيديولوجيات المتبناة أو الأهداف أو النوايا او الأساليب او الارتباطات او مصادر التمويل. ولعل أفضل شخصية جسدت المعارضة الوطنية الشريفة في تاريخ البحرين الحديث هو المغفور له الأستاذ عبدالعزيز سعد الشملان، المولود في المحرق في عام 1911 والمتوفى فيها من دون ذرية في عام 1988، والذي يختلف قلبا وقالبا عن رموز المعارضة الحالية المفتقرة لأدنى درجات النزاهة والوطنية والايثار والرؤية السديدة والحرص على صورة الوطن ومصالح المواطنين ووحدة أطياف الشعب. قضى الشملان جل عمره مشردا في المنافي منذ أن اضطر في عام 1923 لقطع دراسته في مدرسة الهداية الخليفية وهو في سن الحادية عشرة للالتحاق بأبيه «سعد الشملان» الذي قرر المعتمد البريطاني في البحرين «كلايف كيركباتريك ديلي» إرساله إلى المنفى في بمبي عقابا له على معارضته الشديدة لتسلط البريطانيين على مقدرات البحرين، طبقا لما رواه الصديق الأستاذ خالد البسام في كتابه «شخصيات بحرينية». وقتذاك لم يتخيل الطفل عبدالعزيز أن الأقدار ستكتب له دورا مشابها لدور أبيه لجهة الاصطدام بالانجليز، وسينفى مجددا في الخمسينات لكن إلى مكان أبعد بكثير من بـُعد البحرين عن الهند. والإشارة هنا، بطبيعة الحال، إلى قرار السلطات البريطانية في عام 1956 نفيه مع رفيقيه الناشطين عبدالرحمن الباكر وعبدعلي العليوات إلى جزيرة «سانت هيلانه» الواقعة في جنوب المحيط الاطلسي على بعد ألفي ميل عن البرازيل و1700 ميل عن جنوب أفريقيا. ذلك ان الشملان استغل تواجده في الهند مع أبيه لنيل العلوم الحديثة في المدارس العربية التي كان يديرها تجار الكويت ونجد والحجاز في بمبي، واكتشاف غرائب الهند، والتمتع بانجازات الحضارة الغربية وفي مقدمتها السينما، إضافة إلى حضور مجلس والده في المنفى الذي كان مقصد كل الوطنيين التواقين إلى الحرية والاستقلال عن بريطانيا. وهكذا حينما عاد إلى البحرين لمواصلة دراسته في الهداية الخليفية -بعد أن كسب والده قضية رفعها أمام محاكم الهند البريطانية حول عدم قانونية نفيه وحرمانه من وطنه- ساعدته شهاداته وخبرته ولغته الانجليزية السليمة التي اكتسبها بالمدارس الهندية في التفوق والحصول في عام 1928 على أول بعثة طلابية ترسلها البحرين إلى الجامعة الامريكية في بيروت. لكن هذه البعثة توقفت في عام 1930 بأمر من المستشار «تشالز بلغريف» التي أخذ على أعضائها من الطلبة انغماسهم في السياسة وتماهيهم مع الأفكار القومية على حساب الهدف الذي ابتعثوا من أجله، فعاد الشملان إلى البحرين وهو أكثر نضجا ووعيا وإدراكا ليساهم أولا في جملة من الانشطة الثقافية والرياضية والاجتماعية أثناء عقد الثلاثينات من خلال النادي الادبي ونادي البحرين بالمحرق، ونادي العروبة بالمنامة، ثم ليتوج تلك الأنشطة بقيادة تيار سياسي تجسد في «هيئة الاتحاد الوطني» الذي أسسه الشملان بالتعاون مع رفيقيه الباكر وعبدعلي العليوات إضافة إلى آخرين كثر تجاوزا 120 شخصا، من أبرزهم إبراهيم الموسى، إبراهيم فخرو، سيد علي كمال الدين، ابراهيم حسن كمال، ابراهيم الصباح، إبراهيم بوحجي، حمد سلمان الزياني، جاسم بوحجي، جاسم مراد، عبدالله حسن الزين، عبدالله احمد بشمي، علي عبدالرحمن الوزان، علي سيار، عبدالرحمن بن مطر، عبدالله يوسف الحمد، عبدالرسول سلمان التاجر، علي عبدالعال، عبدعلي الجشي، عبدالوهاب السيسي، عبدالحسين الحميدان، عبدالله بن علي البنعلي، محمد الجامع، محمد قاسم الشكر، محمود المردي، محمد المعاودة، محمد حسن المحروس، ناصر العسومي، يعقوب الخاجة، يوسف الساعي، يوسف إنجنير، يوسف زباري، وغيرهم. وكان هذا الكيان ذا اتجاهات قومية عروبية تنويرية، غير خاضع لإملاءات أي جهة أجنبية، مؤمنا بوحدة أطياف المجتمع البحريني ولا سيما وحدة الطائفتين السنية والشيعية، غير مناد بالانقلاب على الاسرة الحاكمة وانما مطالب بالإصلاح فقط، رافضا لاستخدام الاعمال الارهابية من أجل تحقيق اهدافه، وأخيرا فقد كان هذا الكيان الأول من نوعه في منطقة الخليج يعتمد في بقائه واستمراريته على دعم التجار الوطنيين من بحرينيين ونجديين وغيرهم، بمعنى أنهم لم يرهنوا أنفسهم وإرادتهم بالأجنبي الطامع في ترابهم من أجل حفنة من الدولارات والجنيهات كما يفعل معارضو اليوم. نجحت هيئة الاتحاد الوطني تحت قيادة الشملان العقلانية البعيدة عن الشعبوية والغوغائية في تحقيق العديد من الانجازات لشعب البحرين، فإضافة إلى ترسيخها للوحدة الوطنية، وانتزاع اعتراف رسمي بها كأول حزب سياسي في الخليج، تمكنت من إيجاد صحافة وطنية وتأسيس نقابات عمالية منتخبة وهيئة للتأمينات، غير ان أزمة السويس في عام 1956 فجرت غضب الشارع البحريني ضد السلطات البريطانية في البحرين بطريقة لم يستطع الشملان ورفاقه السيطرة عليها طبقا لاعترافاتهم في مذكراتهم الشخصية لاحقا. وقد وجد البريطانيون في انفلات الأمن في المنامة والمحرق فرصة لتوجيه الاتهامات ضد قادة الهيئة والقول بأنهم حرضوا على الشغب والاعتصامات والتظاهرات، وذلك تمهيدا لمحاكمتهم والتخلص منهم بالنفي. وبالفعل تمت محاكمة قادة الهيئة على عجل في العام نفسه وصدر الحكم بسجن الشملان والباكر والعليوات مدة 14 سنة في سجن في سانت هيلانه، بينما حـُكم بالسجن لمدة 10 سنوات داخل البحرين على المرحومين إبراهيم الموسى وإبراهيم فخرو. بعد شهر واحد من مغادرة باخرتهم الحربية ميناء الجفير البحري في 28 ديسمبر 1956 وصل القادة الثلاثة إلى جزيرة سانت هيلانه التي عـُرفت قبلهم بأنها كانت منفى لنابليون بونابرت. ويقدم عبدالرحمن الباكر في كتابه «من البحرين إلى المنفى» وصفا ليوم وصوله مع رفاقه إلى الجزيرة فيقول: «شاهدنا جمعا غفيرا من الناس اكثرهم من نساء وأطفال قد تجمهروا ليشاهدوا هؤلاء المجرمين!! الذين قاوموا الأسد البريطاني حتى ضربهم بذيله.. وطرح بهم في هذه الجزيرة النائية عِقابا على تصديهم له ووقوفهم في وجه اطماعه وشره». ومن المعروف أن المنفيين الثلاثة سرعان ما خاضوا معركة مع السلطات البريطانية من أجل انتزاع حقوق بسيطة مثل حقهم في الطعام الجيد، والاستماع إلى الراديو، واستلام وإرسال الرسائل، والحصول على كتب. وأتبعوا ذلك بمعركة طويلة وضارية كي يثبتوا أمام المحاكم البريطانية عدم قانونية اعتقالهم ونفيهم. حيث أوكلوا هذه المهمة لبعض المحامين البريطانيين المتعاطفين مثل المحامي «شرايدن» كما قامت صحيفة «ستاتمان» اللندنية بطرح قضيتهم أمام الرأى العام. ويقول الباكر في كتابه المشار إليه آنفا ان القاضي «إيليوت» قضى في يوم 13 يونيو 1961 بالإفراج عن عبدالعزيز الشملان، ثم أصدر قرارا بالإفراج عنه وعن العليوات، وأنهم غادروا «جيمس تاون» عاصمة سانت هيلانه باتجاه لندن على متن إحدى البواخر في 14 يوليو 1961 فوصلوا إليها بعد عدة أسابيع. غير ان رفاق المنفى الثلاثة لم يبقوا طويلا في العاصمة البريطانية، إذ سرعان من افترقوا بذهاب الشملان إلى دمشق والباكر إلى بيروت، والعليوات إلى بغداد. لكن ماذا فعل الشملان في دمشق ما بين تاريخ وصوله إليها في 1961 وتاريخ مغادرته لها إلى البحرين في 1972، وكيف مضت حياته هناك؟ الجواب نجده عند أحد رفاقه في هيئة الاتحاد وهو الأستاذ علي سيار الذي كتب مقالا في جريدته في عام 1989 تحت عنوان «رجل لم يختلف مع نفسه قط!» تحدث فيه عن رحلته الشاقة ما بين الكويت وبيروت ودمشق للعثور على الشملان. يقول سيار ان صديقا مشتركا لهما أعطاه في بيروت عنوان «بوتيك» في دمشق لبيع الملابس الداخلية وملابس الاطفال والنساء من الصنف المتواضع، قائلا له «ستجد الشملان هناك لأنه يملك ويدير ذلك البوتيك». ويضيف أنه ذهب إلى ذلك العنوان في خريف 1966 ليفاجيء بسلم صغير في أحد زوايا البوتيك يؤدي إلى مكتب، وأنه وجد نفسه في ذلك المكتب أمام الشملان بشحمه ولحمه من بعد فراق دام عشر سنوات، لكنه لم يكن شي قد تغير فيه سوى إختفاء شاربه الكث. ومما قاله سيار في هذا السياق: «تطلعت إلى وجهه. عيناه مازالتا تبرقان كعيني صقر. وجهه مازال يحمل بقايا مرحلة التحدي. صوته الواضح النبرات مازال يحتفظ بكل زخم الرجولة والحيوية». لكن الأهم من كل هذا ــ من وجهة نظري ــ أن الشملان كان يعيش من عرق جبينه حياة متواضعة، في الوقت الذي كانت ظروف تلك المرحلة تسمح بأن يكون بوقا لأعداء وطنه ونظام بلده فيتحول في إغماضة عين إلى واحد من أصحاب الملايين وساكني القصور وفنادق النجوم الخمس كما هو حال رموز المعارضة هذه الأيام. تمنى الشملان أمام سيار أن تتجمل به الأيام والأقدار فيعود إلى وطنه البحرين ليعيش ما تبقى له من عمر على ترابها ويدفن فيها بين أهله. فنقل سيار هذه الأمنية إلى المغفور له الشيخ عيسى بن سلمان طيب الله ثراه، لكن التطورات السياسية في البحرين والمنطقة كانت أسرع، الأمر الذي مهد الطريق أمام الشملان للعودة في عام 1972 للمشاركة في انتخابات المجلس التأسيسي المكلف بصياغة دستور البحرين المستقلة. حيث ترشح الشملان في أول إنتخابات ديمقراطية حرة، وفاز، وأختير نائبا لرئيس المجلس التأسيسي. ثم ما لبث أنْ وقع عليه اختيار سمو أمير البلاد الراحل ليكون سفيرا للبحرين في القاهرة وممثلا لها في الجامعة العربية، فأول سفير مقيم للبحرين في تونس وغير مقيم في مالطا. إنّ الشملان -طبقا لعلي سيار- «رجل لم يمتهن نفسه. عاش نظيفا عف اليد واللسان، ومات نظيفا عف اليد واللسان. رجل لم يختلف مع نفسه قط كما لم يختلف مع الآخرين إلا حين يكون الاختلاف متعلقا بالوطن. وللوطن في حياة الشملان قصة أكبر من أن ترويها هذه السطور، ولكن يكفي أن نقول انه وضع نفسه وبيته وحتى مصدر رزقه في خدمة قضيته الوطنية. ولعل الكثيرين من رفاق دربه يذكرون أنه ضحى بوظيفته كمساعد للمدير العام في البنك البريطاني عام 1955 حين وضعته إدارة البنك أمام خيارين عندما رأته يغوص حتى عنقه في القضايا السياسية التي شغلت بال الوطن وقتذاك. والخياران كانا إما أن يترك السياسة ويتفرغ لعمله في البنك، أو أنْ يستقيل. وقد فضل أنْ يستقيل تاركا وظيفته ذات المرتب الكبير، ومنصبه الذي كان حلما من أحلام أي شاب بحريني في ذلك الوقت. لم يتردد. لم يساوم. لم يقف كثيرا ليسأل نفسه؟ أين يجب أن يقف؟ فقد كان حاسما واضحا. رفض بريق المنصب ورفض إغراء المرتب الكبير وفضل أن يكون مواطنا بسيطا، ولكنه مواطن يحمل حق المواطنة وحق الدفاع عن الوطن». وعن قدرة الشملان القيادية واستطاعته التأثير في جمهوره وتهدئة خواطرهم وجمع كلمتهم بعيدا عن المشاحنات والمناقشات العبثية يتذكر علي سيار ما حدث في أكتوبر 1956 فيقول: «طرح أحدهم الدعوة لتنظيم مظاهرة تعبيرا عن الاحتجاج على العدوان الثلاثي على مصر. وكانت الفكرة مقبولة من جميع الحاضرين فيما عدا الشملان الذي قال ما معناه بأنه ليس ضد مظاهرات الاحتجاج ولكنه يخشى أن تتحول المظاهرة إلى نوع من الفوضى بحيث تخرج عن السيطرة وتتحول إلى عملية شغب ونهب للمتاجر والمنازل، ولكن صوته ضاع وسط حماس الآخرين الاكثر عددا. وكان عليه أنْ يرضخ أمام رغبتهم. وخرجت المظاهرة في اليوم التالي، وكما توقع الشملان، فبدلا من أنْ تكون تعبيرا عن موقف، عمت الفوضى البلاد وتعرضت متاجر كثيرة للتكسير وتعرضت بعض مساكن الانجليز للنهب فيما أصيبت البلاد بالشلل التام. ولعل الكثيرين يذكرون ما كان يطالب به المتظاهرون وهم يقفون في نهاية اليوم في الساحة القائمة أمام بيت الشيراوي في المحرق حيث كانوا يهتفون بخروج المستشار الانجليزي من البحرين، خاصة وأنّ سير المظاهرة وقوتها كانا يوحيان بخروجها عن السيطرة تماما وأنّ أحدا لم يكن قادرا على وضع حد للغوغائية التي رافقتها. ساعتها برز الشملان واقفا على إحدى سيارات النقل الصغيرة ليخطب في الجمهور الغاضب. فكان وقوفه كافيا ليسكت الجميع. تحدث إليهم بلغته البسيطة المباشرة. لم يصدمهم في مشاعرهم. لم يقل لهم بأنه ليس في مقدورهم إخراج المستشار. لم يقل لهم بأن ما يقومون به خطأ. بل قال لهم عوضا عن ذلك بأنه ليس من العدل أنْ يخرج المستشار من البحرين دون محاكمة. ثم أخذ يلف ويدور حول هذه النقطة، فإذا بالجمهور الصاخب يهدأ وكأنه مسحور بحديث الرجل الأسمر، ثم يتفكك إلى مجموعات صغيرة، ثم تقوم هذه المجموعات بالانسحاب خارج دائرة الميدان».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها