النسخة الورقية
العدد 11087 السبت 17 أغسطس 2019 الموافق 16 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:46AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:13PM
  • العشاء
    7:43PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

ثالوث التربية والأسرة والإعلام

رابط مختصر
العدد 9130 الأربعاء 9 أبريل 2014 الموافق 9 جمادى الآخرة 1435

التنوع والتعددية نعمة حبا الله بها بعض المجتمعات البشرية؛ إذ شكل ذلك بالنسبة إلى بعض هذا البعض عامل قوة استثمرته في إنشاء هوية مواطنية متميزة كانت فعالة بل حاسمة في عمليات التنمية والبناء التي شهدتها هذه المجتمعات. لقد عرفت هذه المجتمعات كيف تنتج من التنوع والتعددية ثراءً ثقافيا ووظفته في النهوض بالمجتمع في كافة المجالات، فلذلك تراها قد قطعت أشواطا وأشواط في تحقيق رفاهها ورخائها. حصل ذلك عندما تسامت المجموعات البشرية على انتماءاتها العرقية والإثنية والعقائدية والمذهبية، وقررت أن تبني لها شخصيتها الوطنية الجامعة. فكيف بدا الحال بالنسبة إلى البعض الآخر من المجتمعات، وخاصة منها العربية؟ واقع الحال بالنسبة إلى بعض المجتمعات العربية يقول إنها وبدلا من أن تتلاقى فيها الأنواع والتعدديات ومن ثم تنصهر لبناء الوطنيّة الجامعة وتشرع في عملية البناء والتنمية، فإنها اختارت أن تبحث عما يُفرق، وتعمّق فيما بينها العناصر التي تشتت، ولهذا مثّل لها هذا التنوع وهذه التعددية عامل إعاقة وعنصر ضعف باعد بينها وبين التنمية، وأخذت تتقوقع على ذاتها لتقيم بينها وبين الآخر المختلف معها جدرانا عزلتها في أوطانها وعن أوطانها؛ حتى قبعت هذه المجتمعات في قاع التخلف الاقتصادي والاجتماعي. وقد كانت الطائفية أهم إفرازات الفشل في بناء الوطنية الجامعة وأكثرها خطورة. المجتمع البحريني من المجتمعات التي ظلت ردحا من الزمن تفخر بتنوع أعراقها وتعدد مذاهبها مما زادها ثراءً ثقافيا، وقد استثمر آباؤنا وأجدادنا هذه الميزة فشيدوا مجتمعا متحابا ينعم بالسلام ووضعوا اللبنات الأولى للنهضة التي نشهدها اليوم، لكن أين نحن اليوم من مجتمع الآباء والأجداد؟ فهل، يا تُرى، استطاع تسونامي الطائفية الذي حملته عواصف «الوفاق» وشقيقاتها المذهبيات المجنونات في الرابع عشر من فبراير 2011 أن يحقق ما خططوا له من تشتيت ممنهج للمجتمع عبر ضرب وحدته الوطنية، وأن يغيروا قناعات هذا الشعب في بناء شخصيته الوطنية غير التابعة؟ ثم هل الطائفية قدر محتوم للمجتمع البحريني؟ هذان السؤالان الأخيران في اعتقادي مهمان. وإجابتي الشخصية عن السؤال الأول قائمة على النفي حتما؛ لأن ما شهدته البحرين قد زاد الشعب البحريني يقينا بوحدته وبضرورة وقوفه خلف قيادته السياسية بقيادة الملك المفدى، أما الإجابة عن السؤال الثاني فأتركك عزيزي القارئ تكتشفها في ثنايا بقية المساحة المتاحة للمقال. لقد سبق وأن بينا، في مقالات سابقة، بالنسبة إلى المجتمع البحريني وجود رأي يشير إلى أن الديمقراطية سبب رئيسي في بروز الطائفية، وأنها، أي الطائفية، هي من أتاحت للمذهبيين الذين تسلقوا الديمقراطية لحاجة في «إيمانهم» أن يُظهروا ما يبطنون تجاه المغاير المذهبي، وأعتقد أن هذا الرأي لا يتمتع بالوجاهة المطلوبة ليصمد أمام النتائج الباهرة التي حققتها المجتمعات المتقدمة، وعليه فإننا نستبعد هذا الرأي؛ لأنه، ببساطة، مخالف للوقائع الحية التي نشهد نجاحاتها على مستوى الفعل الإنساني في أكثر من مكان. ثمة رأي آخر، عزيزي القارئ، مفاده أن الطائفية ما كانت لتظهر لو أن وزارة التربية والتعليم في البحريين قد اعتمدت مناهج متطورة حيّة واهتمت بشؤون المواطنة والوطنية وحقوق الإنسان وعززت هذه المناهج ببرامج وأنشطة تربوية صفية ولا صفية تُعنى بالقيم الكبرى مثل: التسامح، والحوار، ونبذ الكراهية والعنف و.. و..، وهذا قول صحيح إلى حد إذا ما كانت وزارة التربية والتعليم هي وحدها المسؤولة عن هذا الفعل، فالمناهج وحدها لا تكفي لإحداث التغيير المرغوب في المجتمع إذا ما ظلت وحيدة ولم تحصل على دعم ومؤازرة من مؤسسات المجتمع المدني. ما فتئت وزارة التربية والتعليم في مملكة البحرين تعمل جاهدة على إعداد أفضل المناهج في ضوء أحدث المعايير الدولية وأكثرها نجاعة في تخريج ناشئة تجسد تطلعات المجموعة الوطنية، ولكن كيف ننتظر من وزارة التربية أن تُحدث التغيير الحاسم في ظل هذه التجاذبات السياسية التي يستثمرها رجال الدين الطائفيين في كل مذهب من المذاهب الدينية من خلال منبرهم الديني ليبيحوا لأنفسهم نحت ملامح شخصية نفضوا عنها الغبار واستحضروها من مقابر التاريخ في محاولة منهم لإعادة رسم الخريطة الاجتماعية في بلدهم ليقاوموا بذلك عملية البناء الحداثية التي تتصدى لها الدولة المدنية البحرينية؟!! إن كل الجهود التي تبذلها وزارة التربية في تحسين مناهجها التربوية لتواكب المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لتستجيب لشروط المواطنة وحقوق الإنسان ستذهب سُدى، في ظل استفحال هذا المد الطائفي الرهيب الذي يغزو دور العبادة والمجالس، وفي ظل مناهج موازية لا تغذي الناشئة إلا الحقد المذهبي الأعمى ولا تلهمها إلا أساطير الصفاء العرقي أو المذهبي، ولا تحفزها إلا إلى ما ينفي شركاء الوطن ويلغيهم. أنا في ضوء هذا الواقع أميل إلى وجهة النظر القائلة بأن التربية هي المسؤولة عن تفشي الطائفية، وأعني في هذا المقام التربية بمطلق معناها؛ أي التربية التي يضطلع بها المجتمع ككل، بقيادة وزارة التربية والتعليم. إن أي متتبع لما تنفذه وزارة التربية والتعليم من برامج لدعم المواطنة وحقوق الإنسان لا بد أن يكون منصفا، ولن يوفر ذريعة ليلقي باللائمة على كل الجمعيات السياسية التي تنحدر من خلفيات مذهبية أيا كان هذا المذهب، سنيا أو شيعيا، ويحملها مسؤولية تفشي سوءة الطائفية في المجتمع. وأحسب أن أولى التحديات، ونحن نأمل في اجتياز النفق المظلم الذي أدخلنا في متاهته «الوفاق» وشقيقاتها، أن نعيد ترتيب أولوياتنا الوطنية لنتباحث حلها على أسس ديمقراطية معضودة بتطبيق المواطنة واحترام حقوق الإنسان. كما ينبغي علينا الحرص على جودة مادتنا الإعلامية وصدقها والتدقيق في طرائق إرسالها وعرضها على المواطن؛ لأن في ثلاثي وزارة التربية والتعليم والإعلام والأسرة يكمن نجاح المجتمع في تجاوز تشتته ليبني شخصيته الوطنية الجامعة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها