النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

مطارحات

أهلاً بالتهميش... الخروج من حالة الرداءة والبؤس

رابط مختصر
العدد 9130 الأربعاء 9 أبريل 2014 الموافق 9 جمادى الآخرة 1435

قال: انت فعلا رجل محبط بعيد عن التفاؤل وكل من يجلس إليك يسري إليه الإحباط والتشاؤم، ولن يغير هذا الواقع نعتك تشاؤمك المعلن بكونه إيجابيا، لأن هذا النعت مجرد اختراع منك مناقض لجميع ما درجنا عليه من قول معقول بهذا الشأن. !! قلت: إني أكره التفاؤل المسكين المستسلم وأفضل عنه التشاؤم الذي يدعونا على الأقل الى التساؤل عن علة ما نحن فيه، ويحث فينا الإحساس - مجرد الإحساس - باننا خارج نطاق التغطية وفي موقع العجز، ومن هنا فقط قد نبدأ في التحرك إلى الأمام. قال: أنا أؤمن بالحاجة إلى تغيير الأحوال وعدم الخضوع الى الاختناق البطيء، وبهذا المعنى فأنا أفضل منك لأنني استعد لمغادرة الوظيفة الحالية، لأنني أصبحت وانا على رأسها يغمرني الإحباط ويأكلني القلق، ولعل تغيير المكان والمجال سيمنحني نفحة من الاوكسيجين تخرجني من حالة الاختناق التي أشعر بها في موقعي!! حاولت أن أثني الصديق عن موقفه، بسرد خمسة اعتبارات لتبرير بقائه في مكانه وعدم المغامرة إلى الموقع الجديد، «وفقا لنظرية الحال من بعضه» بما في ذلك ترجيح المزيد من التهميش في الموقع الجديد والذي من المتوقع أن يتعرض له لاعتبارات عديدة. وان كل من انتقل الى ذاك المكان أصيب بذلك الداء، بما يفتح الباب مجددا لمزيد من الاحباط المركب القاتل!! فرد الصديق معلنا: أهلا بالتهميش، فأنا من عشاقه وطالبيه، فبعكس ما هو سائد عن التهميش، فالتجارب كلها او جلها تؤكد ان من هٌمِش نجا، ومن همش استفاد، وذلك لأن «المهمشين» في الوظائف العامة هم أكثر المستفيدين من تلك الحالة، فهم يحصلون على رواتبهم كاملة دون نقصان «ومعها الحوافز» دون ان يطلب إليهم عمل شيء ذي بال، يأتون إلى المكاتب متأخرين ويغادرونها مبكرين، ويخرجون في إجازات طويلة المدى بجميع أنواعها «السنوية والعرضية والمرضية..»، بل انهم عندما يطلبون إجازة قد يسارع المسؤول بالموافقة عليها دون النظر في المبررات والاسباب وظروف العمل لان المهم عنده أنه «يفتك من الموظف المهمش ولا يرى خلقته». المهمشون ـ ان كنت لا تعلم يا صديقي - يبدأون صباحهم بالقهوة والشاي، ثم ينتقلون إلى بند قراءة الجرائد من الجلدة إلى الجلدة، بما في ذلك الملحق الرياضي والملحق الاقتصادي والملحق الفني والملحق الإعلاني وملاحق المناسبات، ثم ينخرطون في حل الكلمات المتقاطعة ساعة او بعض الساعة لتنشيط الذاكرة والمحافظة على اللياقة اللغوية ومستوى مرتفع من الثقافة العامة. وبعد ذلك ينتقلون إلى البند الثالث من جدول الأعمال وهو الإبحار عبر الانترنيت، فيجولون بالشبكة في جميع المواقع المسموح بها والمحظورة، بما في ذلك مواقع الشتائم والسباب، ثم ينتقلون بعد ذلك إلى بند الهاتف الثابت والمحمول، فيكلمون زوجاتهم وبناتهم وإخوانهم وجيرانهم وأولادهم وبنات بناتهم وأولاد أولادهم والخدم ومكاتب العقارات والأرصاد الجوية، بل انهم يتصلون حتى بالساعة الناطقة، لأنهم لا يجدون الوقت- لشدة انشغالهم- للنظر في الساعة المعلقة في المعصم، او على الجدار، ثم ينخرطون في شغل وقت من لديهم شغل فيمنعونهم من العمل والتركيز، عن طريق مختلف المشاغبات والمكالمات والجولات، حتى قراءة الكف والفنجان وتصفح آخر الازياء..هؤلاء المهمشون هم المحظوظون حقيقة، لا يقفون تحت الشمس ولا ولا يكتبون سطرا ولا يحملون كرتونا او دفترا، يستلمون «حقوقهم» كاملة غير منقوصة، ولكنهم معفيون عنوة من كافة واجباتهم، بما يمنحهم المجال لصحة أفضل، وعمرا أطول وسلاما دائما مع النفس ومع الآخرين. بل إن بعض المهمشين يمنحهم التهميش الخاص والعام فرصة لمواصلة دراساتهم العليا، ونشر كتبهم المعطلة منذ سنوات، ومجموعاتهم القصصية والشعرية والروائية ولوحاتهم التشكيلية وأعمالهم المسرحية والفنية، بل وحتى أعمالهم الإنشائية والهندسية عند الضرورة واستكمال ترميمات العظام والأسنان، وشد البشرة.. - قلت: على رسلك هل تحاول اقناعي بأن « التهميش» ميزة وفضيلة؟ فإذا كانت التصنيفات السوسيولوجية والاقتصادية تتحدث عن المهمشين عند الحديث عن الفئات الهامشية في المجتمع كالفقراء والعاطلين وبعض أنواع المهاجرين والمنبوذين، فإنه من الواضح أن هذا المفهوم يجب أن يتسع ليشمل العديد من الفئات الأخرى، مثل هذا النوع المحظوظ الذي تتحدث عنه وهو أقرب الى الحالة المرضية منه الى الحالة الاجتماعية... قال: ليس التهميش الذي ذهبت اليه هو ما اقصده، وانما هو موقعي داخل مجموعتي أو في مجتمعي او في وظيفتي الناجم عن أنني أفكر بطريقة مختلفة او احمل قيما مختلفة أو البس بطريقة مختلفة؟؟ قلت: هنالك خلط في كلامك بين المفاهيم ففي حالة الفقر، انت تقدم نفسك مهمّشا لطلب شيء، أو عمل، أو مساعدة، أما في الحالة الثّانية «حالة الموقع والموقف»، فأنت تقدم نفسك مهمّشا لأنك تتبنى اختيارا شخصيّا. تبنّي الهامشيّة كخيار شخصيّ يجعلك تضع نفسك خارج المجموعة من تلقاء نفسك وهذا ما انت عليه الان، ولكنك عند انتقالك الى الموقع الثاني فسوف يكون التهميش مركبا ومضاعفا لأنه سيكون ذا طابع فكري وقيمي ووظيفي في ذات الوقت، لأنك ستكون قد خرجت عن القاعدة، أو المعيار والنظرة الى الأشياء وفي تصنيف الناس، وستكون بالتالي خارج دائرة المركز والاهتمام والاحترام. قال: أنا في هذه الحالة لا أختار أن أكون مهمّشا لكنّني أختار طريقة حياتي، وأعي بانّ هذه الخيارات تضعني في وضعيّة مهمّشة، وأتحمّل تبعات هذه الهامشيّة بالذّات يمكن أن تكون منتجة، بل هي فعلا منتجة. هي التي تجعل المعايير تتحرّك وتتغيّر. وهذا يبيّن ديناميكيّة الهامشيّة. المهمّ في هذا النّقاش هو أنني كفرد اختار هامشيتي عن قناعة، لأنّ الأمر يتعلّق باختياري الحر. وكلّ واحد منّا لا بدّ أن يختار الهامشيّة على الأقلّ في لحظة من لحظات حياته، وفي نقطة معيّنة يصبح لا مجال إلا الخروج من حالة الرداءة والبؤس.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها