النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

مطارحات

دفاعاً عن السيد كراجيسكي أمريكا لم تعد الحلم ولا ا

رابط مختصر
العدد 9128 الاثنين 7 أبريل 2014 الموافق 7 جمادى الآخرة 1435

بعكس السيل المتدفق من الانتقادات السياسية والإعلامية ضد السيد كراجيسكي السفير الأمريكي في المنامة-الدبلوماسي الأكثر إثارة للغط والغبار- فإنني أرى أن الهجوم على هذا الرجل غير منصف، لأنه بكل بساطة يؤدي الدور المطلوب منه بدقة وتفان ولا يمكن لومه بأكثر مما جاء في تقرير تقييم الأداء والرقابة للخارجية الأمريكية والذي لم يتطرق البتة إلى الطعن في مواقفة ولا في تصرفاته السياسية المعادية ولا الى تدخلاته في الشأن الداخلي، وإنما اكتفى التقرير بانتقاد الأسلوب وبعض الأمور الإجرائية والسمات والتصرفات الشخصية «مثل الامتناع عن الإجابة عن أسئلة شخصية».. يمكن أن ننتقد بعض أساليب هذا السفير الفجة في التدخل المكشوف والمعلن في الشأن الداخلي، ولكن لا يمكن انتقاده في أصل الموضوع «أي التدخل نفسه» لأن التدخل هو السمة البارزة والمعلنة للسياسة الأمريكية الرسمية خاصة في العالمين العربي والإسلامي. بل قد يكون جيء بهذا الدبلوماسي المتمرس الذي أشرف مع بريمر على تدمير الدولة العراقية وتحويلها الى مجرد كانتونات طائفية متقاتلة، ومرتعا لعبث الإيرانيين، قد يكون جيء به مباشرة بعد الاحداث المؤسفة «فبراير-مارس 2011» والتي انتهت بالانقلاب على الدولة وإعلان الجمهورية الشهير انسجاما مع المشروع السياسي للمنطقة والمعلن صراحة من قبل العديد من كبار المسؤولين الامريكان، فلماذا يغضب الناس من السيد جرا كسي أصلا إذا كانت سياسة بلاده قائمة أساسا على التدخل على هذا النحو المعلن، وهو ملتزم بتنفيذها، قد يلام فقط على أنه كان فجا واستفزازيا أكثر من اللازم فقط، قد يكون مصدر الغضب أن الرجل كان يصول ويجول في طول البلاد وعرضها ملتقيا المعارضة ومدافعا عنها، دون النظر إلى الجزء الثاني من الصورة، أو انه فضل ان يجتزئ الصورة، ولكن وفقا للرؤية الأمريكية وللخطة الأمريكية في لتغيير المعادلات القائمة حقيقة لا مجازا. وحتى لا نظلم السيد جرا كسي، فيجب أن نستذكر أن عددا متزايدا من السفراء الأمريكان في أكثر من مكان في العالم يتعرضون إلى انتقادات مماثلة - بالرغم من كونهم يؤدون واجباتهم كما أريد لهم أن يؤدوها - نستذكر هنا السفيرة الأمريكية السابقة بالرباط السيدة «مارغريت توتويلر» والتي لم تكن مقتنعة طيلة فترة وجودها كسفيرة بمجرد القيام بمهمة تمثيل بلادها، لتتطلع إلى لعب دور سياسي أكبر من ذلك وأخطر بكثير. حيث كان تدخلها في الشؤون الداخلية مثيرا للشك والاستغراب والنقمة، مثل الضغط المستمر لتغيير المناهج والمقررات التعليمية في اتجاه إلغاء كل قيم الممانعة والتصدي للهيمنة الأجنبية، بل وصل هذا التدخل إلى الحد الذي طلبت فيه السفيرة بالسماح للسفارة، بتقديم حصص دعائية تشرح وجهة نظر أمريكا التي تعاني من الإرهاب في أفغانستان والعراق وفلسطين ولبنان، لأنها تسعي، على حد زعمها، لنشر سلامها المزعوم عبر العالم. وهذا لم يحدث طبعا. ولن يحدث. كما كانت السيدة «آن باترسون» السفيرة الأمريكية في القاهرة مثالا لعدم الالتزام بالتقاليد الدبلوماسية، ونسف الأعراف السياسية والضرب بكافة القواعد البروتوكولية عرض الحائط، حيث تعاملت مع الإعلام المصري بالتهديد والوعيد لمجرد توجيه انتقادات قاسية إلى السياسات الأمريكية وتعاملها مع القضايا الحساسة في مصر. وما زلنا نذكر الخطاب شديد اللهجة الذي ارسلته هذه السفيرة إلى قناة النيل للأخبار تعترض فيه على ما جاء في مضمون برنامج منتدى العرب - في يونيو 2012 والذي ناقش علاقة امريكا بالرئيس السابق وتطورات السياسة الأمريكية تجاه مصر ونظرتها للثورة المصرية.. إن تاريخ أمريكا المعاصر يكاد يكون في مجمله هو تاريخ تدخلها في شؤون العالم، وهو تدخل لا يخلو من أجندة خاصة لم يعد الأمريكيون يتجشمون عناء إخفائها عن أنظار العالم. وفي هذا الإطار يمكننا أن نفهم تصريحات عدد كبير من صانعي القرار الأمريكي التي تصب في هذا الاتجاه، حيث عبرت كوندوليزا رايس «مستشارة الأمن القومي السابقة» بأنه آن الأوان لتغيير كل الأنظمة في العالم العربي لأنها أنظمة فاسدة وديكتاتورية، بحيث لا ينبغي أن يقتصر الأمر على العراق! وهو الموقف نفسه الذي عبر عنه مرارا وزير الدفاع الأمريكي السابق السيد رامسفيلد «رمز التطرف والغطرسة» ناهيك عن تصريحات مارتن أنديك وجيمس وولسي «مدير المخابرات السابق» الذي صرح، في محاضرة له بجامعة أوكسفورد، أنه بعد تغيير النظام في العراق ستبدأ أمريكا في تغيير أنظمة مصر والسعودية، وبعدهما كل أنظمة المنطقة. سيرا على نهج أمريكي راسخ في تغيير أنظمة الدول والتدخل في شؤونها الداخلية، مثل الانقلاب الدموي الذي استهدفت منه الإطاحة برئيس الشيلي المنتخب سلفادور أليندي، ومحاولة الإطاحة برئيس فنزويلا المنتخب السابق شافيز... ان السياسة الامريكية تَضع نصب أعينها معادلة بسيطة تتمثّل في أن مقاومة ما سَمَّتْه العنف الإسلامي والعمليات الإرهابية يبدأ بتغيير البيئة المحلية التي أنتجته، وبالعمل على تصنيع نخبة جديدة تقود المنطقة العربية وتكون أكثر تواءما مع المنظومة العالمية الجديدة التي تقودها حيث بدت المنطقة العربية في أعقاب اعتداءات 11 سبتمبر منطقة مُصدِّرة للإرهاب تستلزم التقويم والإصلاح، حيث ربطت الحكومة الأمريكية بين القضاء على ظاهرة الإرهاب الدولي، وضرورة القيام بنوع من الإصلاح السياسي، في الدول العربية على وجه الخصوص، وأطلقت في سبيل ذلك ما سَمَّتْه الشرق الاوسط الكبير، ومنذُ إطلاق هذه المبادرة، والشرق الأوسط يعانِي من سَيْل المبادرات والصرعات والفوضى والدمار والدماء.. ان صور التدخل الأمريكي الحالية «الناعِمة» المُوجَّهَة إلى العالم العربي - والمطلوب من السفراء تنفيذ بعض فصولها - هي بخلاف التدخل أيام الحرب الباردة لم تعد تستهدف نظمًا معادية أيديولوجيًا لأمريكا، بل تستهدف اليوم بوضوح تام وعلني نظما حليفة، وربما هذا هو الجديد في الاستراتيجية الأمريكية التي انتقلت من تبنِّي مشاريع للتغيير ذات الطابع السياسي الثقافي والاستراتيجي الشامل إلى تبني منظور يستهدف تغيير بيئة محلية كاملة «بقياداتها» اعتبرتها هي المسئولة عن تفريخ الإرهاب وعدم الاستقرار «هكذا»!!. إن أميركا كما تخيلها رجل القانون الأمريكي توماس جيفرسون على طريقة اليونان القديمة تختلف عن أمريكا الحالية، فحيث أراد جيفرسون خلق أمة مسالمة متميزة عن أوروبا «الغارقة في الحروب والدماء»، قامت أمة محاربة وفي منافسة مستعرة مع نفسها ومع عبيدها ومع سكانها الأصليين، أما النموذج الذي حلم به جفرسون فإنه قد نجح في إلهام الأوروبيين من خلال البناء الأوروبي الراهن أكثر مما أثّر في الولايات المتحدة. أمريكا في غوانتنامو وفي الفلوجة وفي أفغانستان وفي بو غريب هي الوجه الأكثر فظاعة: لا احترام للإنسان حتى في ميتته الأخيرة، هذه «الأمريكا» لم تعد تلهب العقول والخيال، ولم تعد الحلم والمثال، مع انها كانت كذلك أيام جفرسون. الولايات المتحدة الأمريكية اليوم تمارس في حق البلدان الأخرى ما كان ينتقده جيفرسون بلا هوادة ويلوم عليه الفرنسيين في عهد نابوليون وبعده: «محاولة فرض مفهومهم الخاص للحرية والديمقراطية على جيرانهم».!!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها