النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12140 الإثنين 4 يوليو 2022 الموافق 5 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

ديمقراطية على آخر موضة أرستقراطية

رابط مختصر
العدد 9128 الاثنين 7 أبريل 2014 الموافق 7 جمادى الآخرة 1435

ضمن وفد السيدات الذي جاء لزيارة «هدى هانم»- التى يفترض أنها «هدى هانم شعراوى»- التقت «زينب هانم» بصديقتها «ليلى هانم» التى ساعدتها بعد ذلك فى البحث عن ابنها الذى تركته على مقعد بإحدى الحدائق العامة وفقدت أثره منذ ذلك الحين وفى أثناء الزيارة قادت «زينب هانم» الزائرات للمناقشة فى موضوع مشاركة النساء في الانتخابات الذى كان يشغلها أكثر من غيره بسبب تجاسر «أحمد الزعرورى» - الخولى السابق فى مزارع زوجها الراحل «بكر العيوقى باشا»- علي طلب يد ابنة الباشا «حكمت» لابنه «حليم»! وفيما بعد، وفى حمى انشغالهما بالبحث عن الابن الضائع، واصلت الصديقتان المناقشة فى الموضوع، وكان من رأى «ليلى هانم» أن مشاركة السيدات فى الانتخابات أمر سابق لأوانه لأن النساء أنفسهن لسن متحمسات له، وقالت لصديقتها بصراحة أنها لم تخاطب سيدة بشأنه إلا وأظهرت استهجانها بينما ذهبت «زينب» إلى أن النظم الاستبدادية فى طريقها إلى الزوال بعد أن محقت الحرب العالمية الأولى الاستبداد، وأن على النساء أن يسعين للحصول على حقهن فى الانتخاب ولو بالحصول على حقهن فى التصويت فإذا لم يتسن لهن ذلك فلا أقل من السعى إلى انتخاب شبان من الناشئة الجديدة لتقرير حق السيدات فى التصويت فى البرلمان الأول، ليضاف إليه - فى البرلمان الثانى - حق الترشيح، وأن تقاومن فوز كل شخص علج جلف عتل مثل «أحمد الزعرورى» بمقعد النيابة. وتطور «ليلى» الفكرة فتقترح تأليف لجنة نسائية تهدف للسعى إلى انتخاب الأكفاء بكل الوسائل الممكنة ليكون لهن حزب كبير فى البرلمان، مما يجعله على «آخر موضة فى الديمقراطية» فيشتمل على سيدات ورجال. وتلاحظ «ليلى» التناقض فى أفكار «زينب» فهى تلعن الحرية والديمقراطية لأنها تشجع علوج العوام، على أن يخطبوا لأنفسهم بنات السراه، كما فعل «أحمد الزعرورى» حين طلب ابنة الباشا الراحل لابنه وعلى أن يساوا أنفسهم بأعيان البلاد فى الوقت نفسه الذى تتحمس فيه لممارسة النساء حقهن فى الترشح والانتخاب وتسعى لأن يكون البرلمان مختلطا يضم بين نوابه رجالا ونساء ليكون بذلك على «آخر موضة من الديمقراطية». وفى ردها على ملاحظة صديقتها تقول «زينب» انها تفرق بين «الديمقراطية على آخر موضة» التى يكون فيها نصيب السيدات مساويا لنصيب الرجال ، وبين الديمقراطية البحتة التى تمثل فيها كل طبقة من طبقات الشعب على السواء، وتدعو النساء للمطالبة بالأولى ومقاومة الثانية، وهى تعترف بأن هذه الأفكار - كما وصفتها صديقتها- هى أفكار رجعية مسممة، وتقول: نحن نقاتل لأجل الحكم الذاتي على شرط أن يكون فى يد الأعيان والراقين من رجال ونساء لا فى يد الأجلاف والأغبياء .. فليس فى الدنيا برلمان ديمقراطى بحت! وتضرب «زينب» على ذلك مثلا بالولايات المتحدة الأمريكية أعظم البلاد ديمقراطية، وتقول إن برلمانهم - وهو الكونجرس- لا يمثل طبقات الشعب مع أن عامتهم أرقى من عوام المصريين وتدعو صراحة إلى أن يكون الحكم فى مصر ديمقراطيا بالاسم وبيروقراطيا بالفعل، أى أن يكون النفوذ فى أيدى طبقة خاصة قليلة من الأعيان ريثما يترقى العوام الترقية الكاملة، وتؤكد أن تمثيل البرلمان لجميع طبقات الشعب يهوى بالبلاد إلى الخراب لأن الأكثرية عندنا لم تزل جاهلة، وأن من مصلحة السيدات المصريات أن تكون النيابة فى أيدى طبقة الأعيان الراقين المفكرين فقط ريثما يرتفع مستوى الأمة وتتهذب بما يكفى. بعد أسابيع ينعقد فى بيت إحدى نبيلات البلاد، اجتماع السيدات الذى تم الاتفاق على عقده فى الزيارة التى قام بها وفد منهن لمنزل «هدى هانم» من قبل وترأسه بنفسها وتحضره مائة سيدة وتفتتحه «الهانم» باعتبارها الرئيسة بخطاب تقول فيه إن مصر أصبحت بلدا ديمقراطيا وان عليها أن تسعى لتنمية هذه الديمقراطية بشكل متوازن حيث تشمل السيدات والرجال، وتعبر عن دهشتها لأن الدستور (1923) لم يقرر حق المرأة فى الانتخاب. وردا على خطاب الرئيسة تؤكد «زينب هانم» العيوقى أن الدستور يخلو من أى نص يحرم المرأة من حق الانتخاب وأن شروط الترشح لعضوية مجلسى البرلمان الواردة فى قانون الانتخاب تنطبق على المرأة والرجل، وبالتالى فإن من حق المرأة أن تمارس حقى الترشح والانتخاب، وتعترض «هدى هانم» على هذا التفسير لللدستور والقانون قائلة: انهما لم يحرما ذلك على المرأة، ولكنهما - كذلك - لم يبيحا للمرأة ممارسة هذين الحقين.. وتقترح «ليلى هانم» أن ترشح بعض النساء أنفسهن لاختبار التفسير المعتمد لدى الرجال لهذه النصوص، فإذا عارضوا فى التفسير الذى ذهبت إليه «زينب هانم» لا يكون هناك مفر أمام النساء سوى الاحتجاج على ذلك بالإضراب على إدارة منازلهن والتظاهر . وتقول الرئيسة «هدى هانم» انه لا جدوى من محاولة النساء الحصول على حق الانتخاب والترشح عبر هذه الوسائل وان الوسيلة الوحيدة لذلك هى السعى لاستصدار تشريع من البرلمان يعطى المرأة هذا الحق .. وتلفت نظر المجتمعات إلى أن ذلك هو الهدف من الاجتماع.. وتقترح أن توجهن مساعيهن نحو انتخاب المرشحين الذىن يؤيدون فى برامجهم قضية حق المرأة فى الانتخاب والترشح ويلتزمون بالسعى لسن القوانين التى تبيح ذلك. وفى أعقاب ذلك تحتد المناقشة بين الحاضرات بين اللواتى تطالبن بممارسة هذا الحق فورا استنادا إلى أن الدستور وقانون الانتخاب لا ينطويان على نص يحظره ووضع الرجال أمام الأمر الواقع، واللواتى أخذن برأى الرئيسة. وتلفت «هدى هانم» نظرهن إلى خطأ طرح المسألة باعتبارها صراعا بين الرجال والنساء، وتطالبهن بأن يضعن فى اعتبارهن أن كل من يرشح نفسه للانتخابات سواء كان رجلا أو امرأة سيحتاج إلى أصوات الناخبين سواء كانوا رجالا أو نساء، وبالتالى فإن إقرار هذا الحق للنساء يتطلب توافقا عليه من الجميع وليس من النساء فقط. وتعترض إحدى السيدات مسار المناقشة وتعلن معارضتها للمطلب من حيث المبدأ، استنادا إلى أن هناك تيارا بين سيدات العالم تجاهرن برفضهن لمنح المرأة حق الانتخاب والترشح وتذهبن إلى أن هذا ليس حقا طبيعيا ولا مكتسبا ولا هو لازم لهن، لأنه ما من سيدة إلا وهى مرتبطة برجل قد يكون أبا أو زوجا أو ابنا أو أخا، وانه بهذه الصفة ينوب عنها ويحرص على مصلحتها كما يحرص على مصلحته .. ويهاجمهما البعض ويتهمهما بالرجعية. وتعود المناقشة إلى مسارها الطبيعى وتبدأ السيدات المؤيدات للمطالبة بحق الترشح فى سرد ما يعتبرنه حقوقا للمرأة ، يهتضمها الرجل سواء كان زوجا أو ابنا وتضرب الرئيسة أمثلة لهذه الحقوق منها: تعدد الزوجات، وفوضى الطلاق وتضرب الأخريات أمثلة لحقوق لا يمكن للمرأة أن تنالها إلا بتمثيلها فى البرلمان بنفسها وليس عبر الأب أو الزوج أو الابن أو الأخ من الرجال، فيطالبن بتحريم الزواج بين شخصين يزيد الفارق فى العمر بينهما على 16 سنة ويقل عن 8 سنوات، وعدم تزويج الفتاة قبل سن السادسة عشرة ، وتحريم زواج الشبان بعد سن الثلاثين إلا فى حالة الترمل على أن تكون الزوجة أرملة تلائمه من ناحية العمر! وتتالت اقتراحات السيدات التى تتطلب - كما قالت زينب هانم- أن يكون فى البرلمان حزب نسائى يدافع عن حقوق المرأة، ترسم ما يمكن اعتباره « يوتوبيا نقولا الحداد النسائية» كما صاغها فى عشرينيات القرن الماضى وشملت تحديد زى للفتاة غير المتزوجة وللمرأة المتزوجة، وتحديد مواعيد زيارات السيدات فى البيوت، وأن يعود الرجال إلى بيوتهم جميعا فى الساعة الثامنة مساء إذا كانوا متزوجين ولا يخرجون إلى منتزه أو ملهى إلا إذا كانت زوجاتهم معهم، وكان المكان لائقا، وألا تخرج المرأة من بيتها إلا إذا كان زوجها أو أبيها أو أخيها برفقتها، حتى لا يتجرأ اخساء الفتيان على التحرش بها.. وأن يطلع العريس العروس على قائمة الطبخات التى يريد أن تطبخ فى بيته قبل زواجهما، حتى إذا لم يتفقا على هذه القائمة فلا يعقد الزواج.. وتطلع العروس عريسها على نوع الموضة التى تختارها والأقمشة التى تبتغيها حتى لا تطالبه بعد الزواج بطلبات لم يعلم بها.. وأن ينص القانون على أن يكون التليفون الأصلى بالمنزل والخط الفرعى فى محل الشغل، حتى لا تستطيع الزوجة مراقبة اتصالات زوجها الهاتفية والغاء العربات والأوتومبيلات المقلة لأنها كثيرا ما تكون مواخير بدلا من أن تكون مقاصير! وأغلقت الرئيسة باب المناقشة ورأت فيما ضرب من أمثلة ما يكفى لكى يؤيد قضية المرأة وهى لزوم انتخاب السيدات فى البرلمان .. وطرحت الأمر للتصويت فأيدت الأغلبية العظمى ذلك لتنتقل المناقشة إلى الوسائل التى تحقق ذلك وتنتهى بأن الوسيلة المتاحة الآن هى السعي بكل وسيلة لإنجاح الرجال الذين يؤيدون حق المرأة فى شغل مقاعد النواب، وإسقاط كل من يقف ضد ذلك المطلب، والتصدى لكل جلف عتل غبى مستبد يحتقر النساء ويعتبرهن سلعة تباع وتشترى مثل «أحمد الزعرورى» الذى وافقت المشاركات فى الاجتماع بناء على اقتراح قدمته «زينب هانم» على العمل على إسقاطه ! ولكن هذا الاتفاق لم يوضع موضع التطبيق ليس فقط لأن الاجتماع لم يتكرر فى بقية فصول رواية «حركات السيدات فى الانتخابات» ونسيه المؤلف «نقولا الحداد» تماما، لكن كذلك لأن «زينب هانم» - التى كانت تطالب بـ«ديمقراطية على آخر موضة» تتسع للأعيان دون العوام- اكتشفت ان «أحمد الزعرورى» الذى دفعها للانضمام إلى هذه الحركة هو الذى ربى ابنها الذى تركته على مقعد إحدى الحدائق العامة، وأن ابنه «حليم افندى» الذى تسعى لمنع تزويجه من ابنة زوجها هو نفسه ابنها وبهذه الصفة أصبح من أبناء الأعيان، ويجوز له أن يتزوج ببنات الذوات!.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها