النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11698 الأحد 18 ابريل 2021 الموافق 6 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:50AM
  • الظهر
    11:37AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:02PM
  • العشاء
    7:32PM

كتاب الايام

عاشـــق الكامــــيرا الأبــــــــدي

رابط مختصر
العدد 9125 الجمعة 4 أبريل 2014 الموافق 4 جمادى الآخرة 1435

على الغلاف الخلفي لكتابي الفوتوغرافي الجديد «الخبر وماجاورها» كتبت النص التالي «يقولون أن المرآة هي أعظم اختراع بشري حتى الآن، كونها أتاحت للإنسان لأول مرة أن يرى ملامح نفسه بنفسه، ويتعرف على هيئته وشكله دونما الاعتماد على وصف الآخرين له. وقياسا على ذلك يمكن القول أن اختراع آلة التصوير الفوتوغرافي، التي تعتمد في عملها على المرآة وما تعكسه من ضوء، لا يقل أهمية وعظمة. أليست هي التي تجسد الأحداث وتجمدها في لحظة زمنية معينة بكل أبطالها وظروفها ومواقعها من خلال صورة سيـُفنى أصحابها، وستنمحي مواقعها، وستتبدل ظروفها، لكنها ستظل وحدها الباقية والشاهدة على وطر مضى؟» أما في صفحة المقدمة فقد عبرت عما يخالجنى من أسى وحسرة لأن إمتلاك كاميرة التصوير بالنسبة لجيلنا كان حلما بعيد المنال، و معرفة فنون تشغليها وإدارتها كانت من الأمور العصية على فهمنا. ولولا ذلك، أي لو كان قد توفر لجيلنا ربع هذا الكم الهائل من تقنيات التصوير وخياراتها المتعددة المتوفرة للجيل الحالي، لكنا نحتفظ اليوم بثروة ضخمة من الصور النادرة لمواقع وأحداث وشخصيات لعبت دورا كبيرا في رسم معالم حياتنا الحاضرة. على أنه، لحسن الحظ، كان بيننا من الرجال من عشقوا التصوير فأخذوا على عواتقهم رغم كل الصعاب والمشاق وقلة الحيلة تسجيل الزمن، وقائع وأحداثا وأمكنة، بل والمحافظة على تلك السجلات ومنع فنائها، الأمر الذي صار معه من السهل على الجيل الجديد عقد المقارنات بين ما كانت عليه أوضاع ومجتمعات آبائهم وأجدادهم وما يعيشون فيه اليوم من بحبوحة العيش ورغد الحياة. والغريب في أمر عشـّاق الكاميرا في الماضي، ممن ندين لهم حقا بصور الزمن القديم، أنهم كانوا في أغلب الأحيان من الأقليات. فمثلا في لبنان حيث درستُ مع ثلة من أفضل شباب البحرين وألمعهم كان معظم من سجلوا وقائع حياتنا الطلابية بالصورة الضوئية هم مصورون من اللبنانيين الأرمن. وفي الخليج يــُعزى الفضل الأول في تصوير رجالات وأنماط الحياة وأماكن الزمن القديم لمصورين محترفين من الضفة الغربية لبحر الخليج أو من الأقليات الايرانية والشامية واليهودية والهندية من أمثال «زماني» في المنطقة الشرقية من السعودية، و»بوشهري» و»الأسطى بدر في الكويت، و»فتوئي» و»حميد دوراني» في الإمارات. وهذا يشبه الوضع في البحرين أيضا، حيث تصدر عرش التصوير مصورون من أمثال «عبدالله الخان» و»عزيز محمد نور بستكي»، والمصور «إعجاز» وغيرهم. واليوم هناك الأخ «عبدالله دشتي» الذي نراه متسلحا بعدساته في مختلف الفعاليات الأدبية والثقافية والاجتماعية. وقبل أن نسلط الضوء على مسيرة «عبدالله الخان» وهو مـِنْ أبناء البحرين المخلصين ممن ندين له بالفضل لخوضه مجال التصوير الفوتوغرافي منذ بواكير شبابه، ودراسته تقنيات الكاميرا وكيفية التعامل معها دراسة علمية فحفظ لنا بالتالي ذاكرتنا الضوئية، لابد من التوطئة للموضوع بحديث موجز عن تاريخ التصوير الفوتوغرافي في العالم والوطن العربي. المعروف أن الإنسان سعى منذ أقدم العصور إلى حفظ صور حياته عبر الرسم على جدران الكهوف بالفحم وأوراق الشجر أو عبر تشكيلات من الشمع، واستمر كذلك حتى تمكن عالـم البصريات العربي إبن الهيثم من تسجيل العديد من الملاحظات حول انتقال صورة مقلوبة لشجرة خارج زنزانته من بعد دخول الضوء من خلال ثقب في جدار السجن وسقوطه على الجدار المقابل. تلك الملاحظات التي دونها ابن الهيثم في كتابه «المناظر» أوصى بها الإيطالي «ليوناردو دافينشي»عام 1490 فأدخل الإيطالي «جيروم كاردان» في 1550 عليها مبدأ العدسة البصرية محدبة الوجهين، ممهدا بذلك الطريق أمام الايرلندي «روبرت بويل» ومساعده لصناعة الكاميرا البدائية الأولى في 1660. غير أن الثورة الحقيقية في عالم التصوير الفوتوغرافي قديما حدثت في 1826 على يد الفرنسي «جوزيف نييبس» الذي نجح بعد ثماني ساعات من الحصول على أول صورة لمنظر طبيعي كانت تطل عليه إحدى نوافذ منزله في جنوب فرنسا، لكن كان عليه أن يثبت تلك الصورة فخاض معركة طويلة استخدم فيها بياض البيض وأملاح كلوريد الفضة والجيلاتين وبودرة البطاطس حتى انتصر عبر استخدام فكرة العالم الألماني «جوهان هينريتش» التي ابتكرها في 1724 ومفادها تعريض الفضة مع الطباشير إلى الظلام ومن ثم الضوء المفاجئ فتتثبت الصورة. وهكذا ظهرت أول صورة فوتوغرافية حقيقية في 1826 على يد هذا العالم الفرنسي الذي استخدم الدوار الخشب ليحفظ الفيلم، بينما كانت آلة التصوير من صنع الأخوين الفرنسيين تشارلز وفينسينت شيفالير. ثم تطورت الكاميرا في منتصف القرن 19 على يد علماء كثيرين مثل الفرنسي» أندريا أدولف» الذي اخترع طريقة أن يكون الفيلم على شكل بطاقات صغيرة متتالية. بعد ذلك واصل العلماء جهودهم المضنية ومحاولاتهم الدؤوبة حتى تمكنوا من صنع أولى آلات التصوير الحديثة في 1924 مجسدة في «كاميرا لايكا 35 مم» التي ابتكرها الألماني «أوسكار». أما أول صورة ملونة فالتقطت في 1861 على يد عالم الفيزياء الاسكتلندي «جيمس ماكسويل» بمساعدة مواطنه المصور «توماس سوتون». عربيا ــ طبقا لمجلة العربي الكويتية ــ التقطت أول صورة في الاسكندرية بحضور محمد علي باشا في نوفمبر1839، وصدر أول ملف مصور في 1844على يد «جورج سكين كيث» وكان عن البتراء الاردنية. أما أول مصور أقام في القدس وفتح بها ستوديو في أوائل الخمسينات من القرن 19 فقد كان «جيمس غراهام»، لكن أول من قام بدراسات تصويرية علمية في القدس هو المصور الفرنسي «أوغسست سالزمان» في 1856، علما بأن القدس شهدت تركيزا كبيرا من قبل المصورين الأوروبيين لما للمدينة من قداسة لدى أصحاب الديانات السماوية الثلاث. وربما لهذا السبب ظهرت أول مدرسة لتعليم التصوير الشمسي في العالم العربي في القدس وافتتحها الأسقف الأرمني «يساي جرابيديان» في أواخر خمسينيات القرن 19 وتخرج منها مصورون محليون ما لبثوا أن حلوا محل المصورين الأجانب وسيطروا على السوق التجارية في أواخر القرن 19 ومطلع القرن 20. وكان جرابيديان قد أمضى شبابه في اسطنبول ثم توجه إلى القدس في 1844 حيث بدأ الدراسة، وبقي في المدينة حتى 1859، ممضيا تلك الفترة في تجارب عن التصوير الضوئي في كاتدرائية سانت جيمس للأرمن، وفي 1859 عاد إلى اسطنبول حيث أمضى أربعة أشهر تدرب فيها على أساليب التصوير ثم عاد مجددا إلى القدس. وقد أشار الرحالة الفرنسي «جول هوش» في سنة 1844 إلى دور يساي جرابيديان في تدريس التصوير بقوله: «في ستديو البطريركية الأرمنية يدّرس يساي جرابيديان بعض الشباب الأرمن من أنحاء الإمبراطورية علم التصوير، وخلال فترة توليه مهام البطريركية الأرمنية (1865ــ1885) ازدهر فن التصوير الفوتوغرافي في سورية وتفوق من بين تلامذة جرابيديان كل من الأخوين جرابيد وكيفورك كريكوريان، وأول فنان فوتوغرافي عربي محترف وإسمه خليل رعد». وفي بيروت استقر المصور الفرنسي «بونفيس» مع زوجته وابنه سنة 1867، وأنشأ بها ستوديو في محلة باب إدريس ليصبح على مدى أربعين سنة من أهم ستوديوهات التصوير الفوتوغرافي في المنطقة، وكان بونفيس قد جاء لبنان في العشرين من عمره ضمن القوة العسكرية التي أرسلتها فرنسا في 1860م لوقف الحرب الأهلية هناك، والتي ضمت بعض المصورين المعروفين مثل «جوستاف لوجري»، ولكن بونفيس أحب لبنان وآثر أن يعود إليها مع زوجته وابنه ليستقر فيها. بعد عدة سنوات من استقراره في بيروت (1871) كتب بونفيس لـ «الجمعية الفوتوغرافية الفرنسية» أن لديه 591 صورة أصلية عن مصر وفلسطين وسورية ولبنان مع آلاف النسخ. أما في الجزيرة العربية فإن أولى مجموعاتها الفوتوغرافية هي تلك الخاصة بالحجاز في عام 1880، ويعود الفضل فيها للمهندس والضابط المصري «محمد صادق بيه» الذي التقطها أثناء رحلته الرسمية للحج في العام المذكور. و»صادق بيه» هذا كان ضمن أفراد بعثة الجيش الرابعة التي اختارها الكولونيل جان ساف، احد قيادات جيش محمد علي باشا، للدراسة في معهد البوليتكنيك، حيث تخرج كمهندس حربي واتقن التصوير الفوتوغرافي لكن إذا ما تحدثنا عن المنطقة الشرقية من السعودية فإن الفضل في الحفاظ على ذاكرتها الضوئية منذ بواكير نموها يعود إلى المصورين الغربيين ولاسيما مصوري شركة أرامكو النفطية. قبل عدة أشهر دشن الصديق «عبدالله الخان» كتابا عن مسيرته في عالم التصوير باللغتين العربية والانجليزية تحت عنوان «معجم العين». يقع الكتاب في نحو 400 صفحة من القطع الكبير، وهو من إعداد الصديق المبدع حسين المحروس. والحقيقة أن مثل هذه المؤلفات لا تؤرخ لمسيرة صاحبه فحسب وإنما تؤرخ وتوثق أيضا لمسيرة وطن وشعب من خلال ما يحتويه من صور وتعليقات عن أماكن وشخصيات وأحداث أثيرة، فضلا عن أن الصورة، ليست كالوثائق المكتوبة. إذْ من الصعب تزييف مضمونها. وكلمة «الخان» وحدها تكفي لمعرفة أصول هذا المصور الفذ. فهي تــُطلق على الأمراء من نسل آل عباس الذين حكموا مدينة بستك وما جاورها من قرى في بر فارس العربي. ومن يقرأ كتاب «تاريخ الجهانكيرية» عن أحداث ووقائع ومشايخ بستك وخــُنج ولنجة ولار لمؤلفه «أعظم خان بني عباسيان بستكي»، والذي أعده وراجعه ونشره بالعربية الصديق إبراهيم بشمي في عام 1993، سيجد ذكرا متكررا وطويلا لخانات بستك وأدوارهم الناصعة في تاريخ الضفة الغربية من الخليج، فضلا عن تفاعلهم وتواصلهم مع أحداث ورجالات ضفته الشرقية. ويبدو أن «عبدالله الخان» تأثر في عشقه للتصوير بوالده محمد الذي كان يقصد الهند ككل رجالات الزمن الماضي، ويعود منها في كل مرة بخبر غريب أو سلعة مدهشة. وفي هذا السياق يقول مصورنا أن أباه عاد من الهند في عام 1939 بفتنة الكيمياء، وبفضة المرايا، وبالتصوير الفوتوغرافي، ففتــّن كل من في بيتهم الصغير بفريج «البنعلي» بالمحرق بعملية التصوير والأساطير الهندية المرتبطة بها، خصوصا وأنه كان قد جلب معه كاميرا كبيرة من تلك التي كانت تــُعرف بـ»بوكس كاميرا». ثم يتحدث «الخان» عن ظروف العالم في تلك الفترة التي شهدت الحرب العالمية الثانية، فأصبح معها الحصول على الأحماض والأفلام أمرا صعبا فيقول: «لم يفقد أبي الأمل، ولم يوقف التصوير، بل راح يستغل خبرته في صناعة المرايا بطلاء مواد كيميائية حساسة على ألواح زجاجية، ثم تعريضها لضوء عدسة كاميرته. جربها مرارا حتى نجح، لكنه كان يمحو الصورة من على تلك الألواح كي يعيد استخدامها مجددا». والغريب في حكاية «عبدالله الخان» أن والدته أيضا كانت منشغلة ومشتغلة بالتصوير. وملخص القصة أن والده «محمد» لم يكن يملك ساعة ليضبط تواقيت التحميض في شبه غرفة استقطعها من دورة المياه لتكون بمثابة الغرفة المظلمة، فكان يكلف زوجته بالمهمة، وهي من جانبها كانت مضطرة لحساب الوقت بمجرد أن يضرب زوجها كفه على جدار الغرفة المظلمة، وذلك بقطع مسافات داخل البيت مشيا، وكل مسافة بدقيقة تتلوها صيحة من المرأة المعذبة وهي تقول: واحد .. إثنان .. ثلاثة، وهكذا إلى أن تنتهي مدة التحميض، ليوكل للمرأة مهمة أخرى هي تجفيف الصور. ومن المفارقات التي يذكرها «عبدالله الخان» في هذا السياق أن النسوة في فريج «البنعلي» بلغتهن قصة صياح أمه فاعتقدن أنها جـُـنــّت. في مثل هذه الأجواء نشأ وترعرع «عبدالله خان». أسرة فقيرة تسكن حيزا ضيقا للغاية بلا كهرباء او ماء، وربها يعمل في مهنة بالكاد يكفي مردودها لإعالة أسرته. غير أن الأمر تغير فجأة، إذ تحسن مدخول الأسرة كثيرا بعدما عرف جنود الجيش البريطاني المرابطين في معكسر بشمالي المحرق أن هناك رجلا يدعى «محمد الخان» يعمل في التصوير، فصاروا يترددون عليه ومعهم بكرات أفلامهم لتحميضها وطبعها. هنا وقعت أحداث يرويها «الخان» بكثير من التشويق فيقول أن والده اكتشف أن الصورة الجيدة تحتاج إلى إتمام عملية التحميض باستخدام مياه نقية، ففكر كثيرا ولجأ إلى أناس كثر يستشيرهم واستعان بـ»التناكين» كي يصنعوا له أوان تمكنه من الحصول على المياه النقية بواسطة التبخير، لكنه لم يكن يدري أن عيونا كانت تراقبه إلى أن جاء اليوم الذي حضر فيه إلى بيته المستشار «تشارلز بلغريف» مع نفر من العسكر لضبطه اعتقادا منهم أنه يصنع الخمر داخل منزله. لكن دهشتهم كانت عظيمة، واعتذارهم كان كبيرا حينما علموا بنبل مقاصد «محمد الخان» واجتهاده. وهكذا وجد الأخير نفسه خلال فترة وجيزة يـُستدعى للعمل بالداخلية في قسم التصوير، حيث كان هذا القسم يعاني وقتذاك من مشكلة تحميض وطباعة صور المساجين، وكان لا يجد مفرا من إرسال الأفلام إلى البصرة لذلك الغرض. فإذا ما أخذنا المعطيات السابقة في الحسبان، فإنه لم يكن مستغربا أن يتبع الإبن خطى والده، فيدخل ميدان التصوير اثناء دراسته الثانوية وبعد إتمامها في عام 1957. وحول هذا يقول «عبدالله الخان» أنه كان ينوي دراسة الطب في مصر أو العراق لكن العراقيل التي واجهته دفعته للالتحاق بشركة بابكو التي اهتمت بمواهبه في التصوير فنسقت مع شركة «كوداك» كي يلتحق بها. ويضيف أنه رفض هذه الفكرة لأنه أراد دراسة التصوير في أكاديمية متخصصة، ولما اقتنعت بابكو بموقفه أرسلته للدراسة في كلية «إيلنج تكنيكال كوليدج» المتخصصة في التصوير في لندن، والتي تخرج منها في 1962.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها