النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

مطارحات

تراجع القدرة على الدمج: تحولات فكرة «البرانية» في

رابط مختصر
العدد 9121 الاثنين31 مارس 2014 الموافق 30 جمادى الأولى 1435

يتصف المجتمع البحريني بالانفتاح والقدرة على الاستيعاب والدمج، فهو لاعتبارات سكانية وجغرافية وتاريخية وثقافية يمتلك القدرة على صهر العناصر» البرانية» في بوتقته الاجتماعية - الثقافية، وهذه العملية لها علاقة مباشرة بالمقومات التاريخية والاجتماعية والثقافية، فالبحرين ميناء مفتوح على العالم، وواحة امن وسلام، بما يجعل من أمر التعايش الاجتماعي لا يثير الكثير من الإشكالات على صعيد العلاقة مع العناصر الوافدة، دون ان تكون هنالك حاجة إلى دمج بمعنى الذوبان الكامل، وإنما تعايش يثري التنوع الموجود أصلا والذي يحتاج إلى عقود من الزمان ليتحول الى الدمج والانصهار في حالة الانتقال من وضع «الوافد» إلى وضع «المواطنة الكاملة»، فهنالك طيبة أهل البحرين، وسلميتهم الاجتماعية، وقبولهم لتنوعهم الداخلي دون توتر او عناء.. حيث يبدو المواطنون البحرينيون في تعايشهم وتواصلهم الداخلي مع بعضهم البعض أكثر رقيا وسلمية وحضارية، مما يظهر في بعض الكتابات العنصرية الفجة او فيما يظهر من جدل وحطابات. إن عملية الدمج الاجتماعي هذه، بالرغم من تحققها في معظم الأحيان الا أنه قد تعتريها تعقيدات طارئة، فعلى مستوى تفاصيل العلاقة بين العناصر البرانية والعناصر الأصلية – بالرغم من سكونيتها - فانه يغلب عليها سمة الحذر على صعيد التفاعلات الاجتماعية مع «البرّانيين»، حيث تظل العناصر البرانية – غير العربية تحديدا- لأسباب لغوية ودينية وثقافية منجذبة إلى مثيلاتها من الكيانات والتجمعات السكانية كالمهاجرين بمن العمال الوافدين وعوائلهم، وداخل التجمعات التي تشكل نوعا من الأقليات من المواطنين، بما يجعل العناصر البرانية – خاصة من الأصول غير العربية- غير المندمجة كليا، تحافظ على لغتها الأصلية، وعاداتها وتقاليدها الاجتماعية اليومية، بل تبدو منعزلة في تنظيماتها ونواديها الاجتماعية، وغير مشاركة في دورة الحياة المنتمية، باستثناء اتخاذ بعض الكليشهات الرمزية (بعض الكلمات من اللغة المحكية المحلية- اتخاذ بعض أشكال اللباس وبعض عادات الأكل المحلية) والتي لا تكفي لوحدها للتعبير عن نوع من الاندماج.. وقد يسود هذه العلاقة بعض الاستنفار بشكل واضح في لحظات التأزم السياسي- الاجتماعي- الطائفي، حيث يتم اللجوء إلى تحميل «العناصر البرانية» جزءا من مسؤولية الأزمة، ومن هنا تبرز ظاهرة الاستنفار والتهجم والتمثيل الإعلامي، بكل مجالاته واليات اشتغاله العنيفة كاستخدام معجم «أصلي وغير أصلي»، وفقا لنسق التنكيلي الذي يعاقب هذا « البراني» إعلاميا وإخراجه عنوة من دائرة المواطنية والإصرار على اعتباره جسما غريبا،(مجنسا أو وافدا، أو أجبيا) مما يعد مظهرا من أسوأ عناصر التمثيل غير المسبوق ضمن منظومة قيم التعايش والتسامح، حيث يتم العبث في هذا المجال، ببناء لغة جديدة لم يعهدها المجتمع خلال عقود طويلة من الانفتاح والتعايش الحضاري، يعكسه تنوع العناصر والمصادر البشرية الوافدة، بمكوناتها القابلة للاندماج، وبمكوناتها غير القابلة (أو غير الراغبة) في الاندماج والتي لا يتعدى طموحها الإنساني البحث عن فرصة للعيش الآمن، ضمن أفق الترانزيت لا غير.. ويتمظهر هذا التنكيل الاجتماعي والإعلامي (الدعائي) في قسوته، ليشمل من يسمون بــ (المجنسين)-لاعتبارات سياسية وطائفية واقتصادية - بأكبر قدر من العدائية والتشويه والرفض لمبدأ الاندماج غير الطبيعي أو الإدماج القسري، المسمى سياسيا وإعلاميا بالتجنيس السياسي. وتقل هذه العدائية في مصطلح الوافدين الذي يرمز إلى الوجود المؤقت(الترانزيت)، وتكاد تنعدم هذه العداوة مع مصطلح الأجانب الذي يقصد به في الغالب الأوروبيون والأمريكان الذين يتناولهم المعجم المحلي بقدر من الاحترام والتبجيل والانبهار والحسد الطبقي. في الأوضاع الطبيعية، وبعيدا عن أفق التسييس، فإن عامل الخصوصية، هو المرشح لمدنا بتفسير سوسيولوجي لظاهرة الاستنفار هذه، حيث يغلبنا (بالمفهوم الفيبري) شيء من عدم الراحة أثناء التفاعل مع «البرّاني/الآخر» بما في ذلك «الآخر القادم من أفق الجغرافيا العربية» الذي تربطه بنا علاقات غير ثانوية، وفي ظل هذه الأوضاع الطبيعية سريعا ما يؤدي التفاعل الاجتماعي والثقافي إلى شبك العناصر الأولية المشتركة التي سرعان ما تتشابك في علاقة ألفة وحراك يتجسمان بسرعة ووضوح مدهشين على الصعيد الثقافي، لتختفي معه الفوارق الثانوية ويحدث الاحتضان الذي تضيع معه إشكالات وتعبيرات الاستنفار والحذر وفكرة البرانية، ولذلك تظهر تعبيرات تكشف جميعها عن مدى الانشراح والتعاطف مع الناس الذين تربطنا بهم علاقات أولية – العروبة والإسلام – للتغلب على مفهوم يتردد استخدامه مؤخرا فيما يشبه النبرة العنصرية وهو مفهوم « الأصلي وغير الأصلي».. وهذه المفارقة لا يختص بها المجتمع البحريني فحسب، بل تكاد تكون لصيقة بالمجتمعات المستقطبة للهجرات الكبيرة لأنها تمتلك بحكم هذا التنوع قدرة على الاستيعاب والجذب، وفي المقابل-وهي تفعل ذلك-تبني آليات للدفاع عن خصوصيتها الاجتماعية-الثقافية عندما ترى نفسها مهددة بأمواج المهاجرين-الوافدين... ففي بعض تفاصيل العلاقة بين العناصر البرانية والعناصر المحلية –في لحظات التأزم السياسي- الاجتماعي، يتم تحميل «العناصر البرانية» الوافدة المندمجة ( غالبا ما تكون عربية) جزءا من المسؤولية عن الأزمة ( الأزمة الإسكانية مثلا)، ومن هنا تبرز ظاهرة الاستنفار والتهجم والتمثيل الإعلامي، بكل مجالاته واليات اشتغاله العنيفة كاستخدام معجم «أصلي وغير أصلي»، وفقا لنسق التنكيلي الذي يعاقب هذا «البراني المندمج» ويتم إخراجه عنوة من دائرة المواطنية، بل إن الاتجاه – في ظل التصنيف الطائفي للمواطنين الجدد، يميل إلى نوع من الإصرار على اعتبارهم جسما غريبا، واعتبار(المجنس) «لا مواطنا» من قبل المجموعة السكانية التي تعتبره رقما معاديا، فيتم العبث في هذا المجال، ببناء لغة جديدة لم يعهدها المجتمع خلال عقود طويلة من الانفتاح والتعايش.. وفي المقابل، فان العلاقة مع العربي الوافد (المندمج) في ظل الأوضاع الطبيعية سريعا ما يؤدي التفاعل الاجتماعي والثقافي إلى شبك العناصر المشتركة التي سرعان ما تتشابك في علاقة ألفة وحراك يتجسمان بسرعة ووضوح مدهشين على الصعيد الثقافي، لتختفي معه الفوارق الثانوية ويحدث الاحتضان الذي تضيع معه إشكالات وتعبيرات الاستنفار والحذر وفكرة البرانية، ولذلك تظهر تعبيرات تكشف جميعها عن مدى الانشراح والتعاطف مع الناس الذين تربطنا بهم علاقات أولية – العروبة والإسلام – للتغلب على مفهوم يتردد استخدامه مؤخرا فيما يشبه النبرة العنصرية وهو مفهوم «الأصلي وغير الأصلي».. اما في حالة الاستنفار السياسي والطائفي فان امر التقبل والتسامح يتقلص، خاصة عندما يكون هنالك إحساس بان هذا الدمج يفضي إلى مزاحمة على الموارد الشحيحة. ان حالة الاستنفار في المجتمع سوف تتراجع بتراجع التأزم السياسي والاقتصادي والطائفي ونتيجة للتفاعل المكثّف بين أفراد المجتمع بكل مكوناته وانصهار عناصره، إذ يزداد هذا التفاعل يوميا، ضمن أفق التحول الديمقراطي ورهاناته المستقبلية على بناء الانتماء على أساس المواطنة المدنية العملية الفاعلة وليس على أساس التمترس الطائفي أو على أساس العودة لأفق الجذور.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها