النسخة الورقية
العدد 11154 الأربعاء 23 أكتوبر 2019 الموافق 23 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:37PM
  • المغرب
    5:03PM
  • العشاء
    6:33PM

كتاب الايام

الحب والتضحية

رابط مختصر
العدد 9119 السبت 29 مارس 2014 الموافق 28 جمادى الأولى 1435

عندما أبعد قليلاً عن السياسة وأكتب عن القيم والعواطف الإنسانية وأروي قصص وتجارب الأصدقاء والحياة أتلقى رسائل ومسجات تستحسن هذه الكتابات لا لشيء ولكن لتشبعهم بهموم السياسة، وأنا أجدها فرصة لاستراحة محارب وأعد قرائي بأن أكتب لهم بين الفينة والأخرى ما يريدون بين تحليلاتي السياسية لهمومنا في الوطن والهموم العربية، واليوم انتقيت لكم هذه المعاناة التي تحكي قصة من أروع قصص التضحية. لم يكن الرجل غريبا عن الدار التى نزل بها، فهو وافد دائم عليها حتى وإن ابتعدت المسافات، وكان صديقي متزوجا ولديه من الأولاد أربعة، ثلاثة صبيان وبنت في عمر الزهور، وكانت نور ابنته هى نور حياته في هذه الدنيا، فهي أول من يستقبله لدى عودته من عمله وآخر من يودعه وهو يغادر المنزل لعمله او عندما يذهب لقضاء جلسة مع الأصدقاء في المساء، ولم تكن رغم عمرها الصغير بعيدة عن عقل أبيها، فهي أقرب لأفكاره، وحكاياته، ونوادره. أما زوجته، فكانت مثل أي سيدة، تهتم بمنزلها وأولادها وزوجها، وكما يقولون، فهي ربة بيت ممتازة، وفية، معطاءة، محبة. ولكن مع سفريات الرجل الكثيرة وترحاله المستمر، الى بلاد الغربة، وغربته عن زوجته وأولاده وابنته، أوقعته في حب جارة له في منزله ببلاد الغربة، فالمرأة كانت طيبة واخذته بروحها وطلتها الجميلة التي أذهبت عقله وأخذت قلبه. لم تكن حبيبة الغربة وحيدة، فهي متزوجة ولديها أيضا من الأولاد طفل وطفلة ربما يقتربان من عمر أصغر أبناء الرجل من بينهم نور. لقد وقع الاثنان في الحب، هو يعيش أياما في الغربة وحيدا، منفردا، بلا صديق. وهى تعاني من مشكلات زوجية تعاني منها بيوت كثيرة في هذا البلد، فكل منزل يغلق بابه على مشاكل، ولا يخلو بيت منها. ازدادت رحلات الرجل الى بلاد الغربة، فقلبه تعلق بجارته التى أصبحت تشتاق اليه ولا تطيق بعاده عنها، رغم انها متزوجة، ولكن هذا لا يعني خيانة الزوج او عدم مراعاته، فكل ما كانت تفعله هو الحديث مع الجار الوافد، فقد عاشا حبا نزيها بلا علاقات او اقتراب أكثر من اللازم.. عاش الرجل مدللا في حبها وهي كذلك، هو يخاف عليها، وهى كذلك، يشعر بالقلق على محبوبته الجديدة، وهى لم تكن أقل منه قلقا. الرجل كاد ينسى في كل رحلة زوجته وأبناءه حتى ابنته نور التي كانت نور عينيه، وعاش متلهفا على حبه الجديد، ولكنه وقف عند ظروف هذا الحب الجارف، فحبيبته متزوجة وأم، واذا اقترب منها أكثر ربما لخسرت حياتها وزوجها واطفالها. وهو ليس بعيدا عن مثل هذه النتائج، فهو أيضا متزوج ولديه من الأولاد أربعة، وإذا انهى تجربة الحب بالزواج من حبيبته ربما دمر حياته وحياة أسرته. وبالتاكيد حياة محبوبته. فكر الحبيبان كثيرا في قصتهما، الرجل أدرك ان الحب جارف ولكن الزواج سيدمره، والسيدة رغم حياتها الزوجية التى تعشش فيها المشاكل والمنغصات، لم تفكر لو للحظة في هجران أسرتها، ولكن ما عوض الاثنان معا هو التسامي في الحب، فمع لحظات الحب العفيف عرفا ان التضحية أهم من حياتهما الخاصة. لقد عاد الحبيبان في لحظة تغليب العقل على القلب الى ذكرى أيام مضت، أيام زمان عندما كان الجار يخاف على جارته، ولو حبها كان حبا نزيها، فزمان كان الحب تضحية وإيثار، الحب النزيه، الذي يكتم فيه الجار حبه وعواطفه حتى لا تتأثر سمعة جارته. أدرك الحبيبان إن حبهما ليس حبا ضائعا، وإنما حبا رائعا، اكتفيا بالكلمات واللقاءات العفيفة، والغزل العذري.. لم يكن حبهما ضائعا، لأنهما بحثا في داخلهما، وأيقنا معا ان الحب يدوم بعفته ودلاله وليس ان ينتهي بالزواج، فهناك منزلان وبكل منهما أولاد وأسرة، ستتفكك إذا اتسما بالأنانية واتخذا قرارا بالطلاق، أي أن الرجل يطلق زوجته وهي كذلك تطلب الطلاق من زوجها لبناء منزل آخر على انقاض منزلين بهما زرعا ورودا، أي الأولاد. لقد بحث الرجل في داخله، وتأكد ان حبه لجارته في الغربة ليس حبا ضائعا، فهو وقع في حب حقيقي، حب بإخلاص ولكن ليس بأنانية.. نعم، لقد كانت تجرحه لحظات عودة زوج حبيبته لمنزله، ويظل هو يفكر في وحدته ومأساته، ليغار عليها، فهو كأي رجل يشعر بالغيرة على حبيبته حتى لو كانت متزوجة، ربما لم يكن من حقه ان يشعر بتلك الغيرة، ولكنه الحب. كانت تجرحه لحظات يفكر في حبيبته وهى تقترب من رجل آخر رغم انه زوجها، ولكنه كان يحترق شوقا عندما يقول لنفسه: «إنها لي، إنها تحبني أنا».. كانت تجرحه نظرات زوجها اليها وتشعره كخنجر يقطع قلبه. ويحدث نفسه: «لتكوني لي وحدي، لماذا لا يكون الدفء من نصيبي». كان صديقي المغترب عندما يقترب من جارته الحبيبة، يشم في عطرها عبقا مخلدا، يشعر ان الأحزان تهجره، لتطير ساعة اوساعتين من الجلوس معها بجوارها كلمح البصر، وعندما يقترب موعد الرحيل، يتحرق شوقا، ويشعر بان قلبه ينخلع من صدره، وقرة عينه تبتعد عنه، في تلك اللحظات الخانقة بعد ساعتين في الجنة، يطير عقل الرجل، ففتاته المدللة تبتعد عنه، وصوتها الملائكي يغيب عن مسامع أذنيه، وكل ما مضي أصبح ماضيا ولا يعرف متى سيعود له قلبه المنفطر والصوت الملائكي. ولم تكن الجارة الحبيبة اقل شوقا لرؤيته، فهي تتجرع كأس الهوى رغم ندمها، وتعيش مثل السكيرة في محراب حبها للجار المغترب الذي لم تقترب سوى من حواسه وعواطفه وأبت وهو معها ان يقتربا جسديا، بل كان الحب ومشاعره الروحية ما كان يربط بينهما في جلساتهما. لقد أحب صديقي على طريقته، وأحال نهاره وليله وفجره حبا، وغرق في العواطف واستعصى عليه النوم، فكان لا يضيع وقت لا يرى خيالها أمامه، ويخاف ينام لئلا تأتيه في أحلامه. لقد وصف لي يوما حبه، فكان مثل المخلوق الجميل الرقيق الذي يغيب عن ناظره، كان يراها دوما جميلة، رائعة، خلوقة، عطوفة، حتى غابت عنه كلمات يوصف بها حبه من شدة ولهه بها.. فهي أجمل ما رأى، وأعذب من حادث وأرق من عامل، فهي عطر الياسمين، بنقائه وبياضه، تفوح منها روائحها لتعطر كل المكان والأمكنة، وهي مثل القمر بضيائه ونوره وبهجته، فكان من نصيبه عبير العطر والضياء في كل زمان والأزمنة. أتعرفون عمن كنت أتحدث؟.. انه صديقي وملاكه، كانا لا يشعران بحبات المطر تنهمر عليهما، وتظل الشمس مشرقة حتى تغيب، ثم يأتي القمر بضيائه وياتي الفجر بجماله وهدوئه وهما ينهلان حبا بحب، كانا كالهواء يذوبان حبا، تغيب الكلمات عندما تتحدث العيون، وتملأ الفرحة المكان الذي يضمهما معا.. انه الحب العفيف، بعد أن ضحى المحبوب والمحبوبة بحبهما من أجل أولادهما. هو لم يترك الحب ولكنه عاد الى منزله، وهي لم تنس حبيبها حتى وإن وضعت نفسها في سجن زوجها. لقد ضحى صديقي بحبه، وضحت حبيبته بحبها، ولكن القصة لم تنته بعد، فما زال في العمر بقية، ولا يزال القلب ينبض، والمشاعر تتجدد، وشعرا كلاهما بالرضى وكان مصدر سعادتهما، وجعل حياتهما اسعد حياة يمكن ان يتخيلها بشر، فقد أدركا معا أنه إذا فاتهما شيء، فقد يذهب الى غيرهم ويحمل لهم السعادة، وكانا يقولان لنفرح لفرح الآخرين. كل الأصدقاء لاحظوا تبدل حال الصديق الذي أحب البلد الغريب، فلا يكاد يصل منها حتى يغادر اليها، وعندما علم الجميع بحاله سألوه: هل ستظل في حبها كثيرا؟ فرد: لا أعلم.. فتكرر السؤال: نريد ان نعلم الى متى سنراك غارقا في حبها؟.. فما كان منه إلا ان فاجأنا بإجابته وبهدوء تام: لا يعرف أحد متى سيموت وأنا لا اعلم موعد نهايتي. وبعدها لم نعد نسأله، ولكنه هو الذي أصبح يحادثنا عن حبه، وفي آخر مرة التقيناه قال لنا: «كم انا احبها.. حتى ان نفسي من نفسي تتعجب».. صديقنا المحب بعد أن كان يحادثنا أصبح يحدث نفسه وهو لم يدر، فلم يعد يلتفت إلينا.. « وعيونه تمتلئ بالدموع».. ويواصل: «في سماء القلوب.. ناس رائعون بعطر شذاهم التقي.. يتنامى حبهم في ثنايا القلب».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها