النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11695 الخميس  15 ابريل 2021 الموافق 3 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:53AM
  • الظهر
    11:38AM
  • العصر
    3:09PM
  • المغرب
    6:01PM
  • العشاء
    7:31PM

كتاب الايام

كم نحن بحاجة إليك لتـُعقـّل من لا يـَعـْقلون

رابط مختصر
العدد 9118 الجمعة 28 مارس 2014 الموافق 27 جمادى الأولى 1435

لأن إبراهيم عبدالحسين العريض قامة وطنية وفكرية بحرينية كبيرة فإن مقالة واحدة لا يمكن أن توفيه حقه. لذا خصصنا مقال هذا الإسبوع لتكملة ما بدأناه في الاسبوع الماضي، تنقيبا في مسيرته وحياته وإبداعاته. توقفنا في الاسبوع الماضي عند قيامه بترجمة رباعيات الخيام، وقلنا أنه سلك دربا مغايرا لكل من إقتحم هذا الميدان. وفي هذا الخصوص يؤكد العريض انه «لا يمكن ترجمة الرباعيات بشكلها الحالي بدون تصرف لأنها إذا احتفظت في الأصل برونقها وديباجتها فإنها تفقد في الترجمة الحرفية كل سحرها وموسيقاها، ولا يبقى منها غير الهيكل العظمي للمعاني المكررة». ولذلك فإنه ينوه بأهمية التصرف الفني للمحافظة على الروح الشعرية فيها، خصوصا وأنّ رباعيات الخيام زاخرة بكل ما يمس الإنسان والحيوان في جده ولهوه. وقد روى العريض قصته مع الرباعيات وأثرى القراء بمعلومات مفيدة عنها حينما تحدث إلى الصحفي حسن توفيق في حوار أجراه الأخير معه في عام 1980 ونشرته جريدة الراية القطرية في عام 1981 تحت عنوان «من الرسم بالألوان .. إلى الرسم بثلاث لغات». ومما قاله «إن أغلب المجموعات المطروحة بأسواق الكتب والتي تنسب للخيام لها تاريخ ، لكنك تلاحظ أن النقاد الذين حققوا رباعيات الخيام أكدوا أنها لم تكن تتجاوز سبع عشرة رباعية. والذي رفع من شأن الخيام هو الشاعر الإنجليزي الشهير فتزجيرالد الذي ترجم الرباعيات بعد أن شاهد نسخة منها في مكتبة حكومته بكلكتا. وتحتوي هذه المجموعة على مائة وإثنين وخمسين رباعية وهي منسوخة بعد وفاة الخيام بحوالي مائتي سنة، أي قرنين من الزمان. وفي هذه المدة الطويلة حدث ما لا نعرفه من تزيد وإنتحال لدرجة أن عدد الرباعيات تجاوز الألف! ومن الجدير بالذكر أن الفرس الإيرانيين مختلفون في صحة نسبة عدد كبير من الرباعيات إلى الخيام. فهناك الكاتب الروائي الإيراني الشهير صادق هدايت الذي جمع 252 رباعية ورأى أنها صحيحة النسبة، وهناك «فروغي» الذي عدّ 282 رباعية صحيحة. وعليه فإذا قال أحد المترجمين أنه ترجم الرباعيات فإنه يقصد أنه تخير منها. والواقع أن الخيام ليس من شعراء الدرجة الأولى عند الفرس، كما أنه كان عالما وفلكيا أكثر منه شاعرا». ولعل الصديق الشاعر علي الشرقاوي إختصر كل ما قلناه عن العريض حينما صرح لوكالة الصحافة الفرنسية قائلا: «لقد كان يتكئ على مزيج واسع من الثقافات بدءا من الانجليزية والهندية والفارسية والعربية، مما أعطاه مجالات وقدرة لكي يختط لتجربته الشعرية طريقا مغايرا عن الشعراء الآخرين. لقد كان يُحلق في الشعر بجناح عربي، ولكن بأفق كوني مفتوح». لم يقتصر التأثير الهندي على العريض في إكتساب اللغات، والتي لم تقده فقط إلى عوالم الشعر وإنما فتحت أمامه أيضا أبواب الرزق، حيث التحق في عام 1937 بشركة «إمتيازات النفط المحدودة» العاملة في منطقة الخليج كرئيس لقسم الترجمة، وقد ظل في هذه الوظيفة شطرا كبيرا من حياته عدا فترة قصيرة أثناء الحرب العالمية الثانية زاول خلالها التدريس في المدرسة الثانوية بالمنامة، إلى جانب العمل في «إذاعة البحرين اللاسلكية»، وهو عمل إكتسب منه بعض الخبرة فاستعارته الحكومة الهندية للعمل في إذاعتها في الفترة ما بين عامي 1943 و1945. «إنّ حياته في الهند وسعت من أفقه الانساني وجعلته ــ في شعره وفكره ــ يتجاوز الحدود الفاصلة بين البشر لينظر إلى الأمور نظرة إنسانية شاملة متحررة من قيود البيئة الضيقة» طبقا للدكتور محمد جابر الأنصاري. وبعبارة أخرى فإن الهند أثرت في ضميره ووجدانه فنشأ بعيدا عن التزمت والتطرف والتعصب في الرأي والنظر إلى الآخر، وبعيدا عن التجريح والتشهير والتورط في مماحكات ومعارك وهمية مع أقرانه. حيث كان متسامحا، منفتحا على مختلف أطياف مجتمعه البحريني بدليل منزله الواقع بمنطقة العوضية في الحورة. وهي منطقة تسكنها تلاوين من أطياف الشعب البحريني. والمنزل ــ كما هو معروف ــ حولته وزيرة الثقافة الشيخة مي آل خليفة بجهودها وجهود القطاع الخاص إلى متحف لشاعرنا تحت مسمى «بيت الشعر» منذ عام 2006 ، ثم بدليل عدم ممانعته تزويج عدد من كريماته إلى رجال لا ينتمون إلى مذهبه وطائفته. ليس هذا فحسب وإنما التأثير الهندي على العريض نجده في أعماله الشعرية التي تتميز بوصف الطبيعة والتوقف عند فصولها وورودها وأشجارها ونجومها وشموسها وبحارها وأنهارها وشطآنها وطيورها وبلابلها، ناهيك عن تميزها بالرومانسية العميقة إلى درجة أن الكثير من النقاد أكدوا على أن إبراهيم العريض هو رائد الإتجاه الرومانسي في الخليج العربي، أي الإتجاه «الذي جاء بمثابة رد فعل تجاه الكلاسيكية بوقارها ورزانتها، وإيمانها المطلق بالشكليات على حساب الجوهر الإنساني» بحسب تعبير الصحفي حسن توفيق المشار إليه آنفا. وبطبيعة الحال ما كان لهذا أن يحدث لولا تأثر شاعرنا بما رآه في الهند من طبيعة خلابة تمر عليها فصول مناخية مختلفة فتلونها في كل مرة بلون جديد ورائحة مغايرة. فهو مثلا ينشد في هذا السياق: وزهرة تبتسم عن لـؤلـــــؤ قد نفض النسيم عنها الوسنا تجري المياه تحتها سلسلا وحولها الطيور تبكي الدمنـــا كأنها إذا رنت غـــــــــــادة تنظر في المرآة وجها حســـنا وفي مكان آخر يقول: وتغني الطيــور لي بنشيـد ويروق النسيم لي بـــــــهبوب وزهور الرياض تختال في حلتها لي بكل لون عــــــــجيب وتهتز الأوتار نفسي بأنغا م، وتغتال ما أرى من كـــروب وغرامي وذلتي وانكساري رجائي وحسرتي ونحيــــــــبي وبقدر حب العريض للبحرين فإنه كان محبا للخليج ومؤمنا بوحدته ومبتهجا بإنجازاته ومعتزا بقياداته. وفي هذا السياق يمكن إستعراض ما جاء في الكلمة التي ألقاها عن الكويت أثناء حضوره مؤتمر الأدباء العرب الذي إنعقد في مدينة الكويت في عام 1958. إذ قال ــ طبقا لما نشرته جريدة الوطن الكويتية في يونيو 2011 في زاوية «الأزمنة والأمكنة»: «إننا بني البحرين لنعتز بأخوتنا أبناء هذا البلد المضياف، الذين يبادلوننا ودا بود، ويشاطروننا صفاء بصفاء، ويفسحون لنا المجال كلما ضاقت بنا المجالات، ويوسعون لنا الدرب كلما ضاقت بنا الدروب. واذا شكونا هناك من جو لنا (رطب) يأتي على الجذوة، أنسنا هنا في الكويت جوا بعيداً كل البعد عن الرطوبة والضباب، يعيد الى الأجسام لباسها من العافية، والى النفوس رضاها واطمئنانها والى الافكار عمقها وصفاءها، والى القلوب ما يخفق لأجله القلب من الحب والهناء .لقد سبق لي أنْ زرتُ الكويت أكثر من مرة، فما هبطتُ منها إلا في وطني وداري، ولا سكنتُ إلا بين أهلي وإخواني. وحمدت الاقامة والجوار على طيب الاقامة وحسن الجوار. وكان آخر عهدي بزيارة الكويت قبل أربعة أعوام، فما أميْزَ الليلة من البارحة! ولا أقول: ما أشبه الليلة بالبارحة! وها أنا أهبطها اليوم مع زملائي الأدباء، فأجيل في طرقها المستجدة الواسعة ومبانيها المستحدثة الرائعة، عينين زاغت بهما الحيرة تحاولان عبثاً الإهتداء إلى ماكنتُ أعرف من معالمها القديمة، وقد تغير في الكويت كل شيء بعد أنْ دُكَّ نهائياً ما كان يحصرها من سور! ماأشبه أمري في حيرتي وأمر الكويت التي تضحك من حيرتي بذلك الانسان الذي عهده أحد معارفه حتى أمس القريب طالبا في مدرسته، ويجدد به العهد أخيراً فإذا بالطالب أستاذ فوق الأساتذة في الجامعة التي كان يدرس فيها». كما يمكن الاستشهاد بالقصيدة التي كتبها تحت عنوان «خادم الحرمين» ومما جاء فيها: يا خادم الحرمين حسبك سؤؤدا في العـُرب انك خادم الحرمين دأب الملوك صغارهم لكبارهم وكأنما هم يزلفـــــون بمَيـــْــن حتى كشفتَ إلى الحقيقة حالهم ما أكفر الإنسان في الحاليــــن آثرت لله «الجلالة» وحــــــــده وحملت عبئك حافي القدميــــن فهد وخالد للخلود وفيصـــــــلٌ ما عطــّر الذكرى كعقل الزيـــن ألقاك من سبقوك أعظم منهــُمُ ويراك من تبعوك قـُرة عيـــــــن ولئن خصص العريض بعضا من قصائده للتغني بوطنه البحرين مثل قصيدته «الوطن المفدى» والتي من أجمل أبياتها: سَقَتِ الغادياتُ أرضاً رعتْني طاب للظبي في رُباها المقامُ ورعى اللهُ تربةً أنشأتْنـــــي وعهودُ الصِّــــــــــــبا بها أحلام لا أرتْنـــي الحياةُ بعدَكِ أرضاً موطـــــــــنَ الدُّرِّ لا علاكَ مقام تلك أرضُ الجــدودِ أرضُ أَوالٍ حلّ مغنــــــــــاكِ نَضْرةٌ وسلام فإنه لم ينس الهند التي ربته طفلا وصبيا، ومنحته خيالا واسعا وفكرا ناضجا وروحا موسيقية وعقلا منفتحا فخصص لها ديوانه الرابع الموسوم بـ «شموع» والذي اشتمل على رسائل شعرية كتبها لفتاة هندية هام بها عشقا ووجدا. من تلك القصائد قصيدة بعنوان «دمية» ويقول فيها: يا إبنة الحســـــــن! عشــــــــتُ هواك لحنـــــــــــــا فــــــإذا أنت فتنة للرائي نهلتْ من جمالكِ العين ما كـــا نت به الإذنُ ــ قبلها ــ في إرتواء كنت أجري مع الخيال، إلى أنْ لحتِ، فانتهيتُ من خيلائي روعة الحسن في تأمله الخـــــالبِ أضعاف روعة الإصغاء أومضَ الحبُ في سماء وجودي فإذا الكون ضاحك الأرجاء لا تميلي بناظــــــــــــريك دلالا أمهليني تنفسَ الصـُعداء درة أنتِ ــ يا لحسنكِ ــ في جــيدِ ــ الليالي الحسان ذات بهاء وردة أنتِ ــ يالطهرك ــ رقــّـــتْ حمرة في خميلة الشعراء حية أنتِ ــ يالسحرك ــ في الإغ راء، إذ تنهدين باستحياء إعذريني إذا تلمستُ قلبـــــــــي بين تلك الضفائر السوداء دمية الهند! أبدعتكِ يـــــدُ الخلْلاقِ كي تــُعبدي، فهاك غنائي وكاتب هذه السطور جمعه والعريض عامل مشترك هو حب الهند والإلمام بشئونها شجونها، وطنا وشعبا وثقافة وحضارة وفلسفة، لذا كان شاعرنا على مدى سنوات يترقب ما أكتبه في الصحافة المحلية كل أسبوع من تحليلات في الشأن الهندي. ليس ذلك فحسب بل كان يفاجأني أحيانا في الصباح الباكر بمكالمة هاتفية ليقول لي: «هذا أبوك إبراهيم العريض يا ولدي» ثم ليضيف: «ما كتبته اليوم يا ولدي هو الصحيح، إستمر، وما عليك من الجهلة!» فكانت تلك الكلمات من قامة فكرية كبيرة مثله بمثابة دعم معنوي كبير لي يجعلني أنتشي فرحا وسعادة وحماسا ويمدني بطاقة إضافية للكتابة والبحث والتأليف في مجال تخصصي الأكاديمي. بقي أن نقول أن العريض كان متواضعا وزاهدا في الألقاب. ودليلنا هو أن الشاعر عبدالرحمن المعاودة الذي كان ينافسه في الشعر والفن المسرحي، حينما بايعه على إمارة الشعر كان رد العريض هو التالي: « تقدمتَ لي ــ عزيزي ــ كما تقدم المرحوم حافظ إلى شوقي مبايعا بالامارة .. وأي امارة. فأنا لا أنظر إلى الشعر إلا أنه مرآة كل نفس صافية، وأنّ كل شاعر له ذات مستقلة يشف عنها شعره على قدر صفائه. سواء في قديم العمر أو حديثه. ولا يمكن تخصيص الفضل فيه إلى زيد دون عبيد إلا فيما تنفع به الأمة. والحمد لله أنّ عهد الامارة قد انتهى بموت شوقي. ودليلنا الآخر هو رده على رسالة وصلته في مايو 1967 من سكرتير حكومة البحرين حول قرار الحكومة بترشيحه لجائزة نوبل للآداب بناء على إقتراح من الادارة الثقافية لجامعة الدول العربية. في هذا الرد قال العريض، بعد تقديم عبارات الشكر، أنه لا يرى من وجهة نظره أن آثاره الأدبية مؤهلة للحصول على مثل تلك الجائزة، مضيفا «إن كل إيضاح حول هذه الآثار غير ذي موضوع». ولا يمكن للباحث في سيرة العريض الشعرية أن يغفل أو يتغافل عن أمر مهم هو اهتمامه واعتزازه بالمرأة. فهو ــ كما كتبت نجاح المارديني ــ أول من استقل بموضوع المرأة في الشعر البحريني الحديث حين خاطبها دون حرج أو خوف من أخلاقيات المجتمع، كما جعلها مستقلة عن موضوع الطبيعة الذي كانت ترد في أعطافه وغصونه. فمثلا نجده يصف مفاتن المرأة الحسية فينشد: ولقد يميس من الصبا قد، وصــحن الخـــد ورد والشعر ليل فاحـــــــم والوجه مثل الصبح فــرد والصوت نغمة بـــلبل والريق في الشفتين شهد والجسم غض ناعـــم وعليه كالرمان نهــــــــــد يغري بلين قوامــــــه والقلب صخر أو أشــــــــد وفي أشعاره الغزلية، التي تقترب من أشعار «عمر بن أبي ربيعة» حول عشقه العذري ومغامراته العفيفة، يتكرر إسم «مي» كثيرا. ولا ندري إن كانت مي هذه فتاة عشقها شاعرنا فعلا أو أنها مجرد رمز لأي إمرأة جميلة. غير أن المؤكد هو إعجاب العريض بهذا الإسم بدليل أنه أطلقه على كريمته الكبرى عقيلة الوزير المرحوم يوسف أحمد الشيراوي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها