النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12099 الثلاثاء 24 مايو 2022 الموافق 23 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

أحلام الشيخ الزعروري الديمقراطية

رابط مختصر
العدد 9111 الجمعة 21 مارس 2014 الموافق 20 جمادى الأولى 1435

اقتحمت «حركات السيدات في الانتخابات» عالم «نقولا الحداد» الروائي، مما دفعه لأن يتخذ من هذه الحركات عنوانا رئيسيا لروايته، التي كتبها عام 1927 ليتراجع العنوان الأصلي وهو «أيّ هو ابني؟» فيصبح عنوانا فرعيا.. حدث ذلك أثناء الحوار الحاد الذي جري بين «زينب هانم» أرملة «بكر باشا العيوقي» وبين «أحمد الزعروري» الخولي السابق في بعض أملاك الباشا، الذي جاء ليخطب حكمت ابنة الزوج الراحل، إلي ابنه بعد أن ضبطته «زينب هانم» وهو يحاول مغازلة الفتاة، واعترف لها بحبه. وما حدث هو أن «الزعروري» كان يحاول إقناع الهانم بأن ابنه مؤهل تماما للزواج بربيبتها وابنة زوجها الراحل، فقد حصل علي دبلوم الزراعة ويدير أملاك والده، وهو يسعي لاستنبات محاصيل جديدة، منها نوع جديد من القطن طويل التيلة، سوف يضرب القطن السكلاريدي علي عينه، ومنها نوع من القمح يشمل السنبلة منه ست سنابل متلاصقة، واختراع آلات جديدة للرى وللحصاد، ولكن «زينب هانم» ترفض الاستماع إلي بقية بيان المؤهلات التي يحملها «حليم أفندي» وتقول للأب المتيم بمواهب ابنه «من أنتم يا أغبياء حتي يلوح في بالكم أن تؤملوا بأن تتزوجوا ببنات الذوات.. لقد بلغت القحة من عبيدنا أن يؤملوا بمصاهرتنا، فبئس هذا الزمن الذي نحن فيه».. ويعتبر الأب رفض الهانم إهانة له، ويسألها في استنكار عن الفارق بين «حليم» و«حكمت» وكلاهما متعلم ومترب ومهذب وذو ثروة، فترد علي استنكاره بأن تسأله بنفس الدرجة من الاستنكار: هل سمعت أن بنت باشا تتزوج بابن خادم.. خادم أبيها؟ فيرد «الزعروري» بثقة قائلا: إن هذا كان أيام جدها وجده، أما الآن فإنهما في زمان الحرية والإخاء والمساواة، والإنسان بفعله لا بأهله، «حكمت» متعلمة.. و«حليم» متعلم أكثر منها وهي غنية وهو أغني منها وهي بنت باشا.. وسوف يكون «حليم» باشا كذلك. وفي ختام هذه المناقشة العاصفة، يتوعد «الزعروري» سيدته ـ أو مالكته السابقة ـ بأنه سوف يسعي من أجل إصدار قانون يخير الفتاة في الزواج بمن تريد حتي في سن القصور، قائلا لها: نحن قد نلنا استقلالنا ولا يجوز أن يتفوق علينا الذوات والباشاوات وورثة الثروات بعد أن صار لنا دستور يساوي أفراد الشعب بعضهم البعض، وتسخر «زينب» من أوهامه الديمقراطية وتقول: لسوف يرينا الاستقلال من غرور الجهال ما لم يكن يخطر علي بال.. هل تظن أن الدستور سيجعلك أهلا مساويا لنا.. ويجعل ابنك كفئا لابنتي؟.. فيفاجئها بالقول بأنه سيرشح نفسه في البرلمان، وسيفوز في الانتخابات، وسيستصدر من السلطة التشريعية قانونا يحظر علي المرأة التدخل في أمر زواج بنت زوجها، خاصة إذا كان قد رحل عن الدنيا ويحرمها من الوصاية علي أبناء زوجها الراحل، ومن وراثة زوجها إذا كانت زوجة ثانية ويؤكد لها أن شروط الترشح تنطبق عليه، إذ هو يفك الخط، وهو يملك ثروة تؤهله لأن يحصل علي رتبة البكوية.. ثم رتبة الباشوية. غضبت «زينب هانم» مما قاله «الزعروري» فلم تجد حلا إلا أن تزور صديقتها «هدي هانم» ومع أن المؤلف حذف لقب هذه الصديقة إلا أنه وصفها بأنها «السيدة الفاضلة الوطنية ورئيس اتحاد النساء» في إيماءة صريحة إلي أن هذه الصديقة هي «هدي هانم شعراوي» (1879ـ 1947) رائدة تحرير المرأة التي برز اسمها أثناء ثورة 1919 حين تزعمت الدعوة للقيام بمظاهرة نسائية تطوف بالسفارات الأجنبية لتقدم احتجاجا على نفى «سعد زغلول» زعيم الثورة وعلى الطريقة الوحشية التي تقمع بها جيش الاحتلال البريطاني المظاهرات السلمية التي خرجت تطالب بإطلاق سراحه، وبإلغاء الحماية البريطانية علي مصر، ثم أسست في العام نفسه «لجنة الوفد المركزية للسيدات» وفي عام 1923 أسست جمعية «الاتحاد النسائي المصري» التي نشطت في مجال الدعوة لتحرير المرأة. وعلي العكس من «هدي هانم» التي كانت تري أن هذه الحقوق الاجتماعية هي أهم حقوق المرأة، رأت «زينب هانم» أن الحقوق الاجتماعية هي أقل الحقوق أهمية، وفي تفصيل ذلك قالت إن مصر صار لها دستور يساوي بين أفراد الشعب، ولكن هذا الدستور لم يشترط في عضو البرلمان إلا أن يكون يعرف القراءة والكتابة وهو شرط تعترض عليه انطلاقا من تجربتها الشخصية مع «أحمد الزعروري» وابنه «حليم» قائلة: إن هؤلاء الجهال لو صاروا نوابا فسوف يحق لهم أن يسنوا قوانين تسوغ للرجل أن يستعبد زوجته وابنته وأخته، وأن يضربهن إذا تراءي له أنهن عاصيات وأن يطلق زوجته لغير سبب، وأن يحرمها حقوقها المدنية لأقل سبب، وعطفت علي مشكلتها الشخصية فقالت إن هؤلاء النواب الجهلة سوف يتصدرون قوانين تسوغ لابن الفلاح أن يغوي بنات الأعيان، ويتزوج بهن متي يشاء ويطلقهن متي يشاء من غير تحمل أي مسئولية، ثم انهم سوف يسنون قوانين تقضي بحسبان كل امرأة، مهما كانت نبيلة ومتعلمة وذكية، وشريفة قاصرة، يجب أن تكون كل حياتها تحت وصاية أبيها فأخيها، ولا إرادة لها ولهم أن يسنوا قوانين تقضي باقفال مدارس البنات وحبس الإناث في البيوت بدعوي الحرص علي عفافهن. وتعترض «هدي هانم» علي ما سمته التصورات الغريبة التي تطرحها «زينب هانم» فتقول لها الأخيرة إنها لا تستبعد ذلك لأن الرجال ـ والمصريون منهم علي وجه الخصوص- ميالون لاستعباد المرأة، وترد عليها رئيس اتحاد النساء قائلة: إن البلاد ليست خالية من الرجال العقلاء الراقين الذين يستحيل عليهم أن يسلموا بتقهقر كهذا، وتذكرها بأن الرجال العقلاء الذين استردوا استقلال الأمة يستطيعون قيادتها، ولكن «زينب هانم» تتمسك برأيها وتبرر ذلك بأن الرجال الذين استطاعوا تحقيق الاستقلال فعلوا ذلك بلا انتخاب، بل بفضل إجماع الرأي العام وأن البرلمان سيتكون من مجموعة من المنتخبين، بينهم أشخاص من نوع «أحمد الزعروري» وسيكون لأمثال هذا العلج الأناني المعقد نفسيا حق النيابة عن أمثال «هدي هانم» من النبيلات الشريفات المحتشمات لمجرد أنه يعرف أن يوقع اسمه ولم يصدر عليه حكم من محكمة.. ولمجرد أنه رجل لا امرأة، وبهذا الشرط تحرم المرأة من أن يكون لها رأي في شئونها ولو كانت فيلسوفة.. وتطالب «زينب هانم» صديقتها بأن تطالب بحقوق السيدات في الانتخابات وفي النيابة عن الأمة. وترفض «هدي هانم» الرؤية المتشائمة التي دفعت «زينب» للقول بأن الدستور خطر علي حقوق المرأة المقدسة، وتقول لها إنها واثقة بأن مجلسي البرلمان سوف يجمعان نخبة من رجالنا ونخبة من أفاضلنا وتطمئنها بأن رجلا مثل «أحمد الزعروري» حتي لو دخل إلي البرلمان فلن يستطيع أن يفعل شيئا بين مئتين من الأعضاء الذين يتكون منهم المجلس وحين تطالبها «زينب» بأن تضيف حق الانتخاب للسيدات إلي المطالب التي يرفعها «الاتحاد النسائي» وأن ترشح نفسها لعضوية مجلس النواب، ترفض «هدي هانم» وتضيف انها مع رغبتها في أن يكون للنساء المصريات هذا الحق، فإنها لا تري أن المطالبة به الآن في توقيتها الملائم.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها