النسخة الورقية
العدد 11116 الأحد 15 سبتمبر 2019 الموافق 16 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:03AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    3:01PM
  • المغرب
    5:43PM
  • العشاء
    7:13PM

كتاب الايام

بئس البطانة الفاسدة

رابط مختصر
العدد 9105 السبت 15 مارس 2014 الموافق 14 جمادى الأولى 1435

تحكي القصة أن نملة مجتهدة كانت تتجه صباح كل يوم إلى عملها بنشاط وهمة وسعادة، فتنتج وتنجز الكثير، ولما رآها الأسد تعمل بكفاءة متناهية دون إشراف قال لنفسه: “إذا كانت النملة تعمل بكل هذه الطاقة دون أن يشرف عليها أحد، فكيف سيكون إنتاجها لو عينت عليها مشرفاً؟ وعندما درس الفكرة في عقله مرارا، قرر على الفور توظيف الصرصور مشرفا على النملة، من أجل تحسين أدائها وزيادة انتاجها. وبما أن الصرصور أصبح مديرا، فقرر من تلقاء نفسه وضع نظام للحضور والانصراف، وتوظيف سكرتيرة لكتابة التقارير وعنكبوت لإدارة الأرشيف ومراقبة المكالمات التليفونية. هكذا تصرف المدير الجديد حسبما اعتقد أنه بذلك سيتقرب أكثر من الأسد، وسيعمل عبر هذا القرار من تحسين مستوى أداء النملة. وبطبيعة الأحوال في الغابة، ابتهج الأسد كثيرا بتقارير الصرصور وطلب منه تطوير أدائه بإدراج رسوم بيانية للتقارير وتحليل المعطيات لعرضها في اجتماع مجلس الإدارة، فما كان من الصرصور إلا أن طلب من ادارة المشتريات شراء جهاز كمبيوتر وطابعة ليزر، وعيَن الذبابة مسؤولة عن قسم نظم المعلومات. لم تكن النملة سعيدة بكل هذه الإجراءات الكثيرة والتي رأت فيها أنها معوقة للعمل أكثر منها محفزة، ووصل الحال بالنملة المجتهدة أن كرهت كثرة الجوانب الإدارية في النظام الجديد والاجتماعات التي كانت تضيع الوقت والمجهود. وانعكست هذه الحالة المزاجية لدى النملة على أدائها الذي تراجع معدله بصورة واضحة جعلت الأسد يشعر بانخفاض معدل الأداء. ثم يقرر على إثرها تغيير آلية العمل في القسم، فقام بتعيين الجرادة لخبرتها في التطوير الإداري، فكان أول قراراتها شراء أثاث جديد وسجاد من أجل راحة الموظفين، كما عينت مساعدا شخصيا لمساعدتها في وضع الاستراتيجيات التطويرية وإعداد الميزانية. وبعد أن راجع الأسد تكلفة التشغيل، وجد من الضروري تقليص النفقات تحقيقا لهذا الهدف، فقرر تعيين البومة مديرا ماليا، وبعد أن درست البومة الوضع لمدة ثلاثة شهور رفعت تقريرها الى الأسد، وجاء فيه أن القسم يعاني من العمالة الزائدة، فقرر الأسد فصل النملة لقصور أدائها وضعف إنتاجيتها!! حكاية النملة ليست غريبة عنا ولا عن مجتمعاتنا، فنحن نعيش تلك الرواية كل يوم في عملنا، ومن يقل غير هذا فهو غير صادق بالمرة، ونحن نتحدث بالمطلق، فلا يوجد عمل ليس به مديران أو مشرفان او موجهان، ومع إن المنتج واحد، نرانا نجد اختلافاً في المسميات، ولكن مع كثرتها تكون النتيجة مشابهة تماما للنملة التي فصلها رئيس العمل في نهاية المطاف لماذا؟.. لأنها غير منتجة أو ان معدل أدائها تغير للأسوأ وهو لم يسأل نفسه لماذا تراجع انتاج النملة مقارنة ببداية الحكاية؟ وكان حري به أن يعود أدراجه للبدايات، ويستفسر عن مدى انتاج كل من عينهم من مديرين ومشرفين؟.. فكلهم ساهموا في النتيجة السلبية وهي الفشل. كما إن المسؤول يسأل هنا عن فشله هو أيضا، لأنه فصل العامل المنتج وأبقى على الفاشلين الذين أصابوا هذا العامل - المنتج الوحيد - بالإحباط واليأٍس، فإذا كان انتاجه مرضيا وهو لحاله، فلماذا نزايد عليه ونكثر عليه الهموم والتعليمات واللوائح. ثم ماذا كانت النتيجة النهائية؟.. طبيعي أن ييأس العامل ويموت من الإحباط أيضا، لأنه يجد نفسه فقط الذي يعمل ويكد، في حين أن غيره يغط في نوم عميق ويكتفون فقط بكتابة التقارير التي تحتاج لمشرف ثم لآخر ليحفظها وثالث ليبحث عن سبب التأخير في كتابة التقارير وهلم جرا. وقد تعكس الحكاية رغم بساطتها، عمل الحكومة، أي حكومة، فالوزير لديه مديرو مكتبه وموجهوه وكبار القيادات في الوزارة، وربما يكون عدد هؤلاء أكثر من عدد العاملين بالوزارة، ويستقطع كل هؤلاء معظم ميزانيتها التي خصصتها لهم موازنة الدولة، ثم عندما يجيء الدور على العامل البسيط لا يجد حتى مرتبه، وهو نفس العامل الذي عندما يحين موعد خروجه للتقاعد لا يجد من يكتب له تقريرا ايجابيا لكي يتجدد عمله بالوزارة، بينما عندما يحين موعد تقاعد المسؤولين نراهم يعاد تعيينهم في مناصب أخرى ليحملوا الدولة ميزانيات اضافية، يكون العامل البسيط المنتج هو الأحق بها. لقد نسي الأسد توفير عناصر أخرى غير المدير والمشرف والموجه، ولو كان تذكر هذا لوفّر على نفسه الكثير، أي لو فكر في مكافأة النملة على اجتهادها، لكان قد وفر لها السعادة بقدر بسيط من الحافز المالي، فهذا سيجعلها سعيدة واكثر ارتباطا بالمكان. أو فكر في منحها قدرا من الراحة الاجبارية لتستريح من كثرة العمل، لكان تحقق للنملة عناصر جديدة تساعدها في رفع معنوياتها أو تهيئة مناخ عملي داخل مقر العمل، ليمنح النملة وزملاءها السعادة والراحة، وهو بالطبع ما سينعكس إيجابيا على إنتاجيتهم وإبداعهم وولائهم للمؤسسة، ويعطي مكان العمل بعدا إنسانيا بعيدا عن لغة الأرقام والخسائر والأرباح. لقد نسي الأسد أن يوفر للنملة بيئة صالحة للعمل، بيئة بلا تعليمات وأوامر وتكليفات تمثل عبئا ضخما لا يمكن للإنسان التعامل معها بسهولة، بما ساهم سلبا في الاصابة بالإحباط وعدم الشعور بالسعادة في العمل. ومع إن الأسد افرط في تعيين مديرين كثيرين للإشراف على النملة، واعادة تعيين من تم تقاعدهم كخبراء، فهو لم يكن واعيا أيضا بمكون رئيسي في إدارة العمل والانتاج، ويتمثل في الاستماع الى العامل، ليختصر المسافات بين الطرفين، لكي تتكون لديه صورة صادقة عن نفسيته ومعنوياته بدون تقارير نقلا عن عن عن.. فالعلاقة المباشرة بين الرئيس والعامل هي واحدة من أهم العوامل التي تؤثر في السعادة في العمل، وهذه العلاقة ليست مرتبطة فقط بما يفعله المدير، بل أيضا بالأسلوب والمزاج الذي يتم فيه التواصل بين المدير والعامل. فلو تواصل الأسد مع النملة منذ البداية، لما وصل الى هذه النتيجة المخيبة للآمال، ولكان استفاد بنشاطها وحيويتها وأمواله أيضا التي ذهبت سدى بسبب تعيينه من لا يستحق. ولو تواصل أيضا مع النملة منذ البداية لكان وفر على نفسه عبء التواصل معها عبر التقارير، الأمر الذي ترك في النهاية أثرا سلبيا على انتاج النملة أنشط العاملين في المؤسسة والتي تم فصلها للأسف، ليس لذنب جنته، وإنما لفشل البطانة والمديرين وسوء أسلوب إدارة المكان. لقد فوت الأسد على نفسه فرصة مضاعفة الانتاج لو كان وفر للنملة برامج لدعم حياة الموظفين الشخصية والأسرية والترفيهية، ووضع لها الأفكار المميزة لتقليل الشعور بالروتين في بيئة العمل مثل تحديد وقت لتجريب أفكار جديدة، أو العمل مع إدارات مختلفة، أو إعطاء الموظفين الفرصة للنمو في الاتجاه الصواب، بما يؤدي في النهاية الى عدم الشعور بالملل حتى لا يفكر العامل في الغياب او يقترب منه الشعور بكره مكان العمل. كان بإمكان الأسد ان يوفر الموسيقى وتحديد أماكن لتناول مشروبات سريعة مع بقية العمال ليزيل الضغط العصبي. فالأهم ألا يثقل على العامل وتحميله أعباء إضافية، حتى لا يقع تحت تأثير أي ضغط نفسي أو عصبي. كان الله في عون النملة التي تم تسريحها من العمل بزعم أنها كسولة أو غير منتجة، في حين لو كنا تركناها في حالها لاستفدنا من نشاطها وانتاجها بدون رقيب أو حسيب أو مشرف، فلا الانتاجية زادت ولا همة النملة ارتفعت. سرحوا النملة والله اعلم ما إذا كانت قد حصلت على مكافأة نهاية الخدمة أم لا!! مشكلة النملة المسكينة نجدها في كل مكان وأوان، فالروتين القاتل أصابها في مقتل وأفقدها رشدها، في حين استفادت البطانة الفاسدة بالمميزات والهبات العينية والمالية والهدايا، رغم أن تلك البطانة خدعت الأسد وأوهمته بأنها تعمل في حين أن دورها كان مخيبا للآمال.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها