النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11695 الخميس  15 ابريل 2021 الموافق 3 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:53AM
  • الظهر
    11:38AM
  • العصر
    3:09PM
  • المغرب
    6:01PM
  • العشاء
    7:31PM

كتاب الايام

لأن جدهم الأكبر كان يفكر كثيراً

رابط مختصر
العدد 9104 الجمعة 14 مارس 2014 الموافق 13 جمادى الأولى1435

لأني أعشق التجوال في الأحياء والشوارع القديمة فقد قادتني خطاي ذات يوم إلى الشوارع الضيقة الواقعة خلف فندقي “أوال” و”الجزيرة” في سوق المنامة القديم. هناك فوجئت بمحل صغير بائس صُـفت في واجهته عدد من زجاجات العسل، ورُفعت فوق واجهته لوحة تقول “مؤسسة فكري للتجارة”! قلت لنفسي أيعقل أن يكون هذا المحل الصغير وهذه التجارة المتواضعة من أملاك آل فكري الذين لطالما حدثني والدي المرحوم الحاج أحمد عبدالرحمن المدني عن ثرائهم ونفوذهم، وتنوع تجارتهم، وانتشارهم في أصقاع الدنيا؟ وكي أقطع الشك باليقين دخلت المحل المذكور لأجد أمامي شابا يتحدث العربية بلكنة يمانية. وحينما سألته عما يشغل بالي أجابني بأن المحل كان بالفعل من أملاك التاجر المعروف الحاج عبدالرحمن فكري، ثم أردف قائلا: “حــِنـّا استحوذنا عليه وبدلنا في تجارته”. ولما سألته عمن يقصد بكلمة “حـِنــّا”، كان رده “فرع العائلة في عدن”. هنا تذكرت ما قاله لي والدي، الذي كانت تربطه بـ “آل فكري” علاقات صداقة قديمة وكان يتردد عليهم في منازلهم في كراتشي وبمبي ودبي وأبوظبي، أن أفرادا منهم هاجروا إلى عدن وشرق أفريقيا وتزوجوا من نساء تلك البلاد واستقروا بها. فما هي حكاية هذه العائلة التي لم يعد لها ذكر في البحرين، من بعد أن كانت فيها صاحبة جاه وثروة في وقت من الأوقات؟ الحقيقة أن قصتها لا تختلف كثيرا عن قصة عائلة عرشي التي تناولناها في مقال سابق، بل أن بين العائلتين علاقة نسب ومصاهرة ــ لآل فكري مصاهرة أيضا مع آل محمود الذين لا ينكرون إنحدارهم من بر فارس طبقا لبشار الحادي في كتابه “علماء وأدباء البحرين في القرن 14 الهجري” ــ ناهيك عن أن عائلتي فكري وعرشي تنحدران من بلدة “بستك” في بر فارس العربي (إقليم هورموزكان بحسب التسمية الإيرانية)، لكنهما اتخذا من ميناء لنجة على بعد 170 كيلومترا مقرا لسكناهم وتجارتهم. وبتفصيل أدق عــُرف عن آل فكري أنهم كانوا من أصحاب المراكب والقوافل التجارية، حيث كانوا يستخدمون المراكب في التجارة ما بين موانئ الخليج العربي والمحيط الهندي، حاملين التمور واللحوم والمكسرات والملح إلى كراتشي وبمبي وزنجبار وممباسا، وناقلين منها البهارات والأعشاب والعطورات والشاي والأرز والمنسوجات والأخشاب والفحم. أما القوافل البرية فكانوا يستخدمونها في نقل البضائع من ميناء لنجة إلى مدن وبلدات البر الفارسي. ولأن المسافة بين النقطتين كانت بعيدة نسبيا فإن القوافل كانت تتخذ من بلدة “كوخرد” الواقعة على الطريق مكانا للاستراحة. ولهذا السبب بني آل فكري مسجدا باسمهم في تلك البلدة لا تزال قائمة حتى اليوم. ومما لا جدال فيه أن العائلة حققت من وراء نشاطها التجاري ثروة ضخمة ومكانة رفيعة، خصوصا وأنها كانت تعتمد في أعمالها على فروع منها كانت مقيمة إقامة دائمة في الهند وباكستان والبحرين وقطر والكويت ودبي والشارقة والبريمي وعدن وزنجبار ومدغشقر، بل وحاصلة على جنسيات تلك الدول. وعليه فلا غرابة لو عرفنا أن فروع العائلة قد تمددت اليوم حتى وصلت إلى كندا والولايات المتحدة وبريطانيا، وإنْ لم تعد تملك ثراء ونفوذ الزمن الغابر. ولعل من الأمور المستغربة أن العائلة تحمل اسم “فكري” على الرغم من أن هذا الاسم ليس من اسماء العلم الشائعة في منطقة الخليج بضفتيها الشرقية والغربية، أي على العكس مما عليه الحال في مصر وبلدان الشام. فمن أين جاءت التسمية؟ طبقا لمصادر العائلة فإن جدهم الأكبر كان كثير التفكير، بمعنى أن أدق التفاصيل وأبسط الأمور كانت تؤرقه فيجلس يفكر فيها، لذا أطلقوا عليه اسم فكري! وطبقا لنفس المصادر فإن أول عهد آل فكري بالهجرة إلى خارج موطنهم في بر فارس كان في عام 1899 وكان سببه قرارات الشاه ناصر الدين أحد ملوك السلالة القاجارية الحاكمة ــ حكم ما بين عامي 1848 و1898 ــ برفع الضرائب على التجار مما تسبب في تقليص أرباحهم، إضافة إلى إجبار أهل السنة والجماعة على التشيع. بعد ذلك حدثت الموجة الثانية من هجرة العائلة وكانت في عام 1909 وسببها الاضطرابات السياسية وحالة عدم الاستقرار في البلاد الفارسية والتي كان من شواهدها تعرض “بستك” لاعتداءات متكررة من قبل عصابات تركمانية من بلدة “مستان”. أما الموجة الثالثة من الهجرة فقد حدثت في عام 1918 هربا من انتشار نوع من أنواع الانفلونزا القاتلة. وبعدها جاءت موجة الهجرة الأخيرة في عام 1936 وكان سببها قرارات رضا شاه بهلوي المعروف برضا شاه الكبير بنزع الحجاب وإجبار الرجال على ارتداء الملابس الإفرنجية، وهو ما رأت فيه العائلات السنية في بر فارس اعتداء على القيم والعادات الإسلامية. وهكذا نرى أن قيام عائلة فكري وغيرها من العائلات البستكية بإعادة تموضعها تم على مراحل زمنية، وأنها حرصت في هذه العملية أن يكون مكان إقامتها الجديد ضمن حدود الموانيء التجارية المعروفة في الخليج العربي والجزيرة العربية وشبه القارة الهندية وشرق أفريقيا. واليوم لا أحد من العائلة يقيم في إيران، لكن آثارهم باقية وشاهدة على تاريخهم وثرائهم ، ولاسيما في ميناء لنجة حيث يوجد بيتهم ــ أو بالأحرى قصرهم ــ الذي تم تحويله إلى متحف، وهو مبني على الطراز المعماري التقليدي المكون من ساحة واسعة تحيط بها الغرف مع “بادغير” في كل زاوية من الزوايا الأربعة للساحة، ورواشن داخل الغرف ومرازيم نافرة من الأسطح لتصريف مياه الأمطار. أما الأبواب والنوافذ فمصنوعة من خشب الساج الهندي ومزخرفة بالقطع والأعمدة النحاسية على شاكلة ما كان دارجا في دول الخليج العربي قبل شيوع منازل المكعبات الإسمنتية والأبواب والنوافذ المصنوعة من الألمنيوم. لقد استوطن العدد الأكبر من أفراد العائلة بعد مغادرتهم بلاد فارس كلا من البحرين ودبي وعدن. ففي البحرين كان يقيم فرع الحاج عبدالرحمن فكري الذي وصلها في الثلاثينات من القرن العشرين وإمتهن فيها تجارة المواد الغذائية (الأرزاق) المستوردة تحديدا من الهند وباكستان، ثم التحق بالأخير ابن عمه الحاج محمد محمد رشيد فكري وعمل في استيراد الكماليات من الصين واليابان وبيعها بالجملة. لكن هذا الفرع ظل ينكمش حتى لم يعد هناك منهم ممن يحملون الجنسية البحرينية اليوم سوى أبناء وبنات محمد محمد رشيد فكري وهم: إبراهيم، محمود، إسماعيل، زاهد ، بلقيس ، جارية، وليلى، إضافة إلى إسحاق الذي يقيم بصفة دائمة في إسكوتلندا. ولعل أبرز هؤلاء هما محمود وإسماعيل. فالأول عمل لسنوات في القطاع المصرفي، وتحديدا في مصرفي “سيتي بانك” و”بانك أوف أمريكا”، إضافة إلى سنوات قضاها كموظف في الخطوط الجوية السنغافورية. والثاني تخصص في هندسة الإتصالات فإستعانت به كبريات الشركات العاملة في هذا المجال في المنطقة مثل شركتي بتلكو وزين. ومن أحفاد محمد محمد رشيد فكري من ولده محمود كل من ياسمين، نسيم، وشيرين. وفي دبي، حيث يتركز أفراد العائلة، كان أول من سكنها هو فرع الحاج عبدالواحد فكري الذي أكرم حاكم دبي الأسبق المغفور له الشيخ راشد بن مكتوم آل مكتوم، الذي حكم الإمارة ما بين عامي 1886 و1894، وفادته في أوائل التسعينات من القرن التاسع عشر، ومنحه الحماية فضلا عن قطعة أرض واسعة في المنطقة التي باتت تــُعرف اليوم بـ “منطقة البستكية” التراثية. والحقيقة أن المرحوم الشيخ راشد بعمله هذا قد سار على درب سلفه الشيخ حشر بن مكتوم آل مكتوم الذي شجع أهل بستك على الهجرة من فارس والاستيطان في دبي لتعميرها ببناء المساكن على الطراز المعماري التقليدي، وتنميتها بأموالهم وتجارتهم وعلمهم. ومن دلائل مساهمة البستكية في تعمير دبي أن أول وأقدم خمسة بيوت فيها كان نتاج جهد المهاجرين من بنائي بستك. وأول هذه البيوت كان بيت المرحوم الشيخ سعيد بن مكتوم بن حشر آل مكتوم. ومن ضمن فرع الحاج عبدالواحد فكري برز الحاج محمد صالح فكري، ثم الثري الحاج محمد عقيل فكري الذي بلغت ثروته في عام 1910 نحو 50 ألف لك من الروبيات ــ كل لك يعادل مائة ألف روبية ــ جمعها من الاتجار في الأرز والبن والسكر، وكان مثل هذا المبلغ وقتذاك يعادل الملايين بأرقام هذه الأيام. ومن الذين استقروا في دبي أيضا الحاج محمد شريف فكري الذي عينته مجموعة “روبرت وونكهاوز وشركائه” الألمانية التي كانت تصدر اللؤلؤ من لنجه إلى همبورغ وكيلا لها في لنجة في عام 1915. واليوم يعيش أبناء وأحفاد هؤلاء في دبي وأبوظبي وعجمان والشارقة ورأس الخيمة والعين ويديرون مؤسسات تجارية كبيرة ومتوسطة تتعامل في مواد البناء والأغذية والالكترونيات وتقنية الإتصالات وألعاب الأطفال والعطورات والأزياء. وكان هناك فرع للعائلة في عدن، تميز أبناؤه بالعلم وإجادة اللغات والمهارات الإدارية فقربتهم السلطات البريطانية، وهم بدورهم استفادوا من تلك العلاقة في تنمية ثرواتهم. ومن هذا الفرع العدني برز إبراهيم محمد عقيل فكري الذي كان المزود الحصري للإنجليز بالبن لأنه ركز على الاتجار في هذه السلعة دون سواها. غير أن الرجل خاف أن ينتصر الألمان على الإنجليز في الحرب العالمية الثانية ويحتلوا عدن، فسارع إلى الهجرة منها نحو كراتشي بصحبة زوجته شهربان وبناته الست غولنار، رقية، فاطمة، حفصة، أوماهاني، وشفيقة. ومن هؤلاء البنات برزت شفيقة المولودة في عدن في عام 1933 والتي تخرجت من كلية سانت جوزيف التبشيرية في كراتشي كمعلمة للجغرافيا في عام 1962، واشتهرت بالضبط والربط أثناء عملها في سلك التعليم كمدرسة أولا ثم كمديرة لاحقا، وتوفيت فجأة في نوفمبر من عام 2009 على إثر هبوط في القلب. وفي قطر يتواجد اليوم فرع حسين فكري وأولاده وهم من أشهر تجار قطر في مجال استيراد وتسويق أدوات البناء والسراميك والمطابخ والأدوات الصحية والأبواب والأصباغ من أوروبا وآسيا وأستراليا. وبالمثل يتعامل محمود حسن محمد رفيع فكري في أدوات البناء في إمارة الشارقة. ومن الجيل الجديد من آل فكري في دولة الإمارات العربية المتحدة، التي تحتضن أكبر تجمع لآل فكري وبنسبة تصل إلى أكثر من ثلث إجمالي عددهم في العالم، برز الدكتور محمود محمد فكري الوكيل المساعد في وزارة الصحة لشؤون السياسات الصحية الذي تم تكريمه من قبل المجلس الدولي للوقاية من أمراض عوز اليود بمنحه جائزة التميز والإجادة للعام 2011 تقديرا لجهوده الشخصية والرسمية وإسهاماته المتعددة محليا ودوليا في المساعدة على التخلص من إضطرابات عوز اليود ونقص المغذيات الدقيقة ومكافحة سوء التغذية، كما برز قريبه الدكتور معين فكري الطبيب الاستشاري المتخصص في الجروح والإصابات الجسمانية وهو يعمل مديرا طبيا لمركز الحوادث والطوارئ بمستشفى راشد، وله الكثير من الابحاث الطبية والمشاركات الدولية. وهناك المخرج محمد فكري الذي برز في إنتاج وإخراج الأفلام المتحركة المعتمدة على قصص سينمائية غربية وهندية، خصوصا وأنه يجيد ــ إضافة إلى العربية والإنجليزية ــ الهندية ولغة المالايام التي يتحدث بها سكان ولاية “كيرالا” الهندية، ناهيك عن أنه عاشق منذ صغره لهذه النوعية من الأفلام، ومتخرج من المعهد السينمائي لهندسة وتقنيات الصوت في دبي. وهناك أيضا كل من المصممة المعمارية الموهوبة سحر فكري التي تحمل شهادات عليا من جامعتي تورنتو الكندية وجنوب كاليفورنيا الامريكية، وتعمل حاليا كمديرة تصميم عليا في شركة “تطوير” العالمية المكلفة بتنفيذ مشروع مدينة “دبي لاند”، والمصور الفوتوغرافي الموهوب وصاحب الإبداعات في مجال تصميم وبرمجة المواقع الالكترونية عقيل فكري، والمهندس علي فكري خريج معهد نورث ألبرتا للتكنولوجيا وهو يعمل حاليا كمراقب جودة في شركة نفط دبي، وله خبرة طويلة في أعمال اللحام والغوص، إضافة إلى خبرة عسكرية في الدفاع الجوي. وفي النهاية يبقى السؤال: ما السبب في انحسار وهج العائلة وزوال تجارتها في البحرين؟ هل السبب هم الرعيل الأول من آل فكري الذين لم يغرسوا في أبنائهم حب التجارة والمغامرة والمبادرة؟ أم أن السبب يكمن في جيل الأبناء والأحفاد الذين درسوا العلوم الحديثة فوجدوا أن طموحاتهم ستتحق بطريقة أسرع من خلال العمل كموظفين في القطاع الخاص؟

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها