النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11200 الأحد 8 ديسمبر 2019 الموافق 11 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:48AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

أبعـــــاد

ذاكرة الفرجان

رابط مختصر
العدد 9104 الجمعة 14 مارس 2014 الموافق 13 جمادى الأولى1435

تبخرت الفرجان وما عاد لها وجود، أصبحت مدناً اسمنتية مغلقة فيها البيوت على اصحابها وغابت رائحة الفريج كما عرفها جيلنا فللزمن دوراته وأحكامه. لم يعد الفريج فريجاً وانما اصبح شوارع تخترق صمتها اصوات عجلات السيارات، وغادرها الناس إلى “المولات الكوفي شوبات ومطاعم الخمس نجوم”، وظلت في وجداننا صورا ووجوها وحكايات وسرديات، كلما شاخ بنا العمر تذكرناها واستعدناها وأعدنا انتاج الماضي لنستطيع مقاومة تصحر الحاضر بكل قسوته وأنانيته. في جيلنا الأول الستيني لعبت الوجوه في تلك الفرجان دوراً في تكوين ذاكرتنا الأولى وأعني بها الذاكرة الثقافية الأولى والوعي الأول هو ما لا تستطيع المدن الاسمنتية أن تلعبها في هذا الزمان.. فقد تعلمنا من وجوه “فرجان الأول” ما لم نتعلمه في البيت أو المدرسة من حيث ما نستطيع تسميته بالثقافة العامة. فبالنسبة لنا نحن أبناء الفرجان التي تقع على سواحل البحر تلقينا ثقافة البحر والبحار والغواص والنهام من وجوه الكبار في فرجاننا القديمة، حين نجلس معهم قبل أذان المغرب ونستمع إلى سردياتهم الأولى وهي السرديات والمرويات التي دفعتنا بعد ذلك للبحث علمياً وابداعياً وأدبياً في الغوص والنهام. وهو مجرد مثال واحد لما خلقته وبثته فينا الوجوه القديمة في الفرجان الأولى التي تلقت خطواتنا الصغيرة، ومن تلك الوجوه عرفنا وتعلمنا اشياء ما كان لنا أن نتعلمها لو لم نعايش تلك الوجوه باختلاف مشارب ذاكرتها.. فالمطرب الشعبي الكبير محمد زويد رحمة الله عليه كان وجهاً من وجوه فريجنا القديم.. وطالما جلسنا إليه وكان “بن دينه” للاخوين راشد ومحمد، ولطالما تأملنا في كلماته المقتضبة وهو يروي أو يحكي أو حتى يعلق فيما بداخل الشباب الاكبر سناً منا معه مداخلات تنعش في ذاكرة الحديث ونحن نستمع وننصت ونحاول القبض على تاريخ الفن في البحرين. دكاكين تلك الفرجان ولفرط بساطتها كانت أشبه بالأندية الشعبية المفتوحة للجميع وهي الدكاكين التي اختفت الآن وحلت محلها “السوبر ماركات”، التي لا يكاد الواحد منا يسلم فيها على الآخر.. تلك الدكاكين/ الأندية كانت تضم مختلف تلاوين الفريج من كبار وشباب من فنانين ورياضيين وتشكيليين وسياسيين وشعراء، وربما كان فريجنا فقط الذي ضمت دكاكينه الشعبية ذلك الجراح العالمي الاشهر الدكتور آدم رحمة الله عليه، فقد كان هو الآخر وبرغم شهرته العالمية كجراح اشتغل في مستشفيات امريكا من رواد دكان الاخوين بن دينه. الجراح العالمي آدم وكما روى لي جراح المخ المرحوم خليفة أحمد بوراشد كان أحد مئة طبيب في الولايات المتحدة الذين وضعوا على أهبة الاستعداد في لحظات ما بعد اغتيال الرئيس الامريكي جون كنيدي.. وجلسنا معه في مطلع تكويننا في ذلك الدكان وبلاشك تعلمنا منه شيئاً مبكراً عن الدنيا وأحوالها وتقلباتها. تلك الأيام لا تتكرر تعلمنا فيها دروساً على يد الفريج ان صحت التسمية ومررنا فيه بتجارب حلوة ومرة، لكنها شكلتنا ثقافياً وربطتنا بالمزاج الشعبي البسيط على نحوٍ غريب وحميم إلى درجة التلاحم والاندماج بالاوساط الشعبية، ومنها عرفت وحفظت كثيراً من الامثال الشعبية في دلالاتها بالغة الدقة والتوصيف، وربما منها استفدت من كل التلاوين الشعبية الابداعية في برامجي الاذاعية والتلفزيونية في مراحل لاحقة. في فرجاننا القديمة تعلمنا كيف نتشارك في الهموم والاحزان ونتشارك في الافراح والآمال وهو شيء نادر الآن، فالجار لا يدري عن جاره شيئاً على عكس ذلك الزمن الذي كان الجار فيه احد افراد اسرة جاره. تلك فرجان طواها الزمن لكن لم يطوها النسيان، فلها في القلب والوجدان مكانة كبيرة وحبيبة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا