النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

مطارحات

ثنائية السياسي - العسكري في التنظيمات المعارضة

رابط مختصر
العدد 9100 الاثنين 10 مارس 2014 الموافق 9 جمادى الأولى 1435

لا يمكن أن نعثر على أي مبدأ من مبادئ الكليات العقلانية في وضع قنابل بدائية في حاويات القمامة لقتل عمال النظافة أو عابري السبيل في سياق أي «نضال» سياسي من أجل الحرية والديمقراطية!! ولن نجد أي منطق او حس انساني او وطني او حضاري في تعمد قتل 3 من رجال الامن غير المدججين بالسلاح، ولا أي منطق لحرق البلد والتعدي المنهجي على الحرية والحياة والحقوق، بعنوان الحرية والسلمية، فليس للفكر أو للمنطق ما يقوله في فهم هذا الشأن الغريب. ولعل هذا اللا منطق وانعدام الحس الإنساني هو ما دفع الجميع تقريبا الى ادانة العمل الإرهابي الذي اودى بحياة عدد من رجال الامن اثناء أداء واجبهم في حفظ الأمن، وأن يدين الجميع وصراحة وبلا مواربة هذا العمل الإرهابي وهو أمر إيجابي بالرغم من كارثية هذا الفعل الإجرامي والمرارة الشديدة التي خلفها في النفوس والقلوب، ولكن الأمر هنا يتجاوز مسألة الإدانة والتبرؤ من هذا الفعل المشين، فإذا كانت كلمة «لا عنف» صريحة النفي للعنف من حيث صيغتها، فإنها لا تعني بالضرورة أن اللاعنف هو نفي العنف، بما يدخل منظري اللاعنف في مفارقة قاتلة، حيث نراهم -وهم يرفعون شعار اللا عنف- في موقع من يدافع عنه أو يبرره بل قد يتعاطف معه، ويصير في مواكبه، وهكذا فإن الكلام عن اللا عنف في هذا السياق يصبح مجرد كلام بلا فعال وبلا التزام، يُلقى على عواهنه ويمضي قائله الى حيث يزدهي ويتباهى بالسلمية المفصلة على مقاسات التسويق الإعلامي.. ولذلك اعتبرنا أن إعلان المعارضة عن وثيقة اللا عنف قبل فترة، بالرغم من كونه أمرا مقدرا، فلا يمتلك العاقل إلا أن يثمن أي كلمة أو جهد أو رأي أو نداء في مواجهة العنف. لكن يبدو الإعلان عن هذه الوثيقة وكأنه في واد والممارسة العملية على الأرض في واد آخر، بما يقربها إلى مجرد شهادة إبراء ذمة، أكثر منها إلى موقف مكرس في أفعال حقيقية وجهد وطني صادق لإيقاف دورة العنف والإرهاب المتصاعد. لأن من يريد إيقاف هذه الدائرة الجهنمية المهلكة للمجتمع والدولة معاً عليه أن يجسد ذلك من خلال جهد عملي في التحكم في دائرته، خصوصاً إذا كان يمتلك هذه القدرة على التأثير. كما إن التبرؤ من العنف لا يمكن أن يقتصر على مجرد الإدانة اللفظية للأعمال العنيفة مهما كان مصدرها، بل يقتضي بالدرجة الأولى التوقف عملياً على ممارسة العنف السياسي والإعلامي والإرهاب الفكري، لأن الحروب والمواجهات والعنف والقتل والإرهاب تبنى جميعها في العقول والنفوس عبر التحريض والفتاوى اليومية المستجدة او المنقولة والمستجلبة من تراث الكراهية. إن معاداة العنف لا تحتاج إلى وثيقة بل إلى صدق في القول وإخلاص في الممارسة العملية على الأرض، وبين أوساط الشباب، ونشر ثقافة التسامح والأخوة الإنسانية، كما تحتاج إلى نبذ كل ما يعزز الكراهية والحقد وما يبرر التعدي على الإنسان في أي مكان وتحت أي ذريعة، مع إدراك كامل أن العنف ليس مجرد إلقاء مولوتوف أو سيخ أو قنبلة أو حجارة أو التعدي على نطاق الدولة أو نطاق حرية الآخرين، إنه أيضاً تلك الكلمات النابية والخطب التحريضية والشعارات المقززة والمثيرة للنعرات بكافة أشكالها. اللا عنف ليس قصة نرويها في بيان أو وثيقة براءة للخروج من ورطة أخلاقية وسياسية، ثم ننخرط بعد ذلك في نشر خطابات الكراهية وسياسة التحريض والتبرير، بما يوحي بأن وثيقة اللا عنف مرفوعة إلى من يهمه الأمر في الخارج وليس إلى الداخل. إن أسوأ شيء في الخطاب السياسي هو أن يكون لمجرد الاستهلاك، وليس للمساهمة في حل مشكلات خطيرة تحتاج إلى تضافر الجهود، كما إن تحويل معاداة العنف إلى مجرد عمل دعائي لا يمكن أن يتقدم بنا نحو الحل، الحل يعني تغيير اللغة والمنطق والرؤية والفلسفة والنوايا والعودة إلى سماحة هذا الشعب وتاريخه في التعايش والتواصل والتعاون. إن اللا عنف في مدلوله الحقيقي يعني اتخاذ موقف تصدٍّ حقيقي للعنف؛ أي أن هدفه القضاء على أسبابه ونتائجه أي هو نفي للعنف في المحصلة، ليس اللا عنف رفضا للعنف بقدر ما هو الكفاح ضد العنف لغة ومنطقا وخطابا وتمثيلا وكنايات وأفعال، فهو بالتأكيد امتناع عن الفعل غير السياسي، لكنه امتناع عن الغضب والانفعال الغريزي. اللا عنف، إذن، قبل أن يكون منهج عمل، هو أولاً وأساسًا موقف أخلاقي وسياسي وروحي وفلسفي، يعتبر العنف نفيا لإنسانية الإنسان ونفيا للحياة وللعيش المشترك. ليست الحرية والديمقراطية -رغم كل الظواهر والادعاءات- هما ما يدفعان هذا الحراك «السلمي العنيف» إلى الأمام على الأرجح، وانما النزعات الطائفية التي تريد استبدال معادلات الواقع القائم على أسس المحاصصة الطائفية هو المطلوب. وليس المطلوب في النهاية هو الإصلاح أو حتى تطوير النظام السياسي القائم، المطلوب تصفيته، أو على الأقل الوصول إلى لحظة «اقتسام المغانم»..!!. تلك الخلاصة الفكرية والسياسية لانعدام القيم والأخلاق في السياسة ولذلك نجد صعوبة كبيرة في تصديق ما يقال طالما ان القول ينفيه الفعل، حيث يعلن الحراك السياسي الاحتجاجي ليلا نهارا انه سلمي مسالم حضاري، يسعى إلى تحقيق أهدافه السياسية بانتهاج طريق اللا عنف وقد عزز ذلك بإصدار وثيقة اللا عنف، وانتهى الموضوع. ولعل الاستشهاد بسلمية الحراك تلعب عمليا على محورين: - المستوى الأول هو مستوى الإحالة الضمنية في الخطاب السياسي والإعلامي على الحراك العنيف في بلدان أخرى. كنموذج آخر يساعد على إقامة المقارنة الفجة، بحيث يبدو العنف الممارس محليا «لا شيء» مقارنة بالتمرد المسلح في تلك البلدان «العراق، سوريا، ليبيا، السودان....». - المستوى الثاني: هو مستوى قلب الصورة، أي الخلط بين العنف القانوني الذي تمثله أجهزة الأمن لحفظ النظام وفقا لمقتضيات القانون، وبين الفوضى والاضطرابات العنيفة والاعتداءات التي يمارسها الخارجون عن القانون بمستويات متفاوتة من التعدي، تصل إلى إزهاق الأرواح دون أي اعتبار لأي قيمة روحية او أخلاقية او قانونية بحيث يتم هنا الحديث عن «عنف النظام» وأجهزة الأمن في محاولة لخلط الأوراق والتبرؤ من إدانة العنف حتى ولو بالعبارة العائمة: «مهما كان مأتاه». وبغض النظر ما إذا كان هذا العنف الممارس على الأرض تديره جماعات فاشية متطرفة، تم ذكرها بالاسم مؤخرا، وخارجة عن نطاق سيطرتها، أو تمارسه جماعات شبه عسكرية تخدم تحت الأرض في لعبة الضغط والابتزاز للسلطة، تخدم المعارضة السياسية، بغض النظر عن ذلك، فإن هذه الثنائية بين السياسي والعسكري او شبه العسكري، قد أصبحت ثابتة من ثوابت تنظيميات جماعات الإسلام السياسي، لا يمكن ان استبعادها في التحليل النهائي. ففي الخلاصة النهائية فإنه من الواضح ان هذا العنف يتواصل معززا بالتبرير والتأويل والتهليل والإعلان عن «التعويل على سواعد الثوار». أو رفع راياتهم، لكن المنهج السلمي هو اصلاحي بالضرورة، بما يعني التفاهم والحوار والتوافق باعتباره الطريق الوحيد للحفاظ على إنسانية الإنسان وكرامته لكن لا يبدو هذا المعنى حاضرا في أذهان بعض الزعماء «السلميين»، وانما معنى الانفعالية واللا عقلانية، لأن اللا عنف يستلزم نزع سلاح الانفعالات والمشاعر المنفلتة، كما يستدعي رفض العنف مبنى ومعنى ورفضه تبريرا وتهليلا، ورفضه اعتبارا للقتل والسحق، اللا عنف الحقيقي يبدأ من سلوك منهج السياسة، والسياسة هي طريق السلام والترفق والتدرج في تحقيق الأهداف، حتى يستطيع الفكاك من كلِّ رغبة في الانتقام. السلمية الحقيقية انتصار فعل العقل والقلب المنفتحين، انتصارا حقيقيا على ردِّ الفعل الغريزي كالصراخ الهستيري، وانتصارا على ثقافة استحضار العداوات الوهمية من أعمق أعماق التاريخ ومماثلتها على قياس الوقائع الجديدة. وانتصارا على الإقصاء والاجتثاث.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها