النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11206 السبت 14 ديسمبر 2019 الموافق 15 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:25AM
  • الظهر
    11:32PM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

نفـــــي الآخـــــــــر

رابط مختصر
العدد 9099 الاحد 9 مارس 2014 الموافق 8 جمادى الأولى 1435

في اللغة نفَى: «فعل»، وكما تعرفها المعاجم، ومن بينها «معجم المعاني الجامع»: نفَى يَنفِي، انْفِ، نَفْيًا ونَفْوًا ونَفَيانًا، فهو نافٍ، والمفعول مَنفيّ. نفَى الحادثَ: كذّبه، أخبر أنّه لم يقع، نفَى فلانًا / نفاه من بلده / نفاه عن بلده: نحّاه وأبعده، حكم عليه بالطّرد خارج بلاده والإقامة الجبريَّة في بلدٍ آخر «أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ». في الكلمةَ / نفَى الجُملةَ: «النحو والصرف» أدخل عليها إحدى أدوات النَّفي مثل: لن، لم، ما، لا نَفَى الشَّعْرُ: تَسَاقَطَ نَفَت السَّحابةُ ماءهَا: أسالته وصبّته نَفَت الرِّيحُ التُّرابَ نَفْيًا، ونَفَيانًا: أطارَتْهُ. ومن هنا يأتي مدلول نفي الآخر سياسيا أو ثقافيا أو نوعيا، كي يدل على رفضه كلية، ومن ثم الامتناع عن التعايش معه، جراء الاختلاف معه في الفكر أو الثقافة أو العرق. وقد ورد في الكتابات العربية المعاصرة بعض الاجتهادات التي حاولت التصدي لهذه الظاهرة التي باتت متفشية في صفوف المجتمع العربي وعلى وجه الخصوص الفئات المثقفة والعاملة في الحقل السياسي منه. كما ازدادت حضورا في فترات «الربيع العربي» التي عرفتها البلدان العربية مؤخرا. هناك على سبيل المثال اجتهادات الكاتب والمؤرخ المصري في كتابه الأخير «نفي الآخر»، الذي يلخص عطا درغام، على صفحة «الفيس بوك» الخاصة به، أهم ما جاء في فصوله التي توثق بشكل رائع «لكل مشاهد الإبادة في التاريخ القديم والحديث بدءا من الحرب التي شنها بنو إسرائيل على كنعان، ومرورا بفناء شعب عماليق على أيدي شاؤول ملك.... وصولا بإبادة الهنود الحمر من أمريكا بعد وصول الرجل الأبيض إلى القارة، ثم ما حدث في اليابان تليه البوسنة مع الصرب ونازية هتلر الألماني وإبادة الدولة العثمانية لآلاف الأرمن، إلى آخر الأمثلة التي يحفل بها تاريخ البشرية وصولا لفلسطين وتاريخها الدامي مع إسرائيل وحتى العراق والسودان وما بهما. ويعتبر درغام الكتاب «ليس سردا تاريخيا للجريمة بقدر ما هو جرس إنذار بالخطر الداني إذا استمرت عمليات (نفي الآخر)». أما الكاتبة رفيدة يونس احمد، فتستعين بما جاء في محاضرة الأديب حسن إبراهيم احمد، تحت عنوان «المعارك الثقافية من فضاء التسامح إلى نفي الآخر» التي ألقاها في صالة الجولان بمقر فرع اتحاد الكتاب في اللاذقية، كي تنقل عنه قوله «لطالما كنا نأمل أن تكون السياقات الحديثة للثقافة قادرة على تحرير الآراء المخالفة في المعارك الثقافية من الضغوط عليها خدمة للثقافة والمثقفين والأوطان والمواطنين. لكننا فيما يبدو قلما نحصد سوى الريح. في الثقافة المؤدلجة لا يكتفي المثقف بإعلان رأيه، بل يجب أن يشوه رأي غيره ويسكته». ويعالج الكاتب في مجلة «الشروق» المصرية هشام جعفر، مسألة «نفي الاخر» في مصر من خلال الاستقطابات الحادة على أسس دينية، التي حولت «الانتماء الديني نفيا للآخر في الوطن الواحد». وأنتجت بفضل ذلك مجموعة من الظواهر الثقافية الخطيرة»: يلخصها جعفر في السلوكيات التالية: «الحساسية للاختلاف الديني والثقافي بمعنى عدم الاعتراف بالاختلاف أو القبول به، ناهيك عن احترامه، والتمركز حول الذات الثقافية -الدينية بمعنى الحكم على الآخرين وفق معايير الثقافية التي تحولت إلى معايير ضيقة، والتفرقة في المعاملة، ثم التحامل، بتشكيل لرأى أو موقف شعوري دون سبب أو تفكير مسبق أو معرفة كافية، وأخيرا في النمطية والتعميم الثقافي- الديني أي النظر إلى المسلمين والمسيحيين باعتبارهم كتلا مصمتة لا تحوى داخلها أي اختلاف أو تنوع». أما الكاتب والمحلل السياسي السوري ميشيل كيلو، فيرى في مقالته «احتكار الحقيقة ونفي الآخر محنة المجتمع العربي»، التي تحاول تشخيص عمليات نفي الآخر في المنطقة العربية بالقول «يعيش أصحاب الرأي عامة والرأي الآخر خاصة محنة حقيقية في مجتمعاتنا العربية ونظمها السياسية، التي يقول علماء السياسة إنها لا تدار من بيروقراطيات تخطئ وتصيب، بل من آلهة يظنون أنفسهم فوق وخارج الخطأ والصواب، يقولون للأشياء كوني فتكون، فلا عجب أنها تنكر حق مواطنها في الرأي المختلف أو الآخر، مضيفا، ان عصمة الأفراد والجماعات والحكومات مرض قاتل، سرطان لا دواء له ولا شفاء منه، ينتشر في فترات الانحدار والهزائم القاتلة، حين لا يستطيع البشر وخاصة منهم الحكام، الدفاع عن أفعالهم، فيعلنون قدسية أشخاصهم وآرائهم، ويرفعون أنفسهم إلى مرتبة غير بشرية، غير إنسانية. بالمقابل. عندما ستعترف نظمنا بأنها تدار من بشر يخطئون ويصيبون، وأن الحاكم ليس إلها دنيويا، سنكون قد وضعنا قدمنا على الطريق الصحيحة. بغير ذلك: ليس أمامنا غير المزيد من التدهور والهزائم والبؤس». ولا يقتصر الأمر على العرب عندما يتعلق الأمر بنفي الآخر، فقد عرفت الديمقراطيات العريقة، وخاصة عند منعطفات أزماتها الحادة سلوكا استثنائيا يعكس في جوهره سياسة «نفي الآخر». ففي الآونة الأخيرة أخذت نبرة «نفي الآخر» تسيطر على الخطاب السياسي الأمريكي، وتتجسد في سياسة البيت الأبيض في إدارتها لدبلوماسيتها الدولية، حيث ساد شعار «من ليس معنا فهو ضدنا»، سلوك إدارة الرئيس الأمريكي بوش الابن، التي شابها أيضا محاولات «إجبار العالم على الأخذ بالقيم الأمريكية»، وتطورت في مراحل لاحقة كي تساوي «بين الإسلام والإرهاب»، من خلال تبنيها وترويجها لأطروحات ما أصبح يعرف باسم «صدام الحضارات». لكن دروس التاريخ تعلمنا أن «نفي الآخر»، مهما نجحت في تغليب طرف على آخر، لكن هذا النصر لا يعدو كونه حالات مؤقتة بالمعيار التاريخي لتطور البشرية، وهو يحرم المجتمع او السلطة التي تطبقه، الكثير من غنى تنوعها الثقافي، وتعدديتها السياسية الأمر الذي لا يمكن أن يقود إلى تطور المجتمع، بل على العكس من ذلك، يؤدي حتما إلى هدم مثل تلك المجتمعات واندثارها، مهما بلغ علوها الثقافي، أو تقدمها السياسي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا