النسخة الورقية
العدد 11120 الخميس 19 سبتمبر 2019 الموافق 20 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:05AM
  • الظهر
    11:32AM
  • العصر
    2:59PM
  • المغرب
    5:38PM
  • العشاء
    7:08PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

عن ما يسمى معارضة!!

رابط مختصر
العدد 9097 الجمعة 7 مارس 2014 الموافق 6 جمادى الأولى 1435

هكذا توجه لي أحد الأصدقاء بالسؤال، فَسِرْ لي يا صديقي «كيف أن كل الدول الديمقراطية بها معارضات سياسية وتكون مقبولة في مجتمعاتها إلا «معارضتنا» في البحرين، هذه المعارضة التي تتعرض إلى سهام الانتقادات اللاذعة من قبل كثير من المواطنين عموما ومن الكتّاب خصوصا؟» وقبل أن أقبل سؤاله موضوعا للنقاش قلت له: «دعني أتفق معك -منذ البداية وقبل التحاور حول السؤال- أن أضع كلمة معارضة في سؤالك بين ظفرين إذا كنت تعني بالمعارضة تلك الجمعيات الخمس وشقيقاتها التي تعمل من خارج القانون؛ لأن ما لدينا في البحرين ليس معارضة بالمعنى الدقيق للفظ، أي بالمعنى الديمقراطي. وأرجو أنك قد تيقنت من ذات نفسك في يوم الاثنين الموافق 3 مارس عندما اغتالت أيادي هذه «المعارضة» الآثمة ثلاثة من رجال الشرطة الميامين الساهرين على أمن الوطن والمواطنين، في عملية تفجير حقيرة بكت لها البحرين من أقصاها إلى أقصاها. اتفقنا؟! وبعد حوار استغرق كامل جلستنا التي امتدت لأكثر من ثلاث ساعات، قلت له إن لدي مقالا حول المعارضة، وقد تكلمت فيه بشكل مسهب عن «معارضتنا» في البحرين إن صح التعبير، وآمل أن أجده لكي أعفي نفسي من عناء الكتابة مرة أخرى، أتمنى أن تقرأه وتفيدني برأيك فيه. وقد بحثت عنه وها أنا أعيد نشره مع إدخال بعض من التعديلات عليه حذفا وإضافة. ثمة علاقة وطيدة بين الدولة المدنية والديمقراطية والمواطنة باعتبارها جميعا عصارة تضحيات مستخلصة من تجارب إنسانية سعت إلى إيجاد صيغ معقولة في إدارة الحكم. وهي أدوات حداثية مبتكرة تشكل حجر الزاوية في كل المطالبات التي ترفعها الشعوب في الساحات والميادين لخلق حالات من التعايش منسجمة في المجتمع الواحد وضبط الخلافات والاختلافات فيه. ولا يمكن أن تشتغل أي من هذه الأدوات بمعزل عن بعضها البعض. والأصل الحاكم لهذه العلاقة هو أن الدولة المدنية هي الحاضنة للأداتين الأخريين معا في بيئة نظيفة متعافية من ادعاء جهة ما احتكار الحقيقة. ويفترض أن الحديث عن احتكار الحقيقة والاستبداد قد صار شيئا من الماضي في الدولة المدنية التي يدعيها الكل ولكن للأسف لا أحد يثبت بالدليل القاطع، مسعاه إليها إلا بإلغاء الآخر صاحب الرأي المخالف، بيد أن هناك، في الدولة المدنية، إقرارا صريحا بضرورة تشارك كافة طبقات المجتمع وممثليه في مناقشة الشأن العام عبر مؤسساته المختلفة، ذلك أن أهم مؤشرات تراجع الاستبداد هو السماح بتعدد المؤسسات المدنية والأحزاب السياسية. وهذا بالضبط ما يميز مجتمعنا البحريني عن كثير من المجتمعات العربية، مع فارق أنه بدلا من الأحزاب السياسية توجد لدينا جمعيات سياسية وبدلا من أن تشتغل هذه الجمعيات بالسياسة، وتدفع باتجاه تقوية الدولة المدنية لدعم حضورها السياسي فيها، يلاحظ أن أكثرها مهموم بأمور مذهبية تدفع إلى تأسيس دولة دينية بتوظيف مستخلصات الحداثة للسطو على السلطة، كما هو الحال مع الجمعيات السياسية الطائفية في البحرين التي قادت أحداث فبراير وما تلاها من وقفات في محطات الألم التي صنعتها هذه الجمعيات ما يطرح السؤال الآتي «هل نثق بأطروحات هذه الجمعيات حول الدولة المدنية؟». شخصيا لا أثق مطلقا. إن الديمقراطية هي بحق الرافعة الحقيقة لقيام الدولة المدنية، والعمل وفق مبادئ هذه الديمقراطية لهو إعلان رسمي عن قيام المعارضة وتخلقها في أي مجتمع، كما أنه تسليم بشرعية عملها في الفضاء العلني وفق ما تتيحه الأطر الدستورية، ذلك أن قيام أي معارضة شرعية، بأي معيار كان، لهو ضروري للنظام الرسمي القائم، وهو أيضا ضرورة مجتمعية لما تنطوي عليه من تنافس إيجابي قد يفضي إلى ابتكار البدائل التي تصب في مصلحة الجماهير، وبالتالي فإنها شرط من شروط الإبقاء على الدولة قوية متينة البنيان عصية حصينة تستعصي على القوى الخارجية المتربصة التي تسعى إلى استمالة فئات وشرائح توظفها وتخلق منها طابورا خامسا في الداخل تأتمر بأوامره للنيل من أمنه الوطني، وفي التاريخ من الحوادث ما يؤكد ذلك. وأحسب أن المواطن يستحضر في هذه اللحظة المفصلية من تاريخنا سلوك جمعية «الوفاق» مع شقيقاتها الأخرى ويقيس هذا السلوك مع ما أسلفت ليرى ما قادته إليه معارضته التي ارتمت في أحضان «شركائه» المذهبيين في إيران والعراق ولبنان على حساب شركائه في الوطن. المعارضة السياسية تنم عن وجود تباين في وجهات النظر بين فرقاء سياسيين لتحقيق رؤى وطنية مشتركة لكنها تنصرف إلى تحقيق هذه الرؤى من مداخل مختلفة، وذلك هو منطق الأشياء. وتستمد السلطات الحاكمة في أي بلد قوتها من قوة معارضاتها كما تستمد المعارضة قوتها من قوة حكوماتها؛ فكلما قويت المعارضة قويت الدولة والعكس صحيح، شرط أن تكون المعارضة إيجابية ولذلك يتحتم عليها تطويع بعض يقينياتها الإيديولوجية ومسلماتها المذهبية لتنسجم مع روح العصر ومصلحة الوطن. والمعارضة التي نلحظها في الدول الديمقراطية هي سلوك جماعي عادة ما يكون حزبيا إزاء ظواهر سلوكية مقابلة لأعمال صادرة من جهات تنفيذية مسؤولة دستوريا عن تنفيذ برامج حكومية. وإذا كان هناك انحراف عن مبدأ تحقيق المصلحة العامة في سلوك بعض المسؤولين، وهذا وارد بسبب أن ماسكي السلطات التنفيذية في كل العالم هم من البشر يتعرضون مثل غيرهم للأخطاء وحتى للإغراء في ممارسة السلطة، فإن الدستور والقوانين المصاغة وفق معطيات هذا الدستور لهي الكفيلة بتحديد طريقة التعامل مع مثل هذا الانحراف تحت مسميات شتى مثل الفساد الإداري أو الفساد المالي. وتأتي هنا بالضبط مسؤولية المعارضة عبر توظيف كافة أدواتها مثل البرلمان إذا كانت ممثلة فيه أو الإعلام بكل مكوناته، هذه المكونات التي أضحت خارقة لكل الحواجز وتصل بأريحية تامة إلى كل الناس. من المؤكد أن الأحداث التي ألمت بالبحرين وشهدها المواطنون على اختلاف انتماءاتهم قد أفرزت واقعا جديدا، وهذه حقيقة، ولكن، في اعتقادي، ان الذي لم يتغير بحرينيا هو معنى المعارضة إذ بقي كما كان، بقي ذلك الصوت المرتفع الذي يطالب بإسقاط النظام ويعيد ويكرر نياته الإقصائية، ويُظهر استبدادا غير مسبوق في رأيه، والحال أن المعارضة في كل بلدان العالم هي وجه وطني ناصع يعمل مع من يعمل لصالح الوطن والمواطنين. إذن المعارضة في أي مجتمع ديمقراطي ضرورة سياسية ينبغي أن تتخلى عن كل مظاهر الإرهاب والسلوك العنيف في التعبير عن الرأي وتحكم توظيف أدواتها وتزن سلوكها بميزان الذهب لتكون معبرة بحق عن تطلعات الشعب بمختلف طبقاته الاجتماعية ومكوناته الدينية والعرقية والمذهبية. أقول لصديقي السائل: لهذه الأسباب التي ذكرت تختلف الجمعيات المذهبية في سلوكها «المعارض» عن المعارضات الموجودة في دول العالم الديمقراطية، وللأسباب ذاتها توجه سهام الانتقادات اللاذعة لمن أسميتهم خطأ بـ»المعارضة»، وهي لم ولن تتوقف طالما أنها نحت هذا المنحى العدائي تجاه الوطن والمواطنين.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها