النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12099 الثلاثاء 24 مايو 2022 الموافق 23 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

شكوكو.. بقزازة

رابط مختصر
العدد 9097 الجمعة 7 مارس 2014 الموافق 6 جمادى الأولى 1435

كنت في السابعة من عمري، ألعب في فناء منزلنا بالقرية، حين سمعت صوتا ينادي «شكوكو بقزازة.. وسميحة بقزازة»، وأطلت أمي من النافذة لتستوقف الرجل، الذي كان بائعا جوالا يطوف في شوارع القرية والقرى المجاورة بين الحين والآخر، ويحمل بضاعته على رأسه، داخل قفص من الجريد، ويحمل على كل كف من كفيه نموذجا لما يبيعه، وبعد قليل عادت لي أمي وبيدها تمثالان من الجيس، أحدهما لرجل يرتدي جلبابا بلديا ويضع على رأسه طرطورا ويمسك بيده عصا يلامس طرفها قمة الطرطور، والثاني لطفلة صغيرة، ليكون ذلك أول، ما عرفته من لعبة الأطفال التي لم تكن شائعة في زماننا. في تلك السنوات -النصف الثاني من أربعينيات القرن الماضي- كان «محمود شكوكو» قد أصبح نجما يشار إليه بالبنان، إذ كانت مونولوجاته الشعبية تذاع في الإذاعة، وكان من أشهرها آنذاك ثلاثة مونولوجات هي: «من فوق لتحت.. ومن تحت لفوق، وجرحوني وقفلوا الأجزاخانات، وحادارجة بادارجة.. من كل عين زارجة» والعين الزارجة -أو الزرقاء- في التراث الشعبي المصري هي عين الحسود التي يستعيذ المصريون من شرها، مما أغرى شكوكو فيما بعد لأن يضيف إلى مونولوجاته ضدها، مونولوجا آخر يقول مطلعه: «عين الحسود فيها عود وكمنجة».. كما أغرت شعبيته الكاسحة بعض الورش الصغيرة التي تصنع تماثيل من الجبس إلى صناعة تماثيل له، يطوف بها في شوارع القرى والمدن، بائعون جائلون يقايضونها بزجاجة فارغة من الزجاجات التي كانت معبأة بالزيت أو الخل أو الشربات أو الأدوية، لتورد هذه الزجاجات -فيما بعد- إلى محلات متخصصة، تبيعها إلى مصانع الزجاج لإعادة تصنيعها أو لمصانع أخرى تعيد ملأها حسب الأحوال! وكان «محمود شكوكو» -الذي ولد عام 1912- قد بدأ حياته نجارا في إحدى الحارات الشعبية، يعمل في ورشة صغيرة يديرها أبوه ويمارس -في وقت فراغه- هواية الغناء في جلسات الأصدقاء وأفراح الأهل والجيران، إلى أن ذاع صيته فانتقل للعمل في الفرق المسرحية والملاهي الليلية، حيث لقيت مونولوجاته إقبالا من الرواد بسبب الطابع الشعبي الذي ميزه عن غيره ممن كانوا يمارسون هذا الفن آنذاك، إذ كان يقدم عرضا فنيا شاملا يجمع بين المونولوج والطرب والموال والنكتة والرقصة، وفنون الأراجوز، فضلا عن أنه ابتكر لنفسه شكلا خاصا به، يجمع بين الجلباب البلدي والطرطور فبدا -شكلا ومضمونا- نموذجا لابن البلد المصري، في ذكائه وخفة ظله، وسرعة بديهته، مما حشد حوله جماهير واسعة تبدأ من قاعدة الهرم الاجتماعي إلى قمته.. إلى الحد الذي أهله يوما للزواج بواحدة من أشهر سيدات المجتمع الارستقراطي، وهي المليونيرة «عائشة هانم فهمي» التي سبق لها الزواج بـ «يوسف وهبي» ولكن الزواج -في الحالتين- لم يعش سوى مدة قصيرة! ما يلفت النظر في مسيرة «محمود شكوكو» السينمائية ذلك التفاوت في الحظوظ بينه وبين «إسماعيل ياسين» الذي ولد معه في العام نفسه، وبدآ رحلتهما الفنية في سنوات متقاربة، وكان المونولوج هو طريق كل منهما إلى قلوب الناس.. إلا أن خط «إسماعيل ياسين» -الذي رحل عن عالمنا وهو في الستين من عمره عام 1972- من أفلام السينما، يتجاوز أكثر من ضعف ما مثله «شكوكو» إذ بلغ 212 فيلما خلال الفترة بين عامي 1939 و1973، بينما اقتصر نصيب «محمود شكوكو» الذي عاش 13 سنة بعد رحيل إسماعيل ياسين ورحل عن الدنيا وهو في الثالثة والسبعين، لم يزد على 82 فيلما فقط خلال الفترة بين عامي 1942 و1976. وصحيح أن الاثنين شكلا معا ثنائيا عمل في عشرات الأفلام إلا أن «إسماعيل ياسين» قفز إلى دور البطولة في عشرات من الأفلام التي مثلها، ومن بينها أكثر من عشرة أفلام حملت اسمه في عناوينها، بينما اقتصر دور «محمود شكوكو» على الأدوار الثانوية في كل الأفلام التي مثلها.. باستثناء فيلم واحد هو فيلم «عنتر ولبلب» الذي عرض لأول مرة في خريف عام 1952 وبعد شهور من قيام ثورة 23 يوليو 1952. وهو واحد من سلسلة أفلام سياسية بدئ في تصويرها خلال فترة المد الوطني التي أعقبت إلغاء معاهدة 1936 ثم أدركها حريق القاهرة في يناير 1952 فظلت حبيسة العلب، إلى أن تغيرت الظروف السياسية بقيام الثورة فسمح بعرضها. وتدور أحداث الفيلم -الذي كتبه وأخرجه سيف الدين شوكت- في حارة مصرية تكفي لافتات متاجرها لإدراك دلالتها السياسية، فهناك «عصير الجلاء» و»جزارة القنال» و»عجلاتي الوحدة» و»بقالة السلام».. يفد عليها يوما غريب قوي مفتول العضلات مدجج بالسلاح والاتباع هو «عنتر» -سراج منير- فينتزع قطعة من أرضها ليقيم عليها كازينو ومطعما ينافس متاجرها، ويفسد أخلاق أهلها بما يعرضه من رقص خليع، فيحط الكساد عليها إلى أن يتزعم «لبلب» -محمود شكوكو- صاحب «مطعم الحرية» المقاومة، رغم ضعفه وهزاله فيتصدي لـ «عنتر» ويراهنه أمام أهل الحارة، على أن في استطاعته أن يصفعه سبع صفعات على امتداد أسبوع، فإذا فعل حقق «عنتر» مطلب الحارة وهو الجلاء بلا قيد ولا شرط وإذا فاتته واحدة يغادر «لبلب» الحارة ويتركها لـ «عنتر» ورجاله. ويدور الصراع بعد ذلك بين حماقة القوة التي يمثلها «عنتر» و»ذكاء العقل» الذي يمثله «لبلب» ويستعين الأول باتباعه وماله، ويعتمد الثاني على أهل الحارة، إلى أن ينجح «لبلب» بسعة حيلته وذكائه في توجيه الصفعات واحدة بعد أخرى إلى خصمه، خاصة أن الرهان كان يتضمن كذلك بنت الحارة الجميلة الرقيقة «لوزة» -حورية حسن- خطيبة لبلب، التي يحاول «عنتر» انتزاعها منه! وأمام توالي الهزائم يلجأ عنتر إلى المناورة، ويطالب بفتح باب المفاوضات، ولكن أهل الحارة يدركون أنه يريد تمييع الموقف ليكسب الرهان، فيرفضون ويعلن «لبلب» أنه «لا مفاوضة إلا بعد العزال» وتتواصل المواجهة بين «القوة» و»الذكاء» إلى أن يتلقى «عنتر» الصفعة السابعة ويغادر الحارة مهزوما وتعيسا بعد أن انتصر الحق على الباطل.. والعقل على القوة! والغريب أن هذا الفيلم الجميل لم يستمر عرضه في دور السينما، خلال عرضه الأول سوى أسبوع واحد رفع بعده إذ كان قد عرض باسمه الأصلي وهو «شمشون ولبلب» وما كاد يعرض حتى اعترض حاخام اليهود المصريين «ناحوم جاييم أفندي» على إطلاق اسم «شمشون» -وهو اسم أحد أنبياء بني إسرائيل على شخصية شريرة كالتي كان يلعبها «سراج منير» في الفيلم فأمرت الرقابة برفع الفيلم من دور السينما ليغيب شهورا ويعود بحملة دعاية جديدة تغير فيها اسمه من «شمشون ولبلب» إلى «عنتر ولبلب» وتعرض خلالها لعملية مونتاج على شريط الصوت تغير فيها اسم «شمشون» على ألسنة الأبطال إلى «لبلب» بأصوات يستطيع من يعيد مشاهدة الفيلم اليوم على شاشات التليفزيون أن يدرك بسهولة انها ليست أصواتهم. وهكذا ترصد سوء الحظ الفيلم الوحيد الذي قام ببطولته «محمود شكوكو» الفنان المتعدد المواهب الذي كان أول من صنع له الناس تماثيل وكان أول من هزم «شمشون» الجبار.. على شاشة السينما والذي تمر الذكرى التاسعة والعشرون لرحيله في 21 فبراير 1985 هذا الأسبوع! ولايزال «شمشمون» الجبار يسيطر على الحارة!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها