النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11931 الثلاثاء 7 ديسمبر 2021 الموافق 2 جمادى الأولى 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:47AM
  • الظهر
    11:29PM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

الكويتي الذي لجأ إلى البحرين غاضباً

رابط مختصر
العدد 9097 الجمعة 7 مارس 2014 الموافق 6 جمادى الأولى 1435

في سوق المنامة التجاري، وتحديدا في وسط شارع الحكومة، عرف أهل البحرين في الثلاثينات الميلادية مبنى ضخما -بمقاييس أيام لوّل- كان يطلق عليه «عمارة هلال المطيري»، على الرغم من أن المبنى كان في الأساس من ممتلكات الثري يوسف بن أحمد كانو. فمن هو «هلال المطيري» هذا الذي تردد ذكره مرارا في تاريخ البحرين الحديث؟ هو تاجر لؤلؤ كويتي شهير، واسمه الكامل هلال بن فجحان بن هلال بن مفيز بن خلوي بن حمد بن جليدان الديحاني المطيري، نسبة إلى قبيلة مطير -فخذ الدياحين- بل يعتبر أكبر ثري عرفته الكويت في عصره. حيث اتسعت أملاكه، بسبب اشتغاله بالطواشة، حتى شملت الكويت والبحرين والبصرة والهند. ومن دلائل ثرائه أن ثروته بلغت في وقت من الأوقات ثمانية ملايين من الروبيات الهندية -وهو مبلغ عادل ميزانيات دول مجلس التعاون مجتمعة في عشرينات القرن الماضي- فيما بلغ عدد سفنه في عام 1914 نحو 28 سفينة من بينها البوم «مشهور» والبلم «ميسر»، ناهيك عن ممتلكاته من الأراضي ومزارع النخيل. ومما يذكر في سياق الحديث عن ثرائه أنه دفع لشيخ الكويت في عام واحد أكثر من عشرة آلاف روبية كقلاطة، أي رسوم، عن محصول اللؤلؤ وذلك طبقا لما هو مدون في دفتر قلاطة أهل الغوص الذي تولاه جاسم بن محمد بودي. لكن كيف كانت بدايات الرجل؟ وما هي الظروف التي مر بها حتى صار يلقب بالمليونير و»ملك اللؤلؤ»؟ يـُقال ان هلال المطيري ولد في عام 1855 في بادية الحجاز، وتحديدا في «الجريسية» بالقرب من منطقة «مهد الذهب» وأنه فقد والده هناك وهو في سن السابعة ثم انتقل إلى الكويت قبل أن يتم العشرين من عمره. لكن هناك من يقول ان هلالا ولد في الكويت في منطقة وسط المدينة قرب مسجد آل العبدالرزاق حول السور الثاني بعد استقرار والده فجحان فيها في أعقاب هجرته مع آخرين من المطران الدياحين من بادية الحجاز ونجد في أوائل القرن التاسع عشر بسبب الحروب القبلية والجدب والمجاعة وحياة الضنك في الأخيرة. لكن الظروف المعيشية في الكويت آنذاك لم تكن ورديه أو مثالية، فالحياة فيها كانت بسيطة والموارد قليلة والغالبية العظمى من السكان كانت تعيش في فقر مدقع باستثناء عائلات محدودة العدد من تلك التي كانت تتعاطى أعمال الغوص وصيد السمك والتجارة مع الهند وإفريقيا كعائلات العبدالرزاق، والخالد، والبدر والمرزوق والعامر والحداد، ولاحقا عائلات الفليج والرومي والغانم والصقر والشاهين، طبقا لما ذكره الاستاذ فرحان عبدالله الفرحان في تحقيق نشرته له مؤخرا صحيفة القبس. ويقول الفرحان ان الأمور راحت تتغير شيئا فشيئا، والاقتصاد بات ينتعش مع تزايد نشاط الكويتيين في مجالات التجارة والبحث عن اللؤلؤ والتعامل مع الهند، خصوصا مع تمتع الكويت في تلك الفترة من القرن 19 بالاستقرار السياسي في ظل الشيخ جابر العبدالله الصباح المعروف باسم «جابر العيش» كناية عن تقديمه «العيش» يوميا للفقراء بالمجان. في ظل مثل هذه الظروف الصعبة ترعرع هلال الذي لم يجد ما يفعله في مقتبل عمره سوى الذهاب يوميا إلى الفرضة لمشاهدة أعمال نقل البضائع من المراكب إلى «سوق المناخ» حيث كانت تباع. ثم انتقل الصبي من مجرد المشاهدة إلى التقاط وجمع ما كان يتساقط من أكياس القمح والشعير والأرز من حبيبات أو ما كان يتساقط من نواة التمر ليعود ويبيعها في اليوم التالي، كطعام للبشر والماشية على التوالي، الأمر الذي ساعده على معرفة فنون البيع والشراء. وفي هذا السياق يذكر المؤرخ الكويتي المرحوم «عبدالله الحاتم» في كتابه الموسوم بـ «من هنا بدأت الكويت» أن هلال فجحان المطيري لم يكن له في بداية الأمر شأن يــُذكر بدليل أن الناس كانوا يطلقون عليه إسم «هليــّل» تصغيرا له، ثم بدليل حكاية فقره المدقع الذي دفعه ذات يوم إلى اختطاف تمرة من يد عجوز كفيف كان يجلس بالقرب من مسجد بن فارس هو «عثمان الشارخ». غير ان هذا الذي دفعه الجوع إلى اختطاف تمرة من يد عجوز ضرير سوف يصبح نارا على علم في الثراء والكرم والشهامة والبر والإحسان في غضون سنوات قليلة بفضل حكمته و»لأنه لم يضع بيضه في سلة واحدة، كما يقولون، وأخذ ينوّع تجارته في البر والبحر» -أي يبيع اللؤلؤ في الهند ويستثمر أرباحه في شراء الأراضي والعقارات في الخليج ومزارع النخيل في البصرة- طبقا لما ورد في الموسوعة الكويتية ولعل هذا هو السبب في أنه كان من بين القلة الذين لم يتأثروا بالكساد الذي حل بالخليج كنتيجة لظهور اللؤلؤ الصناعي الياباني. ويقول محمد بن زبن بن عمير في «حكايات من الماضي» عن قصة دخول هلال المطيري عالم تجارة اللؤلؤ انه أراد أن يغتسل في البحر ذات يوم قائظ فوجد على الشاطئ محارة فالتقطها وفلقها وإذا بها دانة نادرة ثمينة جلبتْ له بعد بيعها مبلغا كبيرا من المال اشترى به مركبا، فكانت تلك بداية تعاطيه مع التجارة والغوص على اللؤلؤ. لكن للباحث الكويتي عادل العبد المغني رأي آخر مفاده أن المطيري مثله مثل الكثيرين من الكويتيين ركب البحر غواصا فحصل على لؤلؤة نادرة كانت بمثابة فاتحة خير عليه وبداية لدخوله عالم الثراء. واستطرادا لذلك يضيف أنه بدأ طواشا صغيرا يشتري «سحاتيت» اللآلئ ويبيعها بثمن أكبر من ثمن الشراء، وبذلك تدرج في مهنة الطواشة وكبر وتمكن من شراء العديد من سفن الغوص مثل الشوعي والسنبوك والبتيل حتى غدا إسما لامعا. وعلى الرغم من أن هلال المطيري كان جليسا دائما لحاكم الكويت في زمنه، الشيخ مبارك الصباح المعروف بـ «مبارك الكبير»، فإن ذلك لم يمنع من حدوث خلافات بينهما لسببين أولهما قرار الحاكم في عام 1910 مضاعفة الرسوم المستحصلة من التجار والطواويش عقب كل موسم غوص وذلك لتمويل حملته ضد خصمه اللدود سعدون باشا المنصور زعيم قبيلة المنتفق، وثانيها منعه أهل الكويت من الذهاب للغوص على اللؤلؤ من العام ذاته كوسيلة ضغط على الطواويش للإستجابة لموضوع مضاعفة الرسوم، على الرغم من التداعيات السلبية لهذا المنع كون الغوص على اللؤلؤ كان عماد الحياة في الكويت وقتذاك. ويمكن هنا إضافة سبب ثالث هو الدور الخبيث الذي لعبه المدعو «يوسف الدويرج» -راجع كتاب «تاريخ الكويت» لعبدالعزيز الرشيد- في استعداء الشيخ مبارك ضد تجار الكويت من خلال الوشاية والتزوير وتلفيق الأحاديث، الأمر الذي دفع هلال المطيري في عام 1910 إلى تزعم عدد من أقرانه من التجار الكويتيين للهجرة من الكويت إلى الخارج، خصوصا بعد أن قام الشيخ مبارك بإهانته وتغليط الكلام له وتهديده والتوعد به مع زميليه إبراهيم المضف، وشملان بن علي آل سيف. وهكذا خرج هلال مع رفيقيه إبراهيم المضف وشملان آل سيف وآخرين في ذلك العام في رحلة من رحلات الغوص لكنهم في نهاية الرحلة أظهروا رغبتهم لمن كان معهم بأنهم قد عقدوا العزم على عدم العودة إلى الكويت والاستقرار في بلد آخر، تاركين لمن يريد حرية العودة إلى الكويت. فلجأ هلال المطيري وإبراهيم المضف إلى البحرين، بينما لجأ شملان آل سيف ومعه راشد بورسلي وأحمد المناعي وسعد الناهض السهلي وصالح المسباح إلى جزيرة «جنة» -بكسر الميم- التابعة للإحساء حيث مساكن العماير من قبيلة بني خالد. وطبقا لما ورد في الجزء الثاني من كتاب «تاريخ الغوص على اللؤلؤ في الكويت والخليج العربي» لسيف مرزوق الشملان، وما نــُشر في منتدى تاريخ الكويت الإلكتروني فإن الشيخ مبارك سرعان ما اكتشف خبث ودناءة خادمه المدعو «يوسف الدويرج» فأسف أسفا شديدا على طريقة تعامله مع المطيري ورفقيه، خصوصا وأنهم كانوا أصحاب نفوذ ويشكلون مع أتباعهم ثقلا في الكويت، فاستخدم طرقا وأساليب شتى لإرضائهم واستمالتهم وترغيبهم في الرجوع إلى وطنهم، خوفا من أن يؤدي بقاؤهم في الخارج إلى هجرة المزيد من التجار الكويتيين. وكان أول ما فعله أن أرسل وفدا إليهم في البحرين مكونا من ناصر البدر، وحسين بن علي آل سيف، وفارس الوقيان، ومعهم رسالة منه يحثهم فيها على العودة ونسيان ما حدث، مع الاعتذار لهم عما بدر منه من إساءة. غير ان المطيري والمضف لم يجدا في هذه البادرة ما يكفي لتنازلهما فبقيا في البحرين منتظرين. هنا قرر الشيخ مبارك أن يرسل وفدا ثانيا بقيادة ابنه الشيخ سالم المبارك وعضوية حسين بن علي آل سيف وفارس الوقيان وناصر البدر. وذهب الوفد أولا إلى جزيرة «جنة» لمصالحة شملان آل سيف الذي شعر بحرج كبير بسبب وجود أخيه الأكبر حسين بن علي ضمن الوفد، الأمر الذي دعاه إلى التذرع بضرورة التشاور في مسألة العودة إلى الكويت مع رفيقيه في البحرين: هلال المطيري وإبراهيم المضف. ولهذا الغرض ذهب شملان مع الشيخ سالم المبارك إلى البحرين، حيث قابلا هلالا الذي اشترط أن يكون الاجتماع في مجلس حاكم البحرين المغفور له الشيخ عيسي بن علي آل خليفة وأن يتعهد له الأخير بألا يتعرض له أحد عند عودته إلى الكويت، فوافق الشيخ عيسي. لكن هلالا سرعان ما أضاف شرطا جديدا مفاده «أن الذي يرشني بماء ترشونه بدم» أي منْ يتعرض لي ويؤذيني في الكويت، عليكم بإنزال اقسى العقوبات عليه، فتتردد الشيخ سالم في الموافقة على طلب هلال وطالب بمنحه مهلة كي يستشير والده في الكويت. وهكذا عاد الشيخ سالم إلى الكويت مصطحبا شملان والمضف فيما ظل المطيري في البحرين. ولما أخبر الشيخ سالم والده بشرط هلال المذكور آنفا عاتبه لأنه لم يبت فيه في الحال، وطلب منه أن يكتب رسالة إليه يخبره فيها بالموافقة. وتقول المصادر التاريخية انه في هذه الأثناء كانت قد وصلت رسالة من هلال المطيري إلى الشيخ جابر بن الشيخ مبارك يعتب فيها على أبيه الحاكم، ويخبره فيها أنه قد وهبه كل ما يملك في الكويت من إبل وغنم ونخل، وأنه يرغب في أن تلتحق عائلته به في البحرين، فاستاء الشيخ مبارك من تصرف هلال هذا، لكنه لم يمنع عائلته من أن تلتحق به. وتضيف المصادر نفسها أن شملان آل سيف أخبر الشيخ بأنه كان عليه أن يمنع سفر عائلة هلال كي يبين لأهل الكويت أنه راغب في عودة الرجل إلى وطنه وأهله، خصوصا وأن بقاءه بعيدا في الخارج كان يشكل ضررا على الكويت لعدم انتفاعها من ثروته الطائلة وزكواته وصدقاته. ويـُـقال ان الشيخ مبارك اقتنع برأي شملان من أن هلالا ثروة قومية يجب ألا يـُضحى بها، ووجد أنه لا مناص من ذهابه شخصيا إلى البحرين لإقناع الرجل بالعودة ونسيان ما مضى. وبالفعل غادر الشيخ مبارك بلاده إلى البحرين على متن يخته الخاص «مشرف» في عام 1911 يرافقه شملان بن علي آل سيف وإبراهيم المضف وعدد آخر من وجهاء الكويت، تحت غطاء الزيارة الرسمية للمرحوم الشيخ عيسى بن علي آل خليفة. وبعد مقابلة هلال لمرافقي الشيخ مبارك، وموافقة الأخير على ترضيته والتعهد باحترامه أمام حاكم البحرين الشيخ عيسى وأبنائه حمد ومحمد وعبدالله، وافق هلال على العودة إلى وطنه بعد وجوده لمدة 13 شهرا في منفاه الاختياري في البحرين ارتبط خلالها بعلاقات صداقة وعمل وتجارة مع شيوخ البحرين من آل خليفة الكرام، ووجهائها وأعيانها. وهكذا أسدل الستار، بفضل حنكة الشيخ مبارك وأريحيته وحساباته البعيدة، على موضوع شغل أهل الكويت طويلا. وحينما توفى هلال المطيري في الكويت في عام 1938 كان قد ساهم في بناء أول مدرسة نظامية -المدرسة المباركية- عبر تبرع بمبلغ خمسة آلاف روبية في عام 1911، وشغل عضوية أول مجلس شورى كويتي في عام 1921، وتبرع بأرض مساحتها 20 كيلومترا مربعا في وسط العاصمة مع قيامه بتسويرها لتصبح مقبرة للمسلمين، وهي المقبرة المعروفة اليوم بـ «مقبرة هلال». وتبرع بمبلغ كبير لبناء السور الثالث في عام 1920، وساهم في الدفاع عن الكويت بتسليح مائتي فارس من أبناء عمومته وإرسالهم للمشاركة في معركة الجهراء سنة 1921. أما بعد وفاته فقد أكرمته بلاده بإطلاق اسمه على مدرسة حكومية للبنين في محافظة مبارك الكبير، وشارع في منطقة السالمية، وصالة في منطقة حولي. والمعروف أن هلال المطيري عــُرف بالكرم، وبذل المال، ومساعدة كل محتاج سواء من أبناء قبيلته أو غيرهم، حيث كان ديوانه على الدوام عامرا بالبشر، وولائمه لا تنقطع. ولأنه كان يوما ما فقيرا معوزا لا يجد قوت يومه فقد شعر دائما بمآسي الفقراء والأيتام والمحتاجين، وراح يبذل لهم الصدقات والزكوات حتى قيل ان إحسانه وبره امتد ليشمل فقراء الهند من بعد أن غطى الكويت ودول الخليج في أزمان فقرها. ومما يـُذكر عن هلال المطيري أيضا أنه كان حتى آخر يوم من حياته محتفظا في مجلسه بـ «القــّـفة» أو الماعون الذي كان يستخدمه في بداياته لجمع نوى التمر، وذلك من أجل أن يتذكر في كل ساعة ما كان حاله وما أنعم الله به عليه. ومما قيل في الرجل على لسان أحد شعراء قبيلة شمر: الشمري غنا وعدّل بمبـــــداه يلعب على ما جاز له بالمثايل أظهرت بيوت من ضميره مخفــاه ما بان فيها كل يوم رسايل لو كل من سوى به المدح يزهاه ما صار مدح وذم بين الحمايل أضميت قيلي لين سنـّعت ملفاه هلال بن فجحان واف الخصايل هلال عين السيح في كل الأوجاه ليا قيل بذال العطا والجزايل عز القصير وعز من طاح بحـاه وعز لمن دالت عليه الدوايل من كثر ما يضفي على الناس حسناه يرجيه من لافي أحواله حصايل يلقا صحـــون كل ليلة أملاه في وسطها دهن المفاطيح سايل ولعائلة هلال المطيري مصاهرات مع العديد من العوائل الكويتية المعروفة مثل الساير، الرومي الفهد، المخلد، الصباح، المرزوق، الأحمد، السعيد، الظبية، العثمان، البسام، المحري، الزواوي، البحر، السعد المنيفي، المضف، اللافي، الطراق، والعتيقي. ومن ذرية هلال برز كل من ابنه مشاري عضو المجلس التشريعي لعام 1938، وابنه الآخر فجحان الذي تولى إدارة التشريفات في الديوان الأميري ومن قبله رئاسة ديوان المحاسبة، وحفيده هلال مشاري هلال فجحان المطيري وزير التجارة والصناعة في عام 1994 والنائب الأول لرئيس غرفة تجارة وصناعة الكويت، وابن الأخير خالد الذي صار أمينا عاما للتحالف الوطني الديمقراطي ورئيسا لتحرير صحيفة «الجريدة»، وعلي مشاري هلال فجحان المطيري السفير السابق ونائب رئيس مجلس إدارة البنك الأهلي الكويتي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها