النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

مطارحات

التوافق في التجربة التونسية..

رابط مختصر
العدد 9093 الأثنين 3 مارس 2014 الموافق 2 جمادى الأولى 1435

أشرنا في أكثر من مناسبة الى أهمية بناء الكتلة التاريخية لإخراج المجتمع من انقسامه الطائفي الذي صنعته الطائفية السياسية، وكرسته الجماعات الطائفية. وان بناء هذه الكتلة وتعزيزها لن يكون من مهام هذه الأحزاب والجماعات الطائفية المريضة، خاصة تلك التي لها اجندة دينية - طائفية ذات امتداد إقليمي. وانه لا مناص من ان تتولى هذه العملية القوى الديمقراطية التي تعمل من خارج المنظور الطائفي القادرة على المساعدة على بناء وفاق وطني دائم. وقد عاينا عددا من التجارب العربية خلال السنوات الماضية في تحقيق التحول السياسي الديمقراطي دون جدوى، لأنها تمت خارج افق التوافق وضمن منطق الغلبة، ولذلك كان من الطبيعي ان تفشل، بل وأسهمت في العراق مثلا في تخريب أواصر البنيان الوطني، بغرس ثقافة التناحر والعصبيات الطائفية ضيقة الأفق المحكومة بإدامة الانقسام في المجتمع، وبإدامة الحرب بين الطوائف والتأثير سلبا على تعزيز مدنية الدولة على المدى البعيد فما بالك ببناء الديمقراطية الحقيقية، فأقصى ما تنشده هذه القوى الطائفية هو إنزال الهزيمة بالآخرين، أو نقل الهيمنة من طائفة إلى طائفة أخرى.. ووسط هذا الظلام السائد، وهذا التناحر الطائفي المتصاعد نجحت التجربة التونسية الجديدة في بناء وفاق وطني تاريخي، فبالرغم من التوترات والتجاذبات السياسية وما واكبها من اضطراب أمني، نجحت هذه التجربة في الخروج من عنق الزجاجة وتحقيق توافق جوهري بميزان التاريخ، بفضل قدرة مكونات المجتمع السياسي بمختلف تياراته، من اقضى اليمين الى اقصى اليسار، على الالتقاء عن منتصف الطريق بتبادل التنازلات والسعي من اجل بناء التوافقات التي افضت الى الانفراج السياسي وإلى التحرك نحو الأمام. ضمن هذا السياق، يمكن أن نفهم هذا الإنجاز، الذي أعطى جوابا عمليا على إمكانية تحقيق حلول وسط سياسية بين الاحزاب والتيارات المختلفة والوصول الى نقطة الالتقاء بين الإسلاميين والعلمانيين تحت سقف دولة ديمقراطية، بفضل ما بذله كل طرف من جهد فكري وسياسي في التعايش والتوافق السياسي والمجتمعي. اذ قدم اسلاميو تونس -بعكس اقرانهم في مصر- تنازلات كبيرة، ولم يتورطوا في فخ استخدام ورقة الشارع او اللجوء الى العنف، ولم يستظهروا بقوتهم السياسية للهيمنة على البقية لأنهم أدركوا انه لا سبيل الى الاستقرار الا التوافق والتعايش، كما ان العلمانيين، أنفسهم، تصرفوا بطريقة ناضجة وعقلانية، وفضلوا الجلوس على طاولة الحوار والتوافق، ولم يجعلوا من الأزمة السياسية ولا من المتغيرات الإقليمية ورقة للاستقواء بها على القوى السياسية الاخرى. ويرجع الفضل في ذلك إلى النخبة السياسية التونسية التي عرفت كيف تهندس هذا الوفاق من أجل الانتقال الديمقراطي ووضع قواعد تأسيسية للدولة التونسية الجديدة. لقد فهمت القوى السياسية في هذا البلد العربي أن بناء الديمقراطية لا يمكن أن يكون من خلال الشرعية الانتخابية، ولا بالاستقواء بالشارع وبالعنف، وإنما بتوافق جميع القوى السياسية على قاعدة الاعتراف المتبادل بالشركاء السياسيين في الوطن، والقبول بالاختلاف، والحق في الاجتهاد الجماعي في بناء قواعد اللعبة السياسية التي تحصن التعايش والاجتماع الانساني. كما أدركت هذه النخب السياسية أنه لا افق للتنمية والتقدم الا بالاستقرار، ولذلك، فضلت أن تعطي الأولوية للتعايش الذي يبسط سبل الاستقرار على ما سواه، وأن تغلق ملف الازمات المليء بالأوجاع والالام وبالتوترات السياسية والاجتماعية التي دفعت بالبلاد الى الخلف اقتصاديا واجتماعيا. لا شك ان هنالك عوامل ساعدت على إنجاح هذه التجربة، منها عدم وجود طائفية، بما ساعد على بناء تجربة مستقلة عن التجارب العربية المماثلة، ومنها بعدها الجغرافي النسبي عن منطقة الصراع والزوابع العربية، ولكن الأهم من ذلك في تقديري هو وجود كتلة تاريخية وطنية، تأسست عبر السنين -رغم التنوع والاختلافات- وخصوصا ابان حقبة النضال الوطني ضد الاستعمار، إضافة الى التحديث العميق الذي مس هذا البلد خلال الستين سنة الماضية وخلق نخبة مستنيرة مؤثرة، والتي تمكنت من تحصين المجتمع ضد تيارات الفوضى والتعصب والتكفير التي تسللت بعد انتفاضة 2011م مستفيدة من حالة الانفلات الأمني في المنطقة، يضاف الى ذلك اجماع التونسيين على استبعاد العامل الأجنبي من معادلة الصراع السياسي الداخلي لتريب المشهد الوطني، ولكن الأهم من ذلك وجود قوة مدنية ديمقراطية مناضلة وعقلانية ووسيطة تتمثل في الاتحاد العام التونسي للشغل واتحاد الصناعة والتجارة وجمعية حقوق الانسان، التي لعبت دور المشجع على التوافق المسهل للحوار الوطني الذي اثمر هذه التوافقات، بعيدا عن عقلية الهيمنة والإقصاء والاستقواء بالكثرة العددية التي لم تعد معيارا كافيا لاكتساب أي شرعية سياسية.. لقد كان واضحا أن نجاح أي قوة سياسية منظمة -معارضة كانت او موالية او مستقلة- رهن بمدى قدرتها على الدخول مع الاخرين في توافقات الممكن، بعيدا عن المطالب الأيديولوجية الضيقة، ورفضها لكافة اشكال العنف والتبرؤ الكامل والصريح من التيارات والجماعات العنيفة والتكفيرية والارتباط بالخارج تحت أي عنوان او مبرر او مظلة، ورفض منطق الغلبة الذي تؤمن به الجماعات المتطرفة، لا فرق عندها بين قوة انتخابية أو قوة انقلابية، ما دام ذلك سيمكن لها السيطرة والسلطة، أما الديمقراطية وما تفتضيه من روح توافقية وعمل من أجل بناء التضامن الوطني فليست من ضمن دائرة اهتمامها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها