النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12142 الأربعاء 6 يوليو 2022 الموافق 7 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

إمبراطورية الصحف الحكومية

رابط مختصر
العدد 9090 الجمعة 28 فبراير 2014 الموافق 28 ربيع الثاني 1435

عاد التفكير في إغلاق عدد من الصحف المصرية التي تصدر عن المؤسسات القومية الثماني المملوكة للدولة أو تحويلها من صحف ورقية إلى صحف إلكترونية ليبرز من جديد بعد أن تراكمت خسائرها على نحو لم تعد معه قادرة على تحمل المزيد منها بعد أن وصلت ديون هذه المؤسسات إلى ما يقرب من ثمانية مليارات من الجنيهات. وظاهرة إغلاق الصحف الورقية ليست مقصورة على الصحف المملوكة للدولة، إذ سعت إليها صحف يملكها مستثمرون اضطرت بسبب تراكم الخسائر إلى التوقف عن الصدور أو تحولت من أسبوعية إلى نصف شهرية وسبقتهما إليها صحف عالمية تصل أعمار بعضها إلى ما يقرب من القرن، لقيت مصرعها فأغلقت أبوابها أو تحولت إلى مواقع إلكترونية للسبب نفسه وهو انصراف القراء والمعلنين! وهي ظاهرة تاريخية عرفتها الصحافة المصرية مع التغيرات في النظم السياسية والاقتصادية، أو بفعل الشيخوخة، ففي أعقاب ثورة 23 يوليو 1952 اختفى عدد من الصحف المهمة التي كانت من ملامح العصر الذي سبقها فتوقفت جريدة «المقطم» اليومية - التي صدرت عام 1889 لكي تقنع المصريين بأن الاحتلال البريطاني هو أفضل أنواع الاستعمار- بعد 63 عاما من الصدور المنتظم واختفت معها في اليوم نفسه مجلة «المقتطف» الثقافية الشهرية التي كانت تصدر عن الدار نفسها عن عمر يناهز 76 سنة، وبعد أشهر قليلة من قيام الثورة ومع صدور قرار حل الأحزاب السياسية اختفت الصحف التي كانت تنطق بلسان هذه الأحزاب وغابت عن الساحة الصحفية إلى أن عادت الأحزاب السياسية إلى مصر بعد ما يقرب من ربع قرن فى عام 1976 لتعود معها الصحف الحزبية. وفى السنة التالية «1953» اختفت مجلة «الرسالة» أشهر المجلات الثقافية الأسبوعية بعد عشرين عاما من الصدور المتواصل واختفت معها في الوقت نفسه زميلتها نصف الشهرية «الرواية» التي تخصصت في نشر القصص القصيرة وهي في الخامسة عشرة .. وفي العام نفسه صدر قرار بإلغاء تراخيص أكثر من أربعين صحيفة بعدم انتظامها في الصدور لمدة ستة شهور متصلة كان من بينها عدد من الصحف التى مهدت للثورة خلال العامين السابقين. وفي أعقاب أزمة مارس 1954 اختفت اثنتان من أهم الصحف المصرية التي لعبت دورا بارزا في دك حصون ما كان يعرف آنذاك بـ«العهد البائد» هما يومية «المصري» وأسبوعية «الجمهور المصري» بعد أن قدم أصحابهما إلى «محكمة الثورة» فقضت عليهما بالسجن وصادرت أموالهما بسبب مساندتهما لمطلب عودة الديمقراطية اثناء الأزمة. ومع أن صحفا أخرى مثل «الأهرام» و«الأخبار» و«روزاليوسف» و«المصور» ظلت صامدة في مواجهة رياح التغيير بعد أن غيرت من أسلوبها في تناول الأمور السياسية حتى لا تصطدم بالعاصفة الثورية واتجهت إلى الاهتمام بالشؤون الاجتماعية والفنية والرياضية إلا أن الثورة أصرت على أن تؤسس صحفا خاصة بها فأصدرت بعد أسابيع قليلة من استيلائها على السلطة مجلة «التحرير» ثم صحف «الجمهورية» و«الشعب» و«المساء» وانشأت مؤسسة صحفية تضمها هي «دار التحرير» ووكالة للأنباء هي «وكالة انباء الشرق الأوسط» ليكون ذلك هو أساس الصحف المملوكة للدولة، ثم ما لبثت حكومة الثورة فى عام 1960، أن أممت الدور الصحفية الأربع الكبرى التى صمدت أمام العاصفة الثورية وهى مؤسسات «الأهرام» و«الأخبار» و«دار الهلال» و«روز اليوسف» لتتخلق مع الزمن إمبراطورية الصحف القومية التى تضم ثماني مؤسسات كبرى تصدر عنها 55 مطبوعة صحفية بين يومية وأسبوعية وشهرية وفصلية! وخلال نصف القرن الذي انقضى منذ تأسست هذه الإمبراطورية أصدرت هذه المؤسسات صحفا يومية وأسبوعية ومجلات أسبوعية وشهرية ثم أغلقتها بسبب فداحة الخسائر ثم عادت وأصدرت غيرها وأغلقتها لنفس السبب ووصلت موجة هذه الإصدارات إلى ذروتها في تسعينيات القرن الماضي حين جددت إدارات هذه المؤسسات مطابعها بقرض من المعونة الأمريكية وتوهمت أن إصدار مزيد من الصحف كفيل باجتذاب القراء الذين انصرف بعضهم إلى قراءة الصحف الحزبية واجتذاب حصة من سوق الإعلانات التي كانت قد ازدهرت خلال تلك الفترة. لكن الريح جاءت بما لا تشتهي السفن إذ كان التليفزيون قد بدأ يجذب القراء والمعلنين ثم إن القاعدة التاريخية لقراء الصحف الورقية في مصر وهم موظفو الحكومة كانت قد بدأت تنصرف عن شرائها بسبب الارتفاع المتوالي في أسعارها التي لم تعد تتحمله دخولهم المحدودة فكانت النتيجة أن عانت الإصدارات الجديدة حالة من الركود حولها من مشروع يهدف أصحابه إلى مواجهة ما تعانيه هذه المؤسسات من مديونيات للبنوك العامة والخاصة ولوزارات ومصالح الحكومة المختلفة من الضرائب والتأمينات إلى التليفونات والكهرباء، إلى كابوس اقتصادي تزايدت معه الخسائر والمديونيات في الوقت الذي بدأت فيه الحكومة تبحث عن وسائل لتخفيض العجز في الموازنة العامة فبدأت تطالب هذه المؤسسات بسداد ما تراكم عليها من مديونيات واستجابت بعد إلحاح مديريها لمطلب تجميد المديونيات القديمة إلى أن تتم جدولتها بعد فترة سماح .. على أن تسدد هذه المؤسسات ما يستجد عليها من التزامات أولا بأول منذ عام 2006. وقامت ثورة 25 يناير 2011 لتزيل معظم العقبات القانونية والعرفية التي كانت تقف أمام حرية إصدار الصحف فصدرت صحف جديدة يمولها رجال الأعمال، اجتذبت معظم المواهب الصحفية التي كانت تعمل في الصحف القومية ومعظم القراء الذين كانوا يقبلون على قراءتها، فازداد وضع القومية تدهورا وقال البعض أن الآوان قد آن لكي ترفع الحكومة يدها عن الإعلام وأن تصغي الإمبراطورية الإعلامية التي تملكها بأن تخصخصها ليظل الإعلام حرا من أي تدخل حكومي، وقال البعض الآخر ان هناك ضرورة لكي تبقى الصحف القومية لتدافع عن المصالح الاجتماعية والعامة لأن الصحف التي يملكها رجال الأعمال لا تسعى إلاّ إلى الربح ولا يهمها إلا الدفاع عن مصالح أصحابها وان اختفاء الصحف القومية سوف يفتح الباب واسعا أمام تسلل رؤوس الأموال الأجنبية للسيطرة على سلاح من أهم أسلحة التأثير في الرأى العام .. بينما قال فريق ثالث إن الأزمة التي تعانيها الصحف القومية هي واحدة من أعراض الحالة الثورية التي تعانيها مصر بسبب التغيرات السياسية المتلاحقة التي شهدتها خلال الأعوام الثلاثة الماضية تتطلب رؤية متكاملة وخطة متدرجة لمراجعتها بدلا من القرارات المتسرعة بإغلاق الصحف وتشريد الصحفيين التي لن تزيد الأمور إلاّ تعقيدا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها