النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11695 الخميس  15 ابريل 2021 الموافق 3 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:53AM
  • الظهر
    11:38AM
  • العصر
    3:09PM
  • المغرب
    6:01PM
  • العشاء
    7:31PM

كتاب الايام

فخـــــــر تجــــــــــار البحــــــــريـــــــــن

رابط مختصر
العدد 9090 الجمعة 28 فبراير 2014 الموافق 28 ربيع الثاني 1435

يخلط الكثيرون بين إسمين متشابهين لشخصيتين مختلفتين وإنْ كانتا تتصلان بصلة قرابة. هاتان الشخصيتان هما: «مقبل عبدالرحمن الذكير» المتوفى في عنيزة في عام 1923 عن 80 عاما، وهو تاجر لؤلؤ نجدي اتخذ من البحرين مكانا لإقامته وتجارته وعُـرف عند البحرينيين بلقب «فخر التجار» بسبب ثرائه وسعة اطلاعه وعلاقاته الطيبة مع كل أطياف المجتمع، فضلا عن أعماله الكثيرة في مجال البر والإحسان والتثقيف وحماية هوية البحرين العربية الإسلامية، وابن عمه «مقبل عبدالعزيز الذكير» المولود في المدينة المنورة في عام 1882 والمتوفي في عام 1941 عن 63 عاما والذي ترك عنيزة في عام 1914 إلى الكويت وتعلم فيها قبل أن يعمل في التجارة في البحرين ويتنقل لهذا الغرض ما بينها وبين العراق والهند، لكنه كان أكثر شهرة في مجالي التأريخ والتأليف ـ من أشهر مؤلفاته كتاب»مطالع الصعود في تاريخ نجد وآل سعود» وكتاب «العقود الدرية في تاريخ البلاد النجدية» ـ كما تولى مالية الأحساء بتكليف من الملك عبدالعزيز آل سعود في عامي 1929 و1930 خلفا لمحمد أفندي. وينتمي الرجلان إلى فرع واحد من أسرة الذكير التي تنتسب إلى الفراهيد من الأساعدة من عتيبة، علما بأن الأساعدة من القبائل غير الوثنية قبل الإسلام ومنهم الصحابة: سهل بن سعد الساعدي، وأبو أسيد الساعدي، وأبو حميد الساعدي. أما الذكير فمعناه الذكي الفطن وهو لقب جدهم مقبل بن ماجد بن محمد بن صالح بن راشد بن محمد الأسعدي العتيبي. ويقول المؤرخ العراقي كاظم فنجان الحمامي في مقال له منشور في أحد المواقع الإلكترونية بتاريخ 12 يناير 2014 أن سبب هذا اللقب هو أنه في إحدى رحلات القوافل التجارية في عام 1747 كان الجد مقبل صبيا موهوبا ومفعما بالحركة والحيوية والنشاط، وتصادف وجود صبي آخر في القافلة نفسها يحمل إسم مقبل ويعمل كخادم، لكنه كان كسولا متقاعسا، فإذا ما نادوا عليه جاءهم مقبل الآخر ليلبي الطلب دون تأخير، ومنعا للالتباس أطلقوا على الأخير لقب الذكير كناية عن ذكائه ونباهته ووعيه، فكان اللقب في مكانه لأنه سرعان ما تألق بفطنته وذكائه في عالم التجارة وأورث تلك الخصال لأبنائه وأحفاده. وأسرة الذكير متوسطة العدد نزح جدهم في أواخر القرن الثاني عشر الهجري من مدينة الزلفي النجدية إلى مدينة عنيزة في إقليم القصيم بشمال وسط نجد حيث أقاموا وعملوا بالتجارة، قبل أن تهاجر فروع من الأسرة من القصيم نحو مناطق أخرى مجاورة للاستقرار والعمل. فبالإضافة إلى فرع مقبل عبدالرحمن الذكير الذي حل بالبحرين في عام 1870 هناك فرع آخر للعائلة استقر أفراده في الزبير والبصرة وبغداد، ومنهم الإخوة محمد وعبدالرحمن وأحمد الصالح الذكير، والإخوان سليمان وحمد المحمد الذكير وذلك طبقا لما كتبه في صحيفة الشرق الأوسط اللندنية في 20 نوفمبر 2011 المؤرخ والإعلامي السعودي السابق الأستاذ عبدالرحمن الشبيلي الذي أكد أن فروع العائلة رغم توزعها كانت على تواصل دائم قبل أن تعود إلى موطنها الأصلي وتسكن عنيزة والرياض وجدة والهفوف والخبر. وهناك من آل الذكير من نزح من البصرة إلى الكويت وتصاهر مع عائلات كويتية معروفة مثل: السهلي والغانم والعجيل والشملان الرومي والناجم والنامي والشويع والسرحان والعلي وغيرها. وستطرادا لما ذكره الشبيلي عن الأخوين سليمان وحمد المحمد الذكير إطلعتُ على ما كتبه عن الرجلين المؤرخ العراقي كاظم فنجان الحمامي في المقال المشار إليه آنفا، حيث قال عنهما إنهما عُـرفا عند الناس بالصدق في الوعود والعفة والنزاهة والكرم، وعدم التعالي على الناس قبل أن يصف سليمان بالوداعة وسعة البال والبشاشة ويصف شقيقه حمد بالصرامة والانضباط والإنصاف والعدالة. وطبقا للحمامي فإن سليمان ولد في نجد في عام 1875 واشتغل بالتجارة البرية في مدينة الكوت في عام 1886 ثم إنتقل إلى البصرة في عام 1892 حيث اشتغل بخطوط السفن البحرية المترددة ما بين البصرة والموانئ الهندية بدلا من العمل في تجارة القوافل البرية. أما حمد فجاء العراق من نجد في عام 1893 وعمل في التجارة مع أشقائه متنقلا بين ضاحية الحي في الكوت، وسوق الشيوخ في ذي قار، وقلعة صالح في العمارة، والزبير، والبصرة. ومما ذكره الحمامي أيضا أن آل الذكير في البصرة توسعت أعمالهم وأحرزوا سلسلة من النجاحات المتواصلة في المجالات التجارية والملاحية والزراعية والثقافية والاجتماعية خصوصا حينما صار النجل الأكبر لسليمان وإسمه عبد الله عميدا للعائلة. إذ «كان هذا الرجل من النخبة المنتخبة في البصرة، وكان ديوانه عامراً بالقضاة والأدباء والسياسيين وكبار التجار وأصحاب الوكالات البحرية العالمية، وكان مركزه التجاري مصمماً على الطريقة الأوربية المعاصرة، حيث تلمس ملامح التخطيط الإداري المتحضر، وتجد السجلات المنظمة، والحسابات المبوبة، ووصولات التسليم والاستلام، والملفات الموحدة، والطابعات والمكاتب والدواليب والخزانات الحديثة، والموظفين الأكفاء من حملة الشهادات العليا». وما يهمنا في هذا المقال هو التعريف بـ «فخر التجار» مقبل عبدالرحمن الذكير» تحديدا وبيان دوره السياسي والتجاري والاجتماعي والثقافي في تاريخ البحرين. المعروف أن الرجل انصرف إلى تجارة اللؤلؤ، بل تعامل في وقت مبكر جدا مع مصمم المجوهرات الفرنسي الشهير «جاك كارتييه» ـ وهذا هو النطق الصحيح لإسمه وليس كارتيير ـ، بدليل الصورة الفوتوغرافية الشهيرة الملتقطة في عام 1911 أثناء زيارة كارتييه للبحرين والتي تجمعهما مع يوسف بن أحمد كانو وشخص ثالث قيل أنه إما «سلمان بن مطر» أو «علي بن إبراهيم الزياني» أو «الحاج أحمد بن خميس» وكلهم من كبار طواويش البحرين. وفيها يبدو الذكير جالسا إلى يمين مسيو كارتييه بمشلحه وعصاته وعقاله المميز. غير أن نشاط الذكير لم يقتصر على الجانب التجاري فقط، إذ أنه اهتم أيضا بطباعة العديد من كتب الفقه والتفسير واللغة والعقائد على نفقته الخاصة في مصر والهند ووزعها في عموم بلدان الخليج، وبادر في ثلاثينيات القرن الماضي إلى تأسيس أول مكتبة عامة في مسقط رأسه في عنيزة وهي المكتبة التي إضطر إلى نقلها إلى الرياض بسبب إعتراضات بعض المتشددين، وساهم مساهمة جمة مع صديقه يوسف بن أحمد كانو في التصدي لمحاولات التنصير التي كانت تقودها الإرساليات التبشيرية الإنجليزية والأمريكية في البحرين في مطلع القرن العشرين من خلال المكتبة والمدرسة والمستشفى وذلك عبر تأسيس «النادي الأدبي الإسلامي» في عام 1913 في سوق المنامة في مواجهة مكتبة الإرسالية الأمريكية. وقد تفرع عن هذا النادي مدرسة إسلامية حرص الذكير وكانو على توطيد أركانها وترغيب جمهور المثقفين في دروسها وفعالياتها بتولية إدارتها إلى شخصية معروفة ذي علم وبصيرة وكفاءة إدارية، فجلبوا لها من البصرة كمدير العلامة محمد بن عبدالعزيز المانع ـ تولى لاحقا رئاسة المديرية العامة للمعارف في السعودية ورئاسة القضاء في قطر ـ الذي كان أحد تلامذة المصلح المصري المعروف الإمام محمد عبده، وهو ما أدى إلى إستقطاب المدرسة والنادي للمزيد من طلبة العلم والمعرفة على حساب مكتبة ومدرسة الإرساليات الأجنبية. ومما يذكر عن هذه المدرسة أنها كانت تدرّس العلوم الرياضية والفلكية إلى جانب العلوم الفقهية واللغوية والقرآنية، وكان من ضمن طلابها أحمد حسن إبراهيم وعبدالرحمن مقبل الذكير وأحمد بن قاسم المهزع وغيرهم. إلى ما سبق كانت للذكير مواقف وطنية تجسدت في دعمه للمجاهدين الليبيين ضد الطليان بقيادة الشريف أحمد السنوسي بالمال والسلاح، كما كانت له أياد بيضاء كثيرة على الفقراء والمحتاجين في البحرين تمثلت في الصدقات الجارية وإغاثة المعسرين وعمارة بيوت الله وحفر الآبار. فلا غرابة بعد ذلك أن يصفه الشيخ محمد بن عبدالعزيز المانع بـ «الطاهرالنقي، والعابد التقي، الناسك البار الأواه، الباذل في سبيل الله طلبا لرضاه» ويقول عنه أن له من أعمال الخير والبر والإحسان ما يعجز عن القيام به غالب الناس. ولعل أحد الشواهد على صحة ما أسلفنا المسجد المعروف بـ «مسجد مجبل» جنوب فريج الفاضل في شارع الحضرمي بالمنامة. وهو مسجد تولى بناء منارته «يوسف بن أحمد الخاجة» يوم أن وصل البحرين من بلاد فارس وامتهن البناء أي قبل أن يصبح تاجر أقمشة معروف في سوق البز بالمنامة ويجعل من أحد دكاكين السوق وقفا على مؤذني المسجد الذي بنى منارته. ومن الذين خصصوا أيضا عدة دكاكين في عام 1935 كوقف على مسجد مجبل الوجيه عبدالعزيز العلي البسام. أما الشيخ خليفة بن محمد بن خليفة بن سلمان بن أحمد «الفاتح» فكان وقفه للمسجد المذكور عبارة عن نخل مشاع بقرية عالي. إن هذا الدور الثقافي والاجتماعي الناصع للتاجر مقبل عبدالرحمن الذكير، إضافة إلى علاقاته الوثيقة مع ثلة من الشخصيات المعروفة في الدول العربية هو الذي دفع الشيخ الأديب إبراهيم بن محمد آل خليفة في عام 1890 إلى تكليفه بجلب المجلات المصرية إلى البحرين وتوفيرها للمتعطشين للعلم ومعرفة ما يدور في العالم من تطورات وحراك، وذلك نزولا عند رغبة رواد مجلس الشيخ إبراهيم بالمحرق. وهكذا صار منزل الذكير في شرق المنامة وناديه الإسلامي ومجلس الشيخ إبراهيم في المحرق مقصدا لمن يريد قراءة مجلات المقتطف والمنار والمقطم والهلال والعروة الوثقى وغيرها من المجلات المصرية التي لعبت دورا في تشكيل وعي رجالات البحرين من الرعيل الأول. وفي هذا السياق يورد الباحث المهتم بأعلام البحرين «بشار يوسف الحادي» في مدونته نقلا عن الشيخ محمد صالح بن يوسف خنجي أن الذكير قام بما كــُلف به خير قيام بفضل علمه أولا ثم بسبب وجود وكلاء له في الهند وشرق أفريقيا والبلاد العربية وأوروبا. وكجزء من دوره الثقافي والتنويري عُـرف عن الذكير تواصله مع أقرانه من تجار وأعيان ومثقفين في الخليج والدول العربية عبر المراسلات. وقد نشر بشار الحادي في مدونته بعضا من هذه المراسلات التي شملت رسائل إلى الشيخ محمود شكري الألوسي في العراق في عامي 1893 و1909، وإلى الشيخ محمد بن عبدالرزاق آل محمود في قطر في عام 1903، وإلى الشيخ أبوبكر بن عبدالله الملا في الأحساء في أعوام 1912 و1913 و1919، وإلى صاحب المنار الشيخ محمد رشيد رضا في مصر في عام 1903. لكن ماذا عن الدور السياسي الذي لعبه مقبل بن عبدالرحمن الذكير أثناء إقامته في البحرين في سنوات شهدت الكثير من التحولات السياسية في الجزيرة العربية؟ هذا السؤال يجيب عليه عبدالرحمن الشبيلي المذكور آنفا فيقول نقلا عما ورد في وثائق محفوظة في خزانة الوثائق الوطنية بدارة الملك عبدالعزيز آل سعود أن الأخير كان يعتمد على مقبل بن عبدالرحمن الذكير في البحرين في حدود عام 1914 ويستخدمه كهمزة وصل مع الأتراك العثمانيين في الأحساء خصوصا وأنه ـ أي الذكير ـ كان من رعايا الدولة العثمانية حتى تاريخه طبقا لأرشيف حكومة الهند البريطانية الخاص بأعلام الخليج في تلك الحقبة والذي ورد فيه أيضا أن الذكير كان يحظى باحترام حكام البحرين من آل خليفة الكرام، ويجيد الهندية، ويملك مساكن في البحرين ونجد، وكان ضمن من اقترحوا إنشاء أول بنك تجاري في البحرين، ناهيك عن الإشارة إلى ثرائه وامتلاكه لإحدى أوائل السيارات التي جـُلبت إلى البحرين من أوروبا. ويُعتقد أن دور الذكير السياسي المشار إليه توطد بعد زواج الملك عبدالعزيز في عنيزة من ابنة أخيه ـ لولوة اليحيى بن عبدالرحمن الذكير ـ وبالمثل زادت ثقة العاهل السعودي الكبير في مقبل عبدالعزيز الذكير أثناء عمل الأخير كتاجر في البحرين، فاعتمد عليه في مسائل توريد المواد التموينية. ويضيف الشبيلي: «تشير المعلومات التاريخية إلى أن سليمان وحمد الذكير في البصرة، السابق ذكرهما، كانا أيضا على صلة بالملك عبدالعزيز من خلال تلبية أوامره بتزويد البلاد بإحتياجاتها التموينية في مرحلة تأسيس المملكة العربية السعودية». بقي أن نذكر الأسباب التي دفعت الذكير وهو في سن الشيخوخة إلى ترك البحرين التي أقام فيها قرابة 40 عاما وعشقها وبادله أهلها الود بالود، والعودة إلى مسقط رأسه في عنيزة حيث لقي وجه ربه في ليلة القدر المباركة بعد أن بنى فيها مدرسة وسكنا لمدرسيها. هنا تتضارب التفاسير! فالبعض يقول أنه خسر الكثير في تجارته بسبب ظروف الحرب العالمية الأولى فآثر أن يعود إلى أهله وعشيرته قبل أن يفقد كل شيء، بينما البعض يحمل المسؤولية إلى السلطات البريطانية التي ربما كانت تضايقه بسبب نشاطه المعادي لمحاولات التنصير.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها