النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11703 الجمعة 23 ابريل 2021 الموافق 11 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:44AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:07PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    7:35PM

كتاب الايام

كان يا ما كان.. في «فريج رأس رمان»

رابط مختصر
العدد 9083 الجمعة 21 فبراير 2014 الموافق 21 ربيع الثاني 1435

كان يا ماكان.. في قديم الزمان.. في «فريج رأس رمان».. قصر يعلوه أسدان.. يـُشار إليهما بالبنان. هذا القصر الرائع الذي أنفق على تصميمه ومواده ونقوشه بسخاء، وجـُند لبنائه أفضل وأمهر البنائين من أبناء البحرين والهند وبر فارس العربي، وعلى رأسهم رئيس البائين آنذاك الأستاذ محمد أمين والد الطبيب والمؤرخ ووكيل وزارة الثقافة السابق الدكتور عيسى أمين، من أجل أن يغدو البناء تحفة لا نظير لها في البحرين والخليج، ويليق بمكانة وثراء صاحبه، هو المبنى الذي عـُرف عند البحرينيين منذ عشرينات القرن الماضي باسم «بيت عرشي»، والذي كان قائما على مساحة واسعة من الأرض عند مدخل منطقة «رأس رمان» في المكان الملاصق للسفارة البريطانية في المنامة حاليا، وهو نفس المكان الذي كان في السابق سكنا خاصا للمستشار تشالز بلغريف. وطبقا لما كتبه صديقنا المؤرخ خليل محمد المريخي في صحيفة أخبار الخليج فإن هذا المبنى استأجره في الستينات ثري هندي، وحوله إلى فندق تحت اسم «فندق تاج محل». غير ان هذا الفندق لم يستمر طويلا بسبب انصراف صاحبه إلى مشاريع تجارية أخرى، بينما ظل المبنى صامدا يصارع رياح الزمن وتقلباته إلى أن تم هدمه لاستغلال موقعه في اقامة مركز ابن سينا الحالي الذي افتتحه سمو رئيس الوزراء الموقر الامير خليفة بن سلمان في عام 1977. أما سبب إطلاق إسم «فاروق» على هذه التحفة المعمارية فهو نسبة إلى أصحابه من عائلة فاروق عرشي التي كان عميدها في ذلك الوقت تاجر اللؤلؤ المشهور «محمد فاروق بن محمد عقيل عرشي» علم من أعلام المال وتجارة اللؤلؤ في الخليج العربي والهند وأوروبا، وبلغ من الثراء حدا لم يبلغه أحد من معاصريه في ذلك الوقت. وطبقا للروايات التاريخية المتداولة على ألسن الاشخاص الذين عاصروا تلك الحقبة، كان هذا البيت مقرا وسكنا لمحمد فاروق عرشي حينما كان يحضر الى البحرين من باريس ولندن لفترات قصيرة في السنة -شهرا أو شهرين- من أجل شراء اللؤلؤ من جميع دول الخليج العربية وأخذه الى بـَمـْبي لتصنيعه في أشكال عقود وحلي قبل تسويقها في أوروبا لملوك وملكات وأمراء وأميرات ذلك الزمن. وقد عُــرف بيت فاروق بأنه كان مكانا لتجمع البحرينيين في المناسبات القومية والوطنية مثل نكبة فلسطين (عام 1948) وأحداث السويس (عام 1956). كما استخدمه الجيش البريطاني كثكنة عسكرية لضباطه وقواته من أجل مواجهة تهديدات الزعيم العراقي الراحل عبدالكريم قاسم بغزو الكويت في عام 1960. وحول هذا القصر كتب «إبراهيم كمال الدين» القيادي في جمعية «وعد» المعارضة نصا في نشرة جمعيته السياسية رقم 58 خصصه لتفسير أمر ظل طويلا مبعث تساؤلات العموم وهو سبب وضع آل عرشي لأسدين فوق الواجهة العليا لقصرهم المذكور، حيث ظن بعض الجهلة أن الأسدين مستوحيان من شعار الإمبراطورية الإيرانية البهلوية، وبالتالي فهما دليل على الهوى الإيراني لأسرة آل عرشي وولائها للشاهنشاهية. ولئن قام «إبراهيم كمال الدين» بتبديد هذا الفهم الخاطئ، فإنه لم يفعل ذلك من أجل إبراز الحقيقة وإنما ليصل إلى استنتاج معين يغمز به من قناة نظام بلده. ومختصر ما قاله نقلا عن والده المرحوم السيد علي كمال الدين أحد قادة هيئة الاتحاد الوطني في الخمسينات هو أن آل عرشي بعد أن أتموا بناء تحفتهم المعمارية خافوا أن يضع أحد من ذوي النفوذ يده عليها ويستملكها رغما عنهم، فتداولو الأمر مع المعتمد البريطاني «الباليوز» الذي نصحهم بوضع الشعار الملكي البريطاني المكون من أسدين متواجهين فوق قصرهم كي لا يجرؤ أحد على الاقتراب منه، فما كان من آل عرشي إلا أن استجابوا للنصيحة وثبتوا تمثالا جميلا مصنوعا باتقان لأسدين فوق قصرهم. وطبقا للمعلومات التاريخية هاجر آل عرشي من موطنهم الأصلي في المدينة المنورة الي بستك في بر فارس العربي، وبستك معناها المنطقة المغلقة وهي إحدى المدن القديمة المحاطة بالجبال في جنوب إيران، وكانت في الماضي، حينما كانت تحت حكم عوائل شريفة من نسل الخلفاء العباسيين الذين هربوا من بغداد تفاديا لمجازر هولاكو، مكانا لاستراحة القوافل التجارية. أما سكانها البالغ عددهم في عام 2006 نحو تسعة آلاف نسمة فجميعهم من السنة الشوافع، ومن بستك نزح آل عرشي الى ميناء لنجة، حينما كان هذا الميناء الشهير تحت حكم القواسم الكرام من حكام الشارقة ورأس الخيمة في القرن التاسع عشر الميلادي وما قبله، حيث زاولوا تجارة اللؤلؤ والذهب والالماس وغيرها من الاحجار الكريمة إضافة إلى تجارة المواد الغذائية بكافة اشكالها من أرز وسكر ودقيق وغيره. ومن لنجه التي تبعد عن «بستك» نحو 170 كيلومترا انطلق آل عرشي إلى أصقاع العالم والخليج العربي والهند وأوروبا حيث أنشؤوا مكاتب تجارية في عدة مدن مثل دبي والبحرين وبمبي وكراشي. كما أسسوا لهم مكاتب تجارية أخرى في لندن، إضافة إلى باريس حيث كان مقرهم في شارع لافاييت -رو لافاييت- المعروف الذي يضم أشهر محلات المجوهرات وكان يضم أيضا مكاتب بعض التجار الخليجيين المتعاملين في اللآلي من أمثال الحاج محمد علي زينل. واستنادا إلى معلومات استقيتها من كتاب «تاريخ لنجة» لمؤلفته «كاملة عبدالله القاسمي»، وكتاب «تاريخ الغوص على اللؤلؤ في الكويت والخليج العربي» لمؤلفه «مرزوق سيف الشملان» فإن آل عرشي كان لهم شأن عظيم في بـَمـْبي وإنهم عملوا على تصنيع المجوهرات والحلي من اللالئ الطبيعية الفاخرة التي كانوا يجلبونها من الخليج العربي، وخصوصا من البحرين، كما تعلموا من الهنود الكثير لجهة تصنيفات اللؤلؤ الطبيعي ومكاييله وأنواعه، والأساليب التجارية الحديثة، وإجادة اللغات الأجنبية، والتعرف على عـُلية القوم من الأثرياء المحليين والأجانب. وقد عــُرف عن عميد الأسرة «محمد فاروق عرشي» إجادته للغات الانجليزية والفرنسية والهندية والاردو الي جانب اللغة العربية والفارسية بطبيعة الحال. ويكفي دليلا على صحة ما نقول ان الرجل كان يحفظ قصائد من الشعر بكل هذه اللغات. وكنتيجة لاشتغال العائلة بتجارة الأحجار الكريمة وانفتاح أفرادها على متطلبات العصر من علوم ومعارف وتكوين علاقات وأواصر مع المتنفذين ورجال الأعمال في الهند ومنطقة الخليج العربي وأوروبا كوّنوا ثروة باهظة كان من الصعب على رجال الزمن الماضي تقديرها بالأرقام. لكن المؤرخ الإماراتي الأستاذ عبدالغفار حسين قال، في أمسية له عن تاريخ دبي الاقتصادي والتجاري، نقل تفاصيلها «وجيه عبدالعاطي» في صحيفة البيان الإماراتية في يونيو 2003، أن ثروة محمد فاروق عرشي قدرت بحوالي عشرة ملايين روبية في عام 1903، في الواقع كانت ثروته تفوق ذلك الرقم، الذي يساوي اليوم المليارات من الدراهم، بعدة مرات. وحينما بدأت البواخر التجارية تتحول بحمولاتها إلى دبي كبديل لميناء لنجة بسبب أفول نجم الأخيرة جراء استيلاء الحكومة المركزية في إيران عليها وتأجيرها للبلجيكيين الذين فرضوا رسوما وقيودا غير مسبوقة على التجار، ثم بسبب انتهاء حكم القواسم على لنجة بخروج آخر شيوخهم وهو «محمد بن خليفة القاسمي»، ناهيك عما قدمه الشيخ مكتوم بن حشر آل مكتوم جد المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم حاكم دبي الأسبق من تسهيلات لاستقطاب المشتغلين بالتجارة آنذاك، حلّ آل عرشي في دبي واتخذوا منها مركزا لتجارتهم. ولعل أحد الأدلة الأخرى على ثراء آل عرشي ما ذكر في العديد من المواقع الإلكترونية نقلا عن بعض الكتب التاريخية والمرويات الشفهية المتداولة من أنّ «محمد فاروق عرشي البستكي» تقدم للزواج من كريمة حاكم لنجة الشيخ محمد بن خليفة القاسمي فرفض طلبه بحجة أنه أعجمي. وحينما أثبت لهم أصوله العربية، قالوا له -من باب التعجيز- نريد مهرها ذهبا يساوي وزنها، فلم يتردد محمد فاروق عرشي في الاستجابة للطلب واقترن بها بعد أن دفع كما من الذهب عادل وزن العروس. غير ان زواج فاروق بالشيخة القاسمية لم يستمر طويلا لأسباب يطول شرحها. فكانت زيجته التالية بعد وقت قصير من ابنة جنرال في الجيش الفرنسي التقاها وأعجب بها في حفل أثناء إقامته في باريس. وكان هذا الجنرال من أصول تونسية ويدعى «مصطفى بن خير الله»، ومما ذكرته لي مصادر العائلة أن الجنرال خير الله رفض أن يقترن فاروق بابنته في بادئ الأمر، على الرغم من تمتع فاروق وقتذاك بالجنسية البريطانية التي كان قد حصل عليها أثناء إقامته في بمبي زمن حكومة الهند البريطانية، إذ قال له ما معناه: «ومن تكون أنت حتى تقترن بابنة جنرال في الجيش الفرنسي؟» فما كان من محمد فاروق عرشي إلا أن أشار على الجنرال بالسؤال عنه لدى المصارف البريطانية والفرنسية. وكانت دهشة الجنرال كبيرة حينما عرف أن من يريد الزواج من ابنته هو واحد من أثرى أثرياء عصره، بل زادت دهشة الجنرال خير الله يوم أن أحضر فاروق لعروسه «شبكة» زواج من الألماس الحر النادر. وقد كانت ثمرة هذه الزيجة ابنة حصلت على الجنسية التونسية بعد استقلال تونس، واختارها الرئيس التونسي الأسبق المجاهد الأكبر الحبيب بورقيبة لتعمل في السلك الدبلوماسي. فعينها أولا سفيرة في السنغال ثم سفيرة في بريطانيا ثم مندوبة دائمة لجمهورية تونس في الامم المتحدة. وبعد ذلك اختارها بورقيبة لتعمل إلى جانبه كمساعدة شخصية له، بسبب مؤهلاتها وتعليمها العالي في جامعة السوربون بباريس وإجادتها لسبع لغات هي: العربية والفرنسية والانجليزية والفارسية والالمانية والاسبانية والايطالية. لم يقتصر بناء آل عرشي للقصور المتميزة على البحرين، بل تملكوا أفخم المنازل وأكثرها جمالا في كل بقعة استوطنوها أو كانوا يترددون عليها باستمرار، وحرصوا دائما أن تكون بالقرب من السفارة البريطانية لأسباب أمنية. فإضافة إلى القصر الذي بنوه في المنامة شيدوا بيوتا في عدة مدن أخرى مثل بمبي وكراتشي وباريس ودبي. فمثلا في كراتشي شيدوا قصرا أطلقوا عليه «لطيفة منزل» وهو نفس الاسم الذي اقتبسه أحد الباكستانيين لإطلاقه على منزله الضخم كان قائما حتى أوائل السبعينات في «فريج العوضية» بالمنامة. وفي دبي شيدوا منازل متميزة بضخامتها واتساعها ونقوشها الفريدة في «منطقة البستكية» التراثية الحالية بالقرب من قلعة الفهيدي مقر الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم حاكم دبي الأسبق رحمه الله. كان لمحمد فاروق عرشي اخ يــُدعى احمد عرشي عــُرف في المنطقة باسم أحمد فاروق عرشي نسبة الى اخيه الأكبر محمد فاروق. وقد أنجب أحمد فاروق ابنا هو محمد عقيل الذي أنجب بدوره عددا من الأبناء هم: صديق وصلاح وفيصل ومحمود وابنة هي الكاتبة الاسلامية سلطانة عرشي. ومن الذين ينتسبون إلى عائلة عرشي في البحرين «فريدة عرشي» التي عملت مديرا لمكتب وزيرالتجارة والزراعة الأسبق الأستاذ حبيب أحمد قاسم، و»أمل عرشي» التي نالت مؤخرا درجة الماجستير من كلية الحقوق بجامعة الإسكندرية عن أطروحتها الموسومة بـ»الرقابة على دستورية القوانين في مملكة البحرين». ويقول الصديق الاستاذ إسماعيل محمد علي القريب من عائلة عرشي نقلا عن كبار السن أن محمد فاروق عرشي حينما كان يعود إلى البحرين من أسفاره كان يـُحضر معه هدايا ثمينة لاهدائها إلى أصدقائه ومعارفه كما كان يـُعطي مبالغ نقدية سخية للبعض. ومن بين هذه الهدايا ساعات معصم فريدة في شكلها وثمينة في قيمتها ويُقال ان إحدى هذه الساعات ذهبت الي السيدة عائشة خنجي قرينة الوجيه المعروف حسين يتيم كهدية من محمد فاروق عرشي بمناسبة عودته إلى البحرين في إحدى المرات من أسفاره في أوروبا والهند. تنويه: عائلة كانو من عوائل البحرين العريقة ولها تاريخ طويل في الحقلين الاقتصادي والتجاري ولها أياد بيضاء كثيرة في مجال البر والإحسان، ولهذا السبب كان المفترض أن تتلو مقال الأسبوع الماضي سلسلة مقالات تسلط الضوء على مسيرة العائلة وأبنائها في أعقاب وفاة المؤسس يوسف بن أحمد كانو رحمه الله، وذلك من أجل توعية الأجيال الجديدة بما بذله الرعيل الأول من تعب وكد ومشقة حتى بلغوا ما بلغوه من ريادة وجاه. لكن يبدو أن البعض تتملكه الحساسية مما يرد في مقالاتي غير السياسية هذه، فيصفه بالإساءات أو المغالطات، بينما يطالب البعض الآخر بضرورة اطلاعه على المقال قبل نشره، وهو ما أعتبره حقا حصريا لرئيس تحرير «الأيام» دون سواه، لذا أعتذر عن إكمال تلك المقالات ونشرها. وإني إذ أعتذر لعميد عائلة كانو الكريمة العم مبارك عن أي معلومة غير صحيحة وردت دون قصد في مقال الجمعة الماضية، فإني أؤكد أني لا أكتب هذه السلسة من المقالات الأسبوعية على هواي، وإنما ككل باحث في التاريخ، أستند إلى مصادر متعددة ومتنوعة. فمقالي عن المرحوم يوسف بن أحمد كانو اعتمد بصفة أساسية على أرشيف حكومة الهند البريطانية وما كتبه المؤرخ «مايكل فيلد» الذي استند بدوره على هذا الأرشيف وما به من مراسلات ووثائق وأخبار. ثم اعتمدتُ بصفة ثانوية على مذكرات السير تشارلز بلغريف وكتاب أحد أبناء أسرة كانو نفسها وهو الوجيه خالد محمد كانو، فضلا عن الكتاب الذي وضعه الزميل الأستاذ خالد البسام عن المرحوم العم علي أحمد كانو بتكليف من العائلة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها