النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

مطارحات

تأثيث العزلة وتأمين الشيخوخة المبكرة!

رابط مختصر
العدد 9081 الأربعاء 19 فبراير 2014 الموافق 19 ربيع الثاني 1435

من اين جاءت هذه القدرة العجيبة لدى البعض على ممارسة فن «تدوير» الكذب إلى ما لا نهاية، ليصير حقيقة ساطعة؟ لماذا هذه الطاقة العجيبة لجعل شطر المائة عشرين، وضعف الخمسة سبعين، ومجموع واحد زائد واحد ثلاثة وثلاثين، خمسة ضرب واحد تساوي صفرا؟ من أين لنا مثل هذه العبقرية الفذة التي لا مثيل لها في العالم وفي الحضارات القديمة والجديدة؟ ولماذا يظل هؤلاء غير قادرين على إجراء عمليات الجمع والضرب والقسمة والخفض وفق المنطق الرياضي البسيط؟ لماذا يظل هؤلاء يتلاعبون بالكلمات والبيانات الثقافية المثقفة المتعالية؟ إلى متى يظلون يداهنون ويواربون ويتكتكون في لعبة التوصيف الثقافي الجدي والهزلي على حد سواء متجنبين توصيف الوضع على حقيقته ورفع أصواتهم ضد التسلط الجديد القادم من افق القداسة وسخف الطائفية!؟ لماذا تظل علاقة المثقف بالسلطة «أي سلطة» لا تخرج عن احتواء أو استعداء، يتحول فيهما المثقف بموجب الأولى إلى حارس مرمى «مع مراعاة فروق التشبيه»، ويتحول في الثانية إلى اعتلاء منصة المهمشين أو المنبوذين والمقاطعين في انتظار أن يلتحق بصفوف المغضوب عليهم والضالين؟ الا توجد مساحة أخرى ما بين الجنة والنار؟ مساحة بين الاحتواء والعداء تجعل من المثقف مرشدا ومنورا فاعلا وضميرا حياّ لا يخشى في الحق لومة لائم؟ لقد بينت تجارب التاريخ الإنساني القديم والحديث أن المثقف لن يكون في موقع الهادي المنير المستنير، إلا إذا كان «مستقلا» ليس بمعنى العزلة أو الجلوس على الربوة «مثلما يفعل بعض مثقفينا اليوم في معركة الاستقلال والاستنارة في مواجهة تسلط القداسة والتبعية» الاستقلالية تعني الاستقلال عن الهوى والطمع المحسوب بالملي، والاستقلال يعني الانحياز للحق لأنه حق في ذاته، والاستقلال يعنى القدرة على ممارسة النقد الذاتي أولا، والنقد في موقع النقد والثناء في موقع الثناء، وأن يكون المثقف هادما لما يجب هدمه، وبناء في موقع البناء وان لا يكون منعزلا عن تيار الحياة مضطلعا بمسؤوليته التاريخية والتنويرية في مواجهة السفه والكذب والاستغباء والطائفية العمياء... المثقف لا يكون مؤثرا إلا إذا كان مستقلا «عن السلطة والمعارضة معا وعن الطمع والهوى»، ولن يكون مستقلا إلا إذا كان مستور الحال مقضي الحاجة، لا تضطره الفاقة والعوز إلى إراقة ماء الوجه والتكفف الفاضح وبيع النفس والعقل والروح. ولذلك تنبهت السلطة المستنيرة على مدار التاريخ إلى ذلك فأعطت للمثقف «إذا كانت له قيمة معرفية في مدارج الحكمة عالية المكانة» كل ما به يكون مستقلا وما يضمن استقلاله -تماما مثل القاضي- لتستثمر فيه العلم والحكمة بدلا من ان يكون مجرد مزين لها، لأنها تعلم علم اليقين أن المثقف إذا دار في فلكها وتمتع بنعيمها وجاهها، أصبح مسلوب إرادة العقل، تروضه «الأشياء» وتراوده على نفسه الأمارة بالتسوّل، خاصة عندما تداويه بالتي كانت هي الداء، فتسطر له خطوط طول العقل، وخطوط عرض القلم وألوان بنات الأفكار، وسواء أكان خطابه مقنعا أو مقنّعا، فغايته الأولى والأخيرة إرضاؤها لا تنويرها وإنارتها، ولأنه عندما يعمل على إرضائه، فان ذلك يترجم إلى منافع وفوائد منثورة، قد تصرّف أوراقا نقدية أو صكوكا بنكية، وقد تصرّف في اشكال اخرى، فلكل مجتهد نصيب، ولكل عرض طلب وفق قانون سوق الأخلاق المنقولة، وفي هذه السوق نرى لزاما التوقف «دقيقة صمت» حدادا وترحما على قيم الحقيقة والحرية والعدالة والموضوعية والصدق.. فإذا عاش المثقف في الركاب، صار بوقا، محسوبا، تابعا، يلحقه ما يلحق المتبوع من انتكاسات ومن عداوات طالما أنه يتطابق معه ويتماهى معه وأعرب عن استعداده ليكون الوجه الثاني للعملة، وسواء طال زواج المتعة بينهما أو قصر فلا بدّ أن ينتهي بطلاق التراضي إذا افترضنا أننا إزاء علاقة لا تلتهم أبناءها، وعندما يفقد المثقف مصداقيته لا تعود هنالك حاجة له ولخدماته لأنه يصبح اسما عاريا عن كل حقيقة، وكل أوراقه مكشوفة، ولأنه لن يرضى في كل الأحوال بشرف المحاولة، بل سيظل يناور ويساوم، علّه يظفر بما يؤثث به عزلته، ويؤمن شيخوخته المبكرة، لأن أقلام الحراسة لا تحرس سوى مصالحها قبل أن تحرس مصالح الحقيقة، وتحمي قلاعها قبل أن تحمي قلاع المصلحة العامة، وتدافع عن شرعيتها قبل أن تدافع عن كل شرعية، فهي المنطلق والمنتهى والباث والمتقبل، والسائل والمسؤول. ولا يقل خطورة عن مثل هذا الموقف ذلك الانسحاب الصامت من الحياة الثقافية والسياسة عامة، أو اللا مبالاة كعنوان للتدمير الصامت للذات، خلية خلية لكيلا يسهم المثقف في الحياة وهو من كان يحلم بواقع أفضل، وهذا ما نلاحظه حاليا بين أوساط مثقفينا الذين فضلوا الانسحاب من الحراك ومن الحوار على حد سواء، ولذلك لم «يعبأ بهم أحد». وإذا كان جيل النهضة العربية الأولى قد رسم لنا طريق الأمل نحو «استعادة» الحياة فكرياً وثقافياً، فإن جيل الاستقلال الأول قد فشل في ترجمة الأحلام الثقافية إلى واقع. حتى في أشد التجارب العربية الثقافية تقدمية واستنارة، فلقد بقيت نفس تلك الأفكار التقليدية سائدة، وبقيت نفس الفوضى الفكرية والثقافية قائمة، بل حتى مساحة الجرأة والحرية الفكرية تقلصت بالقياس إلى عصر طه حسين ولطفي السيد وقاسم أمين وقاسم حداد وعلي عبدالرازق مثلاً. أما اليوم فالانتحار أو الانسحاب هما السائدان. ولله الامر من قبل ومن بعد.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها