النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11561 الأربعاء 2 ديسمبر 2020 الموافق 17 ربيع الآخر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:45AM
  • الظهر
    11:27AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

مطارحات

حول تجفيف منابع التعصب.. هوامش حول «وثيقة لا للكرا

رابط مختصر
العدد 9079 الاثنين 17 فبراير 2014 الموافق 17 ربيع الثاني 1435

إطلاق الوثائق تباعا ظاهرة جديرة بالانتباه في عمل الجمعيات المعارضة، من حيث تواترها وتنوعها «وثيقة المنامة، وثيقة المبادئ والقيم والمصالح المشتركة، وثيقة مبادئ اللاعنف، وثيقة لا للكراهية»، إذ جاء إطلاق هذه الوثائق ضمن برنامج سياسي جبهوي يجمع بين عدد من الجمعيات السياسية، يعكس سعي هذه الجمعيات إلى التأسيس السياسي والدستوري، ويعكس تفاعلها مع التحولات والتطورات السياسية المحلية والإقليمية والدولية، إلا أن هذه الوثائق في مجملها تدور حول نفس الهواجس والرؤى التي تشغل بال المعارضة في معركتها من اجل السلطة، بما في ذلك العمل على دمج القيم العالمية ضمن هذه الرؤية ودمج العامل الخارجي في المعادلة المحلية لتغيير موازين القوى القائمة. ويأتي إطلاق وثيقة «لا للكراهية» ضمن هذا السياق، بعد أن وجه جلالة الملك إلى محاربة التطرف والكراهية التي بدأت تنتشر في الخطاب والممارسات وضرورة حماية المسار الديمقراطي والحفاظ على جو التعايش وقبول الآخر الذي يتميز به المجتمع البحريني، والتصدي لمحاولات تغذية وبث روح الكراهية والاستقطاب الطائفي والتعصب المذهبي وتأجيجها من خلال اتخاذ إجراءات وقائية تحمي تماسك المجتمع البحريني من دعاة الكراهية. والمطالع لهذه الوثيقة -بغض النظر عن توقيت اطلاقها الذي جاء استباقا لأي جهد رسمي- يلاحظ ان مضمونها لا خلاف عليه من حيث المبدأ، رغم المحاولات الواضحة للزج بالصياغات السياسية المخصوصة والانتقائية التي لا علاقة لها بأصل الموضوع ضمنها زجا لا يخلو من التعسف السياسي والقانوني، ولعل المقاربة الموضوعية لهذه الوثيقة تبدي لنا بعض هذه التفاصيل: أولاً: من حيث الغاية من إطلاق الوثيقة: إن الهدف يدور حول محاربة ثقافة الكراهية والعنف والتعصب والدعوة الى التسامح السياسي والديني والفكري، إلا أنه يستنتج من الوثيقة ومن لغتها ومرجعاتها ومنظورها القانوني هو العمل على تدويل آليات مكافحة الكراهية، وهذا واضح من نص الفقرة «رابعاً» التي تنص على إنشاء «لجنة خاصة تستقبل ادعاءات وشكاوى التحريض على الكراهية، بالاستفادة من تشكيلها من خبراء دوليين مختصين ترشحهم المفوضية السامية لحقوق الإنسان، تتولى بحث الادعاءات التي تستقبلها في هذا الشأن، وتبت فيها بموجب المعايير الدولية وتتولى حصريا إحالة ما يشكل تحريضاً على الكراهية، من هذه الادعاءات والشكاوى إلى القضاء المدني أو الجنائي، بحسب الأحوال». «هكذا نصيا»! ثانياً: من حيث المرجعيات: تقوم الوثيقة على مبادئ وقواعد مثالية لا تراعي الخصوصيات المحلية مع استبعاد لجميع المرجعيات الوطنية: الميثاق - الدستور «مثلا»، بما يوحي بأن الورقة مشغولة بالدرجة الأولى بمخاطبة الخارج بمثل هذا الخطاب الحقوقي، فقد استندت إلى تسعة مراجع، وهي العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والإعلان بشأن القضاء على جميع أشكال التعصب الديني والتمييز القائمين على أساس الدين والمعتقد، وإعلان الأمم المتحدة بشأن الألفية، ووثيقة الأزهر حول مستقبل مصر، ومبادئ كامدن وخطة عمل الرباط وتقرير لجنة تقصي الحقائق ومشروع ميثاق الوطني لمناهضة العنف والإرهاب - تونس، ومشروع ورقة عمل للنقاش أعدت للمجلس الفيدرالي الأثيوبي/ المؤرخة في فبراير 2013م، أي أنها استشهدت بكل مرجع «خارجي» ذي علاقة بالموضوع تقريبا، إلا أنها استبعدت مطلقاً أي مرجعية وطنية مثل ميثاق العمل الوطني ودستور البحرين، بالرغم من أن كلا منهما قد تطرق للموضوع بشكل مفصل، وأسس له تأسيسا دستورياً وقانونيا وأخلاقياً «العدل والمساواة والمواطنة المتساوية والتسامح والتضامن». ومما يدعو للاستغراب أن أصحاب الوثيقة قد استشهدوا حتى بمشروع مسودة ميثاق مناهضة العنف والإرهاب في تونس (2012) وهي مجرد مسودة وثيقة أولية، بل واستشهدوا بمشروع ورقة عمل «مسودة عمل للنقاش في أثيوبيا 2013م» وفي المقابل ذلك لم يعبؤوا بما جاء في الدستور وفي ميثاق العمل الوطني من مبادئ حول هذا الموضوع. «فكأنما يراد التبرئ منهما». ثالثاً: من حيث النزعة الانتقائية: غلبت النزعة الانتقائية في التعامل مع الوثائق المرجعية، حيث قام أصحاب الوثيقة بعملية قطع ولصق سياسية، تبين عند مراجعتها حجم الانتقائية السياسية والقانونية في التعاطي مع بعض هذه المواد. ومن أمثلة ذلك: عند التعامل مع وثيقة كامدن حول حرية التعبير والمساواة تم اختيار الفقرتين 8.1 و8.2 من المبدأ الثامن (صفحة 8) لأن هاتين الفقرتين تركزان على مسؤولية الدولة والمسؤولين الرسميين بمن فيهم الوزراء، ولكن جامعي الوثيقة أهملوا عمدا الفقرة «من نفس المادة» التي تتحدث عن مسؤولية الشخصيات القيادية في المجتمع والأحزاب السياسية وضرورة امتناعها عن إطلاق التصريحات التي تروج للتمييز والكراهية، وذلك لأن إدراج مثل هذه الفقرة يحمل الشخصيات السياسية والقيادات الدينية مسؤولية الامتناع عن بث الكراهية والتنديد بها ووقفها. أما مثال «القص واللصق»: فنلاحظ في الملحق الوارد مع الوثيقة والتي تم الاستناد إليه بشأن مبادئ كامدن جاءت المادة الرابعة كمادة واحدة وهي في واقع الامر قد وردت في مبادئ كامدن في فقرات متعددة وفي مواد مختلفة، وتم لصقها وكأنها مادة واحدة دون الإشارة الى ذلك. كما ان هنالك عملية أخرى مكملة لعملية الانتقاء غير المبدئي، وهي «حذف ما لا يناسب اللحظة السياسية الراهنة» مثل الاستشهاد بنصف المادة أو حتى بنصف الجملة وإلغاء غير المناسب منها للمعارضة، بما يفقد الاستشهاد بالمراجع أي قيمة حقيقية. «حتى ان الكلام أصبح في بعض مقاطعه لا أصل له أو مجرد خلطة بين مقتطفات حقوقية وسياقات سياسية انتقائية، بما يفقد هذه الوثيقة أصالتها بالرغم من أهمية النوايا الطيبة التي تقف وراءها». «ويمكن التدليل على ذلك دون عناء». إن الدعوات المنادية بمحاربة ثقافة التعصب والكراهية والنزعات الطائفية دعوات إيجابية ولا شك، يجب تثمينها وتشجيعها، ولا يمكن الا ان نثني عليها، ولكن من المؤسف أن تكون مثل هذه الدعوات في بعض الأحيان أقرب إلى الدعاية الإعلامية والسياسية، خصوصا أن البحرين لا تنقصها المرجعيات النظرية التي تؤكد على المواطنة الجامعة وعلى نبذ التطرف والكراهية بكافة أشكالها، فلا وجود لنقص في مستوى النص والقوانين الضامنة للحرية والتسامح والمساواة، ولكن المعضلة الحقيقية تكمن في أن المنابر الطائفية والسياسية والاعلامية هي التي تؤسس للكراهية والتعصب، من خلال التحريض، ولذلك فإن اطلاق الوثائق -مهما كان مهما- فانه لن يجفف منابع الكراهية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها