النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11703 الجمعة 23 ابريل 2021 الموافق 11 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:44AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:07PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    7:35PM

كتاب الايام

قيصر الهند خان صاحب يوسف بن أحمد

رابط مختصر
العدد 9076 الجمعة 14 فبراير 2014 الموافق 14 ربيع الثاني 1435

في وثائق الهند البريطانية المحفوظة في لندن هناك ملفات كثيرة، يحمل كل واحد منها اسم شخصية من الشخصيات الخليجية، ويتضمن معلومات وافية عنها وعن مواقفها السياسية، وذلك ضمن تقليد دأب عليه الوكلاء السياسيون البريطانيون المعتمدون في الخليج في اوائل القرن العشرين. من بين تلك الملفات ملف يحمل الرقم: آر/15/2/241 ومعنون باسم «يوسف بن أحمد كانو». في هذا الملف الذي يتضمن ردود الوكيل السياسي البريطاني في البحرين حول أسئلة وجهت إليه من مرجعه في بمبي حول الرجل نجده يقول: «أود أن أسجل اعترافي بالشكر والامتنان للعمل الرائع الذي أداه يوسف بن أحمد كانو لصالح الوكالة طوال الأشهر الثمانية عشرة التي عملتُ فيها كوكيل سياسي هنا... لقد وجدته إنسانا يُـوثق به ويـُعتمد عليه في كل المهام. إنه كان حسن التصرف ولبقا فنجح في كل ما أسند إليه، لما يملكه من نفوذ معتبر لدى كل الطبقات في البحرين ابتداء من الشيوخ وما دون». ما سبق كان كلام الكابتن ماكينزي في عام 1910، لكن اثنين من أسلافه قدموا ايضا شهادة مشابهة بحق يوسف وثمنوا عاليا خدماته كرجل يمكن اللجوء إليه في الكثير من الأمور الشائكة بين دار المعتمدية البريطانية والأسرة الحاكمة. ومن الدلائل الأخرى في السياق نفسه حصول الرجل على أكبر الأوسمة وأعلى الألقاب مثل «قيصر الهند»، و»خان صاحب»، و»صاحب المقام الرفيع في إمبراطورية الهند» و»حامل وسام الإمبراطورية البريطانية». ولد يوسف في «فريج الهولة» بالمنامة في عام 1874، ويقال انه كان ضمن القلة القليلة من مواطني الخليج الذين كانوا يعرفون تاريخ ميلادهم بدقة. أما والده أحمد بن محمد كانو، الذي عـُرف كواحد من الملاك والمتاجرين في المواد الغذائية «الأرزاق» إلى جانب استيراد وبيع لوازم الصيد البحري مثل أقمشة الأشرعة والحبال والأخشاب، فلم يكن شخصية نافذة لكنه كان من الذين يــُنظر إليهم بتقدير واحترام في المجتمع البحريني لمساعدته والده في أعماله اليدوية وهو في سن صغيرة. ويمكن القول ان منزلة أحمد ونظرة ناسه إليه ارتفعت في عامي 1903 و1904 للدور الإنساني الذي قام به في مساعدة ضحايا وبائي الطاعون والكوليرا اللذين ضربا البحرين وحصدا الآلاف من نفوسها، ومن ضمنهم ابنه الثاني محمد. حفظ يوسف القرآن عن ظهر قلب في سن الثامنة، فكان ذلك من علامات نبوغه المبكر. وقبل ان يكمل العشرين من عمره بدأ السفر إلى الخارج. وكغيره من رجالات تلك الحقبة، كانت وجهته الأولى هي الهند، ودواعي السفر هي البحث عن الفرص التجارية. لكن قبل أن نتحدث عن حكاية يوسف كانو في الهند بالتفصيل، فإنه من المفيد الإشارة إلى حكاية ارتباطه بدار المعتمدية. ففي عام 1898 عمل يوسف ككاتب وساع بشكل جزئي لدى أول ممثل لبريطانيا في البحرين ألا وهو حاجي أحمد بن عبدالرسول، وذلك قبل إنشاء دار الاعتمادية بست سنوات. وفي هذا السياق يـُقال ان يوسف عمل لدى عبدالرسول دون أجر من أجل أن يتعلم اللغة الانجليزية التي كانت ضرورية لمن يريد دخول عالم «البزنس». مما لا شك فيه أن عمل يوسف في دار المعتمدية، لم يكسبه اتقان الانجليزية فحسب، وإنما حقق له أيضا نفوذا بين مواطنيه ولدى رؤسائه على حد سواء. فالمواطنون نظروا إليه دوما كمقرب من المعتمد البريطاني وبالتالي راحوا يتقربون إليه لحل مشاكلهم والتحكيم بينهم، ورؤساؤه وجدوا فيه مصدرا للمعلومات الموثوقة وآراء الناس وطبقة التجار والوجهاء فيهم فراحوا يلتمسون منه المشورة. بل ان شهرة يوسف كمحكم وكشخصية نافذة ومقربة من دار الاعتمادية وصلت إلى خارج البحرين بدليل وجود رسالة موجهة إليه في عام 1914 من الشيخ عبدالله بن قاسم آل ثاني حاكم قطر يطلب منه فيها مساعدته ونصيحته حول خلافاته مع أخيه خليفة وأبناء عمومته حيال كيفية التعامل مع المواطنين وحقوقهم. يقول «مايكل فيلد» في الفصل الذي خصصه للحديث عن عائلة كانو في كتابه حول البيوتات التجارية الكبرى في الخليج ان يوسف، بعدما وطد نفوذه على النحو المشار إليه آنفا، وجه أنظاره نحو النشاط التجاري وراح يبحث عن الفرص التجارية المجزية. وفي هذا السياق يقول خالد محمد كانو في كتابه «بيت كانو: قرن من الاعمال التجارية لشركة عائلية عربية» ان جده يوسف بمجرد تسلمه دفة الأعمال من والده أحمد قام باستئجار مركب لاستيراد البهارات وجوز الهند وخشب «المنغروف» المستخدم في بناء الأسقف والمراكب الشراعية من ملبار في كيرلا بالهند ومن ممباسا وزنجبار في شرق أفريقيا، كما قام باستئجار سفن أكبر للوصول إلى مؤانئ شمال غرب الهند من أجل استيراد بالات الأقمشة القطنية والأرز البسمتي والشاي والسكر والفحم والدهن وغيرها. ويضيف خالد قائلا: «كوّن الحاج يوسف علاقات تجارية وطيدة مع كبار تجار الهند الذين كانوا يصدرون له البضائع حسب طلباته لتلبية عملائه في الخليج العربي». ويبد أن هذه العلاقات مع الهنود ومستعمريهم البريطانيين مهدت الطريق أمام يوسف للدخول في مجال تجاري عصري هو اليوم نواة إمبراطورية كانو التجارية وعمادها الأساسي ونقصد بذلك قطاع الشحن والسفر والسياحة. ففي عام 1913 حصل يوسف على أول توكيل حصري حديث وكان خاصا بشركة النفط الأنغلوفارسية حديثة التأسيس، وبعده بعام واحد، أي أثناء الحرب العالمية الأولى، وقع على اتفاق صار بموجبه ممثلا لشركة بومباي وفارس للملاحة البخارية التي تحولت لاحقا إلى «خطوط مغول البحرية»، وهي شركة كانت تختص بنقل الحجاج المسلمين من شبه القارة الهندية والخليج وبلاد فارس إلى الديار المقدسة، إلى جانب نقل البريد. غير ان هذا التوكيل الذي حصل عليه يوسف لم يمر دون منغصات تمثلت في ظهور شركات نقل وشحن بحرية أخرى منافسة من تلك التي كانت مسجلة في بريطانيا وســُمح لها بالعمل ما بين شبه القارة الهندية وموانئ الخليج، ورُفض منح وكالتها إلى آل كانو مثل الشركة البريطانية – الخليجية للملاحة البخارية، بدعوى انه لا يمكن لأي رجل أعمال أن يجمع ما بين وكالتين. غير ان شهرة يوسف التجارية بين مواطنيه البحرينيين جاءت تحديدا من الخدمات المصرفية التي كان يقدمها لتجار اللؤلؤ الذين كانوا في حاجة إلى شخصية أمينة يودعون لديها أموالهم حتى يحين وقت الحاجة لسحبها لغرض شراء اللالئ أو تمويل عمليات دخول البحر. لكن هذه الخدمة التي برع فيها يوسف اقترنت بخدمة أخرى لا تقل أهمية. فقد افتتح مكاتب له في كل من المنامة وبمبي. كانت مهمة مكتبه في بمبي هي استلام الأموال الناجمة عن بيع محصول اللؤلؤ في السوق الهندية من تجار البحرين وغيرهم مقابل إيصالات تمنحهم حق استلام تلك الأموال من مكتبه في المنامة بعد عودتهم إلى الخليج. ولأن الرحلة من الهند إلى الخليج كانت تستغرق في تلك الأيام زمنا طويلا نسبيا، فإن يوسف كان يستخدم ما جمعه من أموال في المضاربة التجارية والعقارية لحسابه الخاص. كما كان يقرضها للغير، أحيانا بفوائد وأحيانا من دون فوائد اعتمادا على حالة المقترض ومدى معرفته به وغرض الاقتراض. كما كان لمكتب المنامة مهمة أخرى غير التي أتينا على ذكرها وهي استلام الأموال من تجار البحرين والخليج الذاهبين إلى بمبي من أجل عقد صفقات الاستيراد مع نظرائهم الهنود مقابل إيصالات تخولهم استرداد أموالهم من مكتب يوسف في بومبي، وبهذا كان هؤلاء التجار يضمنون سلامة أموالهم من الضياع والسرقة، وكان يوسف يضمن بدوره وجود سيولة ضخمة تحت يديه للمضاربة والاتجار في البحرين. ونقول ضخمة لأن الحركة التجارية بين الهند وضفتي الخليج شهدت وقتذاك انتعاشا كبيرا كان أكثر المستفيدين منه البحرين بسبب موقعها الجغرافي المتوسط في الخليج، وميناء لنجة بسبب قربها من إمارات الساحل المتصالح. في الفترة ما بين عامي 1910 و1920 لعب يوسف دورا في كل الأحداث الهامة التي وقعت في البحرين. فقد تحالف مع الشيخ عبدالله الابن الأصغر للشيخ عيسى بن علي وقدم له النصح والمشورة لجهة كيفية ملء الفراغ الناجم عن تقدم والده في السن، وتعاون مع زعامات وممثلي العجم والهنود والنجديين من أجل درء الفتن ومواجهة من اراد تعكير صفو الوحدة الوطنية، وساعد الحاج محمد علي زينل في تأسيس مدارس الفلاح، وقدم الدعم لفكرة إنشاء بلدية المنامة، وتدخل في إصلاح ذات البين بين الأسر والأفراد المتنازعين على هذه القضية أو تلك. غير ان نفوذ يوسف بدأ يشهد شيئا من الانحدار كما يقول مايكل فيلد ابتداء من العشرينات، فصار مجرد شخصية مهمة ضمن شخصيات أخرى عديدة خصوصا مع تعيين الميجور ديكسون كوكيل سياسي في البحرين. حيث ان الأخير أحضر معه إلى البحرين من كانوا يخدمونه أثناء عمله في العراق، وصار يتواصل مع التجار والأعيان البحرينيين مباشرة من خلال مجلس خاص مفتوح، وبالتالي لم يكن في حاجة إلى خدمات يوسف. إلى ذلك برز تجار يفوقون يوسف ثراء مثل آل القصيبي، وتأسس البنك الشرقي كمنافس ليوسف في تقديم الخدمات المصرفية للتجار، وآل الحكم من الشيخ عيسى بن علي إلى نجله حمد، وليس إلى الشيخ عبدالله الذي تحالف معه يوسف. ثم وقعت الطامة الكبرى التي أحدثت انقلابا سلبيا في مكانة ونفوذ يوسف التجاري والمالي، ونقصد بها انهيار تجارة اللؤلؤ في الثلاثينات والذي أدى إلى إفلاس الكثيرين وتراجع المبيعات وحركة التجارة والسفر. وبطبيعة الحال فإن يوسف كان من بين كبار المتضررين لأن أعماله وأنشطته كانت مرتبطة بتجارة اللؤلؤ وبالأموال المستحصلة من ورائها وبحركة السفر على هامشها، ناهيك عن أن جـُلّ من استدانوا منه صاروا مفلسين وغير قادرين على سداد ديونهم، الأمر الذي اضطر معه يوسف إلى اعتبار تلك الديون ملغية. وبحلول عام 1943 صار الوضع المالي ليوسف اكثر حرجا، وشعر الوكيل السياسي البريطاني في البحرين أن إفلاسه سوف يؤدي إلى إفلاس آخرين كثر، وذلك طبقا لتقارير منتظمة دأب على كتابتها إلى مرجعه في بمبي حول مديونية يوسف التي بلغت في ذلك العام نحو نصف مليون روبية. ومما ورد في تلك التقارير أن يوسف حاول سداد ديونه عبر بيع بعض عقاراته، أو رهنها لدى البنك الشرقي مقابل قروض، أو عبر الاقتراض من الحكومة. ومن أشهر العقارات التي باعها يوسف عمارته الكبيرة في وسط سوق المنامة والتي استحوذ عليها صديقه الكويتي التاجر هلال المطيري مقابل ربع مليون روبية. كان بإمكان يوسف أن يشهر إفلاسه، مثلما فعل الكثيرون، لتنتهي مسؤوليته عن سداد ما عليه للآخرين، لكن اعتزازه بنفسه وخوفه على سمعته منعاه من الاقدام على ذلك. وكوسيلة لتحسين وضعه المالي أوكل يوسف مسؤولية تصريف الأعمال اليومية لابني أخيه: جاسم وعلي، وراح هو يركز على استكشاف فرص عمل جديدة، ولا سيما في الهند والعراق. وهكذا استطاع تدريجيا أن يسدد معظم ما عليه من ديون تجاه الحكومة، وسدد المتبقي لها عبر التخلي لها عن قطع من الأراضي التي ورثها عن أبيه. لكن ما كادت هذه المحنة توشك على الانتهاء حتى وقع آل كانو في أزمة مالية جديدة مع بدايات الأربعينات، الأمر الذي دفع يوسف إلى طلب العون من حاكم البلاد الشيخ حمد بن عيسى ومستشاره «تشارلز بلغريف» اللذين درسا الطلب جيدا، ووجدا أن مصلحة البحرين السياسية والحفاظ على سمعتها التجارية -في أعقاب إكتشاف النفط في أراضيها- يقتضيان عمل كل ما يلزم للحيلولة دون إفلاس آل كانو. وهكذا اشترت الحكومة من يوسف بعضا من عقاراته وأراضيه بأسعار تفوق أسعار السوق بمرات، وقدمت له امتيازات للحصول على قروض من دون فوائد أو ضمانات. وتفتخر عائلة آل كانو إلى اليوم في أحاديثها أنها سددت كل ما عليها من التزامات تجاه الآخر وتجاوزت كل العقبات التي واجهتها قبل وفاة عميدها «يوسف بن أحمد كانو» في 21 ديسمبر 1945. لقد احتار الكثيرون في تفسير اسم هذه العائلة العريقة ومعناه. فدعونا نقرأ الإجابة بقلم أحد أبنائها وهو خالد محمد كانو الذي يروي قصة حول الاسم دون أن يملك ما يثبت صحتها طبقا لقوله، ونستعين أيضا بشيء مما ورد في كتاب الصديق خالد البسام الموسوم بـ «أحمد علي كانو: سيرة حياة وإنجازات» يقول خالد كانو انه سمع من أجداده انهم «هاجروا من شمال الرياض واتجهوا شمالا نحو الكويت ومنها إلى العراق حيث مكثوا لبعض الوقت قبل توجههم شرقا ومن ثم جنوبا على امتداد الساحل الشرقي للخليج العربي الذي كان يشكل الحدود الجنوبية لبلاد فارس وهي منطقة كانت تسكنها أعداد كبيرة من العرب، الأمر الذي مكن العائلة من الاحتفاظ بلغتها العربية والتمسك بعاداتها وتقاليدها الأصيلة». ويوضح خالد البسام فيقول ان جذور العائلة تعود إلى قبيلة سبيع من حائل وأن جدها الأكبر هلال وقع في ثأر مع أبناء عمومته مما اضطر معه إلى الهرب شمالا والاختلاط مع بني كعب ثم النزوح جنوبا نحو المحمرة. ثم يتفق خالد كانو مع خالد البسام فيقولان انه بعد ذلك بأجيال، وتحديدا في منتصف القرن 19، بدأ آل كانو العودة إلى موطنهم الأصلي لكنهم أحبوا البحرين فاستقروا فيها تحت قيادة عميدهم الحاج هلال الذي مارس التجارة وكان يقول لمن يساومه على الأسعار من عجم البحرين «أنا أبيع بالقانون». ولكثرة ترديده لكلمة «قانون» جعلها العجم اسما له، لكن بسبب عدم تمكنهم من نطق حرف القاف كانوا يسمونه «هلال كانون»، ومع مضي الزمن سقط حرف النون الأخير ليشتهر الحاج هلال ومن بعده أولاده بلقب «كانو».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها