النسخة الورقية
العدد 11154 الأربعاء 23 أكتوبر 2019 الموافق 23 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:37PM
  • المغرب
    5:03PM
  • العشاء
    6:33PM

كتاب الايام

ومعظم النار من مستصغر الشرر

رابط مختصر
العدد 9075 الخميس 13 فبراير 2014 الموافق 13 ربيع الثاني 1435

من الأقوال التي نستشهد بها مقولة «معظم النار من مستصغر الشرر»، للتحذير من الاستهانة بما يبدو اليوم خطرا صغيرا، لكنه يحمل في أحشائه مقومات النمو التي تجعل منه مهلكة مستقبلية تتوعد الأمة، وتهدد مستقبلها. ويعود أصل المقطع إلى قصيدة لأبي عبدالله شمس الدين محمد بن أبي بكر الدِّمشقي الشهير بـ «ابن قيم الجوزية» جاء في مطلعها: كل الحوادث مبداها من النظر ومعظم النار من مستصغر الشرر كم نظرة بلغت في قلب صاحبها كمبلغ السهم بين القوس والوتر والعبد ما دام ذا طرف يقلبه في أعين العين موقوف على الخطر يسر مقلته ما ضر مهجته لا مرحبا بسرور عاد بالضرر وكان المقصود من ذلك التحذير من النظرة الحرام لأنها مهلكة صاحبها من دون ريب. لكن يكتفى بالشطر الثاني من البيت الأول، كما أسلفنا، للتحذير مما يبدو صغيرا غير ذي أهمية الذي يمكن أن تكون نهاية الاستخفاف به مدمرة. تحلق بذهن المواطن الخليجي مثل هذه الخواطر وهو يتابع استدعاء «وزارة الخارجية الاماراتية السفير القطري في دولة الإمارات، لتسليمه مذكرة احتجاج على (ما اعتبرته دولة الإمارات) تطاولا من الشيخ يوسف القرضاوي على دولة الامارات من على منبر أحد مساجدها، في خطبة الجمعة». وقد أوضح مسؤول إماراتي انه «نجد أنفسنا مجبرين على اتخاذ هذه الخطوة غير المسبوقة في علاقاتنا الخليجية، في ظل عدم رفض الإخوة في قطر باستخدام منابرهم الدينية والإعلامية للإساءة للجار والشقيق». وفي سياق متصل، أعلن وزير الدولة للشؤون الخارجية الاماراتية أنور قرقاش ان الامارات انتظرت من قطر أن «تعبر عن رفض واضح لمثل هذا التطاول وأن تقدم التوضيحات الكافية، والضمانات لعدم وقوع مثل هذا التشويه والتحريض من جديد». وأسف لعدم «الرغبة والاستجابة» القطرية. وكان وزير الخارجية القطري خالد العطية قد أعلن في وقت سابق «أن القرضاوي لا يمثل السياسة الخارجية لقطر، مشيراً إلى أن علاقة خاصة تربط البلدين، وان أمن دولة الامارات من أمن دولة قطر، مشدداً على أن سياسة دولة قطر الخارجية تؤخذ فقط من القنوات الرسمية للدولة». ليس هناك ما يستدعي الدخول في التفاصيل ذات العلاقة المباشرة بالحادث، فما يهم المواطن الخليجي هنا أن سحبا سوداء قاتمة بدأت تتلبد في سماء العلاقات بين هذين البلدين الخليجيين، الأمر الذي ينذر بانفجار معركة سياسية بينهما، من غير المستبعد ان تتطور إلى ما هو أبعد من مجرد احتجاج على تصريح «القرضاوي»، والمطالبة بالتراجع عنه. وللتاريخ، ليست هذه هي المرة الأولى التي يتطاول فيها القرضاوي على الإمارات، ففي أغسطس 2012، دعا القرضاوي، لكنه هنا من خلال برنامجه الأسبوعي «الشريعة والحياة»، الذي تبثه قناة «الجزيرة»، «حكام الإمارات إلى عدم طرد السوريين الذين تظاهروا ضد النظام في سوريا، وأن يتقوا الله في العباد! محذرا حكام الامارات بانه إذا لم يوقفوا الظلم على أبناء الامارات وعلى العائلات السورية الموجودة فيها، وان لم يتجاوبوا فسيكون له موقف آخر»! خطورة هذه الأزمة أنها يمكن أن تغذي خلافات قائمة بين البلدين، تقود في نهاية المطاف إلى تأزيم العلاقات بينهما، مع احتمال أن يتسع نطاق تلك الخلافات كي يشمل دولا خليجية أخرى، الأمر الذي ينذر بإشعال نيران مشكلات دأب القادة الخليجيون على عدم تأجيجها، حتى وإن لم يصل ذلك إلى اجتثاث جذورها. أشارت إلى مثل هذا المحذور صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية، حيث اعتبرت الصحيفة «الاستدعاء الرسمي دليل تنامي الخلافات بين الدول الخليجية وقطر التي تعد (حسب قول الصحيفة) الداعم الأقوى لـلحركات الإرهابية في مصر وتستغل أدواتها، بما في ذلك القرضاوي وقناة الجزيرة، لانتقاد ما يسمى بالانقلاب العسكري في مصر والمؤيدين له، (مشيرة إلى) أن دول مجلس التعاون الخليجي باتت أمام وضع صعب حيال ملفات عديدة وعلى رأسها تطورات الأوضاع في سورية ومصر والتقارب الذي تشهده العلاقات الامريكية ـ الايرانية، وكذلك العلاقات التركية ـ الإيرانية، بعد ما اعترى العلاقات بين تركيا والسعودية ودولة الإمارات من فتور وقيام الامارات بسحب استثماراتها المقدرة باثني عشر مليون دولار من تركيا». بعض المتابعين لأوضاع المنطقة من أمثال الكاتب نضال حمادة، يرجع ذلك الخلاف، كما يراه إلى سببين «أولهما القرار الأمريكي ـ السعودي بتغيير طبيعة عمل قناة أبوظبي الفضائية من قناة إخبارية ومنوعة إلى قناة منوعات، وثاني أسباب الخلاف هو محاولات قطر أخذ دور دبي التجاري ومطاره، ويبدأ من الخلاف المستجد حول مطاري دبي والدوحة ومن ثم نأتي إلى الخلاف القديم حول قناتي أبوظبي والجزيرة». لكن بعيدا عن كل ذلك هناك الخلافات الخليجية التي من الصعب إخفاؤها، والتي تشكل خميرة جيدة للتدخلات الدولية والإقليمية، والتي تمتد من تلك النزاعات الحدودية، مرورا بتلك المتعلقة بتوحيد العملة، قبل أن تحط رحالها عند التحالفات الإقليمية التي قد ترغم هذه الدولة الخليجية على إشعال نيران خلافاتها مع إحدى شقيقاتها الخليجيات خدمة لتلك التحالفات، وهو ما يهدد أمن دول مجلس التعاون، ويهز أركانه من الداخل. وتأتي إيران في مقدمة تلك القوى الخارجية التي تحاول أن تستفيد من مثل هذه الخلافات الصغيرة كي تؤججه. إذ تجد إيران كما نقل موقع «ميدل ايست أونلاين» عن إعلامي عربي عارف بشؤون المنطقة لـم يكشف عن اسمه، فرصتها التاريخية للتسلل من خلال ثقوب تلك الخلافات لتعزيز موقعها في المنطقة. قد تبدو المعركة القطرية الإماراتية صغيرة اليوم، لكن كما يقول الشطر الثاني من بيت قصيدة ابن القيم «ومعظم النار من مستصغر الشرر».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها