النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

مطارحات

التجوال الافتراضي للمشاعر المتنكرة

رابط مختصر
العدد 9074 الأربعاء 12 فبراير 2014 الموافق 12 ربيع الثاني 1435

مع تغير الظروف الاجتماعية التي طرأت على العلاقات الاجتماعية- الإنسانية، والعاطفية منها تحديدا وضعفها أمام تسلل تقنيات التواصل والاتصال وتأثيرها الكاسح في تلك العلاقات الاجتماعية أضحت تلك الآليات في كثير من الأحيان ليست مجرّد وسيط بين الفاعلين في المجتمع إنما العلاقة ذاتها على معنى أنّ وسائل الاتصال الحديثة هي التي أضحت تسطّر لنا هويّة تلك العلاقات وتشكّلُها وحدودها وتبُنى الذوات بها ومن خلالها، ونرشّح هاهنا سوسيولوجيا المجازفة إن صح التعبير، كنظرية بمقدورها مدّنا بآليات لفهم «ظاهرة العواطف المتنقلة» بما هي رابطة ترتقي وترعى عبر وساطة الهاتف النقال، ولأنها محاولة في الفهم فإنّ القراءة هنا للرسائل الهاتفية المتداولة هي قراءة تأويلية تبحث في الدلالة الثقافية للحب مثلما هو يُصنع ويتجول بين الفاعلين العاطفيين المفترضين الحقيقيين او اللاعبين، وتدور الفكرة هنا حول أنّ ثمّة إعادة صياغة لرابطة الحبّ في اتّجاه اللّعب بما هو فعل انعكاسي فردي في سياق اجتماعي أكثر ريبيـّة فيه تكفّل بالقدر الاجتماعي فرديا. ويأتي التطور في وسائل الاتصال ليدخل على الخط ويخلق إشكالات متراكبة ومعقدة، باتت تسهل عمليه الترابط عن بعد وإبعاد حرج المواجهة، وهذا ما يسميه بعض علماء الميديا بأيديولوجيا التقنية بمعنى أنّ التقنية حمّالة لعلاقة بالعالم وبالآخرين ومن ثمّة بالأنا، لأنها غيّرت علاقتنا بالعالم الذي صار يُرى إمكانا مطلقا لما نريد ونتمنّى ونحب عن بعد (دون أن نحب حقيقة)، أي كأننا نصنع رواية او أغنية او لوحة تشكيلية من خلال قدح زناد العلاقة (الافتراضية) عبر التقنية الاتصالية. هنا تحضر مسألة المسؤولية الاجتماعية في المجتمعات الحديثة بمعنى القدرة على تحمّل الفاعل الاجتماعي لفعلَه، حيث أضحت العلاقات ممكنا مطلقا عبر التقنية. لذلك أصبح أقرب إلى العدم، والقصد هنا أنْ لم يبق للحبّ معاناته واستحالاته وبناء مع الآخر لذات لا تبنى إلا معه. بل أضحى يسمع ولا يرى، أو يرى ولا يلمس، أو لا هو موجود ولا هو يُسمع، بما يعني أنّ التقنية الاتصالية الحديثة ليست فقط أداة وظيفية، بل هي بنية حمّالة لقواعد الممارسة الاجتماعية دون مسؤولية اجتماعية. فكثيرة هي الرسائل التي تتوارى وراء اللاإسمية أو وراء الرمز وقد يكون في ذلك خوفا من العلاقات الحقيقية باعتبارها مسؤولية شخصية وقيمية واجتماعية في ذات الوقت، مجرّد الإقرار بها يستدعي تحمل مسؤولية تجاه الآخر في عموميته. وقد يكون في ذلك احتماء وراء الخصوصية باعتبار أنّ العلاقات العاطفية بين البشر لا يعاش إلا تعبيرا عن حميمية لا يُشرك فيها إلاّ من رضي عنه. لكنّ هذه العلاقات لا تكون كذلك إلا متى أعلنت في المجتمع في سياق (شرعي) أي حاصل على بركة المجتمع القانوني والقيمي والديني، لكون ذلك إعلانا عن هويّة اجتماعية. إن ما تتميّز به المراسلات الإلكترونية في هذا السياق هو أنها تُخضع العلاقات إلى حدود الفضاء والرمز الذي تحملها التقنية، لأنّه يصبح متحكما بدرجات في أشكال التعبير عن المشاعر الافتراضية ومضامينها، ومهما يكن من أمر، فإنّ ما يبدو مثيرا في هذه التجربة عبر وسائط الاتصال الحديثة هو خوف من الانخراط في علاقات فعلية مستقرّة، فالعلاقات في سياقها الاجتماعي العادي قد تنتهي إلى علاقات دائمة ولكنها في حال التواصل الالكتروني تستحيل إلى علاقة غير مشروطة بالمسؤولية لكونها تفقد ما يمكن أن نسميه (بالمباشرة الاجتماعية) ولكونها أضحت علاقة متنكرة مستترة عن الذات ومشتركة بين العموم ليست شعورا إنّما هو إحساس أنّه ثمّة انزلاق من الفكرة إلى التسلية، إنها حمّالة لرغبة في أن يكون المتصل موصولا دون أن يكون مسئولا. إن صح التعبير. قد يكون الخوف من تحمل المسؤولية هو ما يدفع إلى الهروب من مغامرة وتبعات التورط في المشاعر الحقيقية باعتبارها حضورا للذات وانخراطا في المجتمع إنّما مع المجتمع، كذلك هو أمر الحب حيث الحميمية عمومية والمشاعر الخصوصية معمّمة في رسائل نمطية مفتوحة على الكلّ لمن له رغبة في أن يصل نفسه به، وهي رسائل في أغلبها درامية تعلن استحالة الحب أكثر من إمكانه فينزع عن الحب واقعيته ومعايشته علاقةً مباشرةً ويضحى تجربة يخترقها الزمن وتحدّدها التقانة وما توفره من إمكانية انتقال من مجموعة الى أخرى، ومن رابطة إلى أخرى بيسر، بل إن البعض يكون على تواصل واتصال في نفس اللحظة مع أكثر من (حبيب تواصلي افتراضي)، بل قد يرسل نفس الجملة والعبارة إلى هذا وذاك في ذات اللحظة بل يمكن ان يقوم بتعميم الرسالة في نفس اللحظة على أكثر من (حبيب اتصالي)، ويتسلى بعد ذلك بالردود التي غالبا ما تكون بدورها نمطية ومنقولة عن مجهول آخر، قد يكون في قارة أخرى. وقد تصبح وسائل الاتصال الحديثة امتدادا للذات تحاك من خلالها روابط افتراضية - اتصالية كثيفة، ولكنها أيضا قد تصبح اختزالا للذات وفكا لها من روابطها الإنسانية الحقيقية، «بالمعنى الحضور والغياب في ذات الوقت» وقد تصبح المشاعر كوسيلة اتصال ليست شعورا حقيقيا في حدّ ذاتها ولكنها مجرد رمز اتصالي، يمكنّنا من التعبير أو تسجيل الحضور والتسلية والبحث عن (أحبة اتصاليين حقيقيين أو افتراضيين) تعويضا عن الخواء النفسي والاجتماعي، وهروبا من تحمل أي مسؤولية اجتماعية وإنسانية تترتب عن العلاقات الإنسانية العادية أو العاطفية الحقيقية، ويكون التعبير هنا حياة أخرى او بديلا عن العواطف والمشاعر الحقيقية بما تفترضه من حميمية ومباشرية وتحمل للمسئولية الاجتماعية والذاتية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها