النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11932 الأربعاء 8 ديسمبر 2021 الموافق 3 جمادى الأولى 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:48AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    5:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

«عشقت البحرين كعشق قيس لليلى»

رابط مختصر
العدد 9069 الجمعة 7 فبراير 2014 الموافق 7 ربيع الثاني 1435

من أكبر الشواهد على ريادة البحرين في التعليم والتنوير في منطقة الخليج هو البدء في التعليم الصناعي منذ منتصف الثلاثينات من القرن المنصرم، أي يوم أن كانت الأقطار المجاورة بالكاد تتلمس خطواتها الأولى نحو التعليم النظامي العام. والتعليم الصناعي في بلادنا – طبقا لما ورد في كتاب من 575 صفحة بعنوان «تاريخ التعليم الصناعي في مملكة البحرين من الثلاثينات إلى مطلع الألفية الثالثة» من إعداد محمود محمد رمضان شراقة من معهد الشيخ خليفة بن سلمان للتكنولوجيا وآخرين يرجع تحديدا إلى 1936. وفي هذا الصدد يقول الكتاب في الصفحة 31 إنه تم ادخال التعليم المهني في مدرستي المنامة والمحرق الابتدائيتين ـ أي الهداية الخليفية بالمحرق والمدرسة الغربية بالمنامة - في مجال النجارة والاعمال الميكانيكية البسيطة. أما في 1937 فقد تم إضافة فرعين جديدين إلى فرع النجارة، وهما البرادة والحدادة، الأمر الذي أدى إلى إيجاد مبنى مستقل، لكنه كان خاليا من الآلات الضرورية ويعتمد على الأدوات اليدوية البسيطة. وفي الفترة ما بين عامي 1940 و1950 تم تزويد المبنى بورش وآلات حديثة، كما تم تطوير نظام الدراسة ليصبح مدته سنتين، وزاد عدد الطلبة المنتظمين بعد أن تم إقرار مكافأة مالية شهـرية ــ 15 روبية ــ لمن يلتحق بهذا النوع من التعليم الذي كان في بداية الأمر غير مرغوب فيه، ثم صار الإقبال عليه ملحوظا بسبب توظيف المتخرجين في دوائر الكهرباء والأشغال والمواصلات، إضافة إلى شركة نفط البحرين برواتب بلغت ثلاث روبيات شهريا، وهي رواتب بدت وقتذاك مغرية للكثيرين. ومنذ العام الدراسي 1969 – 1970 صارت هذه المدرسة لا تقبل في صفوفها إلا من أنهى الشهادة الإعدادية من بعد أن كان شرط القبول محددا بالشهادة الابتدائية كحد أدنى. في مقال سابق عن رجل البر والاحسان الكويتي المرحوم شيخان الفارسي قلنا إنه وقع الاختيار عليه في عام 1940 ضمن آخرين من مواطنيه لإرسالهم في بعثة تعليمية إلى البحرين للدراسة في هذه المدرسة، وذلك بعد مراسلات ومفاوضات طويلة بين السير «تشارلز بلغريف» مستشار حكومة البحرين، والمعتمد السياسي البريطاني في البحرين «وايت مان»، والمعتمد السياسي البريطاني في الكويت «غالواي». وكان محور المراسلات هو مصاريف الدراسة والإقامة، وشروط القبول، وطريقة الانتقال من الكويت إلى البحرين، والتخصصات التي سينخرط فيها المبتعثون. لكن ما لم نقله هو أن زملاء شيخان فارسي في هذه الرحلة كانوا ثلاثة وهم أحمد محبوب العامر، وبدر أحمد الحداد، وصالح جاسم شهاب. وهؤلاء الأربعة انضموا إلى طالبين كويتيين آخريين كانا قد سبقاهم إلى البحرين للدراسة في المدرسة ذاتها لكن كمبتعثين من قبل شركة نفط الكويت وهما عقاب محمد الخطيب، وخالد عبدالكريم الغربللي. وما يهمنا من كل ما سبق هو التوقف عند شخصية ومسيرة «صالح جاسم شهاب» الذي ضرب أروع الأمثلة لجهة الوفاء والعرفان بالجميل للبلد الذي احتضنه كطالب علم في شبابه وللناس الذين امتزج بهم وتفاعل معهم وشاركهم الأفراح والأتراح وسنوات اليسر والعسر. كل هذا والرجل لم يعش في البحرين سوى سنتين، حيث جاءها في نوفمبر 1940 وهو قد تجاوز الخامسة عشرة من عمره بقليل، وغادرها في يونيو 1942 على إثر حصوله على دبلوم الصناعة/ تخصص البرادة. وعلى الرغم مما عاناه أثناء هذه الفترة القصيرة من مشكلات دراسية ومادية بسبب سكن الطلاب الضيق ــ 6 طلاب في غرفة واحدة ــ وضآلة المنحة المالية ــ 6.5 روبية شهريا ــ والطعام الرديء المقدم في المدرسة والذي دفعه إلى البحث عن البديل في مطعم عباس العراقي ومطعم ملباري، فإن شهاب يعتبر تلك الفترة من أجمل سنوات عمره كما يصفها بنفسه في مذكراته الشخصية التي تحتوي على تفاصيل كثيرة عن أحوال الزمن الماضي. لم يتعلق شهاب بمدن وقرى البحرين، ولم يحفظ أسماء شوارعها ومعالمها، ولم يشارك أهلها في أنشطتهم الثقافية، ولم يعود لسانه على اللهجة البحرينية، ولم يقم العلاقات والصداقات الوطيدة مع خيرة أهلها وعوائلها ونخبها فحسب، وإنما ـ فوق ذلك كله ــ عشق البحرين عشقا لم يباريه فيه أحد. وفي هذا السياق سـُجل عنه قوله «تعلقتُ بحب شيء اسمه البحرين، وجننتُ بها كما جــُنّ قيس بن الملوح بليلى العامرية». ومن صور وفائه للبحرين أنه كان دائم التردد عليها، ودائم التواصل مع من عرفهم من أهلها في أفراحهم وأحزانهم. كما كان صاحب أياد بيضاء ومبادرات دعم للبحرينيين المقيمين أو الدارسين في الكويت إلى درجة أن البعض أطلق عليه لقب سفير الكويت في البحرين وسفير البحرين في الكويت، فيما أطلق عليه آخرون لقب «أبو البحرينيين» بسبب تواصله مع طلبة البحرين في الكويت ورعايته لهم وتذليل العقبات امامهم. وقد بادل البحرينيون شهاب الحب بالحب واعتبروه واحدا منهم وحرصوا على الاحتفاء به كلما زار بلادهم، بل أنشدوا الأشعار فيه. من ذلك، الأبيات التالية التي صاغها الشاعر أحمد محمد آل خليفة وألقاها في حفل أقامته الأندية الوطنية على شرف شهاب في 1961 : أرى البحرين زاهرة المعاني تــــزف لك التحايا والتهاني ولا عجب إذا هرعت تحيـــي قدومك في ركاب المهرجان فأنت صديقها في الدهر دوما وصفت على هواها بالتفاني تقول أوال يوم هبطت هـــــذا صديق في الزمان والمكــان فأنا والكويت مدى الليالــــي على رغم المدى متقـــاربان وقد لا يعلم الكثيرون أن علاقة شهاب بالبحرين ورثها من أبيه المرحوم جاسم محمد شهاب الذي عانى مثلما عانى معظم الكويتيين في حقبة ما قبل النفط من شظف العيش وقسوة الحياة وأهوال البحر أثناء اشتغالهم في مهنة الغوص على اللؤلؤ، وهو ما دفعه إلى ترك مهنة الغوص للعمل مع والده الذي كان من أوائل الجزارين في الكويت. ويروي صالح شهاب قصة والده وجده فيقول في حديث قديم أعادت جريدة النهار الكويتية نشر شيء منه في أغسطس 2012: أنهما وجدا أسواقا رابحة في البحرين للأغنام البلدي عوضا عن التيوس التي كانت البحرين تستوردها من فارس، فقاما بتحميل قطيع من هذه الأغنام على المراكب التجارية وحققا من بيعها في البحرين أرباحا لا بأس بها، لكن العملية توقفت في عام 1938 حينما تأسس في الكويت المجلس التشريعي وبدأت المرافق والخدمات والدوائر الرسمية في الظهور، حيث «فضـّل والدي ترك مهنة بيع الأغنام للعمل بالشرطة وكانت الشرطة وقتذاك تعمل دون زي موحد، لكن ما أن فـُرض على العاملين بها الزي الموحد حتى هجرها والدي خجلا من ارتداء البنطلون وعاد للعمل ما بين البحرين والكويت يُحضر من الأولى ما يمكن أن يبيعه في الثانية خصوصا مع توافر البضائع العصرية العديدة والغريبة في الأسواق البحرينية». ويواصل صالح شهاب ذكرياته عن والده فيقول: بعد سنوات قليلة عاد والدي ثانية إلى فتح محل لبيع اللحوم في سوق القصابين الرئيسي فعانى من غلاء الأغنام المستوردة وانقطاعها أحيانا بسبب كساد السوق، فلم يكن الدخل يغطي التكاليف، بالإضافة إلى أنه دخل في سوق تجارة الأغنام وجلبها من استراليا وتركيا بعض التجار الكبار من ذوي النفوذ والأنشطة التجارية المتعددة ممن كانوا سابقا ينظرون إلى هذه المهنة نظرة الاحتقار لكن أرباحها أغرتهم وجعلتهم يغيرون موقفهم طمعا في الكسب، فلم يتحمل والدي خسائره المتواصلة فترك الجزارة وبيع الأغنام وافتتح دكاناً لبيع الأدوات الكهربائية في شارع عبدالله المبارك وظل بقية عمره يقضي وقت فراغه في هذا الدكان حتى وافته المنية في فبراير 1977 «. ولد صالح جاسم محمد شهاب في مدينة الكويت في 1924 وتوفي بها في 1985 . بدأ تعليمه الأولي في 1930 في مدرسة أهلية هي مدرسة المرحوم عبدالله عبداللطيف العثمان وإخوانه. بعد ذلك بسبع سنوات انتقل إلى المدرسة المباركية التي أمضى فيها ثلاث سنوات انتهت بإرساله إلى البحرين. حينما عاد إلى بلده في 1942 حاملا دبلوم الصناعة ومتقنا اللغة الانجليزية عمل لمدة ستة أشهر كمترجم بين بعض المسؤولين في الشركة الأمريكية التي تعاقد معها المرحوم «حجي أحمد الأستاذ» لصناعة سفن خشبية من أجل تصديرها إلى إيران لنقل الدبابات والأعتدة العسكرية أثناء الحرب العالمية الثانية. بعدها التحق بسلك التدريس في معارف الكويت فتم تعيينه كمدرس للغة الإنجليزية في المدرسة الشرقية بدلا من الأستاذ «عبدالله زكريا الأنصاري» الذي كان قد ترك وظيفته للعمل مع «خالد عبداللطيف الحمد» وإخوانه. وبحلول 1962 كان شهاب قد تنقل كمعلم للغة الإنجليزية والتربية البدنية والاناشيد المدرسية في مدارس كويتية عديدة مثل القبلية، المباركية، الصباح، العمرية، خالد بن الوليد واكتسب خبرة أهلته ليكون ناظرا لمدرسة الرشيد في منطقة الدسمة. وما بين عامي 1964 و1965 شغل شهاب منصب الوكيل المساعد للثقافة والنشر والسياحة في وزارة الإعلام، ثم صدر في عام 1981 مرسوم أميري بترقيته إلى وكيل وزارة مساعد لشؤون السياحة، وهو المنصب الذي ظل يشغله حتى وفاته التي أحزنت الكثيرين لما كان يتحلى به من صدق ووفاء وأصالة وكرم. والمعروف ان شهاب قد ارتبط اسمه في بلده بالسياحة، بل أطلق عليه لقب «عميد السياحة في الكويت ودول مجلس التعاون الخليجي» كونه نجح في تغيير نظرة الناس إلى السياحة الداخلية، وأبدع في خلق ونشر فكرة الترويج السياحي في الكويت من خلال إقامة البرامج المتنوعة طوال موسم الصيف، الأمر الذي انتعشت معه حركة الأسواق والفنادق والمطاعم والمسارح ودور السينما والأندية والمراكب السياحية والمتاحف. وقد عزا البعض هذا النجاح الى جولات شهاب الكثيرة حول العالم وحرصه على الاستفادة من تجارب الأمم الأخرى لجهة تغيير ما يــُعتقد أنه غير قابل للتغيير. دعونا الآن نلقي نظرة على ما دونه شهاب عن ذكرياته في البحرين منذ اللحظة التي وطأت فيها قدمه بلادنا طبقا لما هو منشور في كتاب «تاريخ التعليم الصناعي في مملكة البحرين». يقول شهاب: «توجهنا إلى البحرين على ظهر باخرة كان اسمها «بربيتا» أو«دواركا»، وعندما غادرنا الكويت ظهراً قضينا تلك الليلة على فرش متواضعة على «سطحة» الباخرة وقد تكرم علينا بها الأخوة الكويتيون المسافرون بنفس الباخرة بعضهم إلى كراتشي والغالبية إلى بومبي». ويضيف: «ما أن بلغت الساعة التاسعة من صباح اليوم التالي حتى بانت لنا معالم البحرين، تتضح شيئاً فشيئاً بنخيلها الباسقات ومينائها الذي يكتظ بسفن «القطاعة» الكويتية، واللنشات المحملة بالعديد من البضائع والمواد الغذائية التي وجدت البحرين أسواقاً رائجة لها، ولم تكن هذه المعالم واضحة الرؤية لكون الباخرة راسية في البحر، وبعد ساعة من وصولنا شاهدت العديد من اللنشات تتجه صوبنا تتقدمها اللنشات الحكومية الخاصة بإجراءات الصحة والجوازات، واللنش الخاص بشركة «كري مكنزي». ويواصل قائلا: «لمحنا من ضمن القادمين نحو الباخرة رجلا يرتدي الزي الأوروبي وعلى رأسه الحطة والعقال، فقال أحدنا يبدو أن هذا الرجل هو المبعوث القادم لاستقبالنا فتعالوا نسهل عليه المهمة ونقف صفاً واحداً في مكان بارز وبعيد عن بقية الركاب. ولأننا كنا نتميز بأناقتنا وجمال هندامنا ونظافة ملبسنا والعقال الأسود الذي كنا نلبسه لأول مرة والسترة القصيرة التي جاءت منسجمة مع ثوب الصوف الجديد «الدشداشة» إضافة إلى الساعة التي تزين معصمنا ولا يلبسها إلا كل ذي حظ عظيم، فقد سهلت هذه الصور على المبعوث أن يتعرف علينا ويبادرنا بعبارة «الحمد لله على السلامة» بمجرد صعوده إلى الباخرة، فعرّفناه على أسمائنا، وهو عرّفنا على نفسه ومركزه فإذا به «كمال قاسم المهزع» سكرتير مدير معارف البحرين الإنجليزي «أدريان فالانس». أما عن المكان الذي أختير لإقامتهم في البحرين فيروي قائلا: «قادنا المهزع إلى بناية مكونة من دورين في أحد الأسواق التجارية، وكان الدور الأول عبارة عن مجموعة من الدكاكين. أما الدور الثاني فكان يتكون من قسمين أحدهما يشغله «نادي المختلط الرياضي» وقد كان كمال المهزع سكرتيرا له، والقسم الآخر كان يحتوي على غرفتين شغل كل إثنين منا واحدة منهما. ونظرا لعدم وجود مطبخ مجهز لإعداد الطعام تم الاتفاق بين معارف البحرين، وأحد المطاعم القريبة من البناية وهو مطعم «عباس العراقي» لإمدادنا بالطعام، وكان موقعه مقابل مطبعة «عبدالله الزايد». ومما يتذكره شهاب أنه في يناير 1957، أصدر حاكم البحرين الشيخ سلمان بن حمد بن عيسى آل خليفة، قراراً بإعادة تشكيل مجلس المعارف، وإسناد رئاسته إلى نجله الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة الذي كان قد أمضى خمسة أشهر في بريطانيا في عام 1956 من أجل الإطلاع على أساليب وبرامج التعليم الحديثة ونظام إدارة المدارس في بريطانيا، لذا فإن سموه بعد عودته من تلك الرحلة كان محملا بالكثير من الأفكار الخلاقة التي لعبت دورا فعالا في تطوير التعليم في البحرين. وأكسبت سموه ثقة وتقدير الجميع وعلى رأسهم أعضاء مجلس المعارف وقتذاك وهم: صادق محمد البحارنة، محمد يوسف جلال، الشيخ خالد بن محمد آل خليفة، والحاج عبدالله بن خميس الشروقي. ولا يجد صالح شهاب حرجا في الحديث عن مستواه التعليمي المتدني اثناء دراسته في الكلية الصناعية بالبحرين فيقول «لقد حصلت على شهادة البرادة ولكنها بدرجة «مقبول»، لأني وجدت نفسي في هذه الكلية ربما أصلح لأي شيء عدا أن أدْرس الميكانيكا والتكنولوجيا، فقد شعرت بحيرة وضائقة كيف أنني ورطتُ نفسي لدراسة شيء لا أرغبه ولا أحبه، ولكن الذي دفعني إلى هذا المركب الصعب تعلقي بحب البحرين». ويضيف: «إن أكثر ما ضقت به ذرعا هو التمارين التي كانت تعطى لنا باستعمال «المبرد».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها