النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

مطارحات

من أجل بناء قدر سياسي مشترك

رابط مختصر
العدد 9067 الأربعاء 5 فبراير 2014 الموافق 5 ربيع الثاني 1435

تقوم الثقافة الطائفية على التمييز والإقصاء والعزلة والانغلاق وعدم القدرة على الاستماع للآخر، وبالتالي عدم القدرة على إدارة أو اجراء حوار حقيقي وعميق للوصول الى حلول لأي ازمة أو خلاف في وجهات النظر السياسية، وذلك لأن الحوارات في سياقها الطبيعي وخارج الأفق الطائفي تعلو فيها مرجعية المصلحة الوطنية العليا على جميع المرجعيات، ولكن في الحالة الطائفية لا يكون للعامل الوطني أي اعتبار. فعندما يتعلق الأمر بتوزيع المسؤوليات والمناصب، تستدعي المصلحة الوطنية أن يكون المعيار الرئيس هو الخبرة والكفاءة بغض النظر عن طبيعة انتماءات المواطنين، ولكن في الحالة الطائفية، فإن الكفاءة ليست ابدا معيارا، ولكن التوزيع الطائفي للمناصب هو المعيار، وهذا بالضبط ما يحدث في النموذج اللبناني على سبيل المثال، وهذا ما يحاول البعض أن يقودونا اليه، من اجل أن تتحول الحياة السياسية إلى عمليات ضغط أو عنف او ابتزاز بالتناوب بين الجماعات الطائفية إزاء بعضها البعض دفاعاً عن مصالحها الخاصة، فيضمحل شأن المواطن كفرد، فلا يعود لآرائه أو مواقفه الفكرية والسياسية أي قيمة. وبذلك تتلاشى الدولة بمفهومها الحديث وأجهزتها العصرية فيغيب مفهوم المؤسسة السياسية المدنية التي من المفترض أنها تسهر على خدمة المواطنين وعلى راحتهم وكراماتهم وحياتهم، ويطفو على وجه هذا الخليط المتنافر من الجماعات الطائفية المتعايشة بالإكراه صوتها فقط، فتضطر القوى الأجنبية إلى الاتصال بها والتعامل معها بالتجاوز للدولة. هكذا يريدون الدولة: محاصصة بدلا من الكفاءات الوطنية، مكرهة بشكل دائم على انتهاج أسلوب التفاهمات المحاصصية، وفي كل مرة تتعرض فيها مصلحة من المصالح الفئوية الطائفية للخطر يهتز المجتمع كله وتضطرب الخواطر، ويخيم على البلاد جو من المتوتر المشحون. وفي غمرة الحرص على تأمين التوازن الطوائفي يتلاشى الوطن وتتبخر فكرة الدولة وتضيع فكرة المصلحة العامة، وهذه الحالة هي أساس الشر ومكمن الداء، ولولاها لما وجد الخارج مدخلا يدخل منه، حيث تعيق الطائفية تأسيس المجتمع المدني الحقيقي الذي يعمل على أساس وطني «وليس على أساس فئوي»، بما يشوه العمل السياسي بجعله معبرا عن الطائفة، ومعرقلا لتكوين الوعي الوطني المستند إلى مفهوم المواطنة المتساوية، بالسعي إلى تجزئة هذا الوعي وتحويله إلى وعي فئوي يعبر عن مصالح طائفية ضيقة، بما لا يساعد على إنتاج الحداثة أو فهم الإسلام فهما حداثيا، أو التقدم نحو بناء الدولة الوطنية الديمقراطية «دولة المواطنة».. ولذلك يحتاج التخلص من هذه الثقافة إلى التحرر من سلطة المرجعيات المقدسة التي أدت وما تزال تؤدي دورا طائفيا وأصبحت عبئا على الدولة والمجتمع وجزءا من المشكلة وليست جزءا من الحل. إن السّمة الأكثر تعبيرا عن طبيعة الدولة الديمقراطية هي التحديث المجتمعي والمواطنية، وبالتالي فان العمل الديمقراطي يجب ان ينهض على أساس برنامج وطني مشترك، ولنسمه القدر السياسي المشترك الذي يشمل: الثوابت الوطنية والحرية والتعددية والإصلاح وحقوق الإنسان واحترام القانون ورفض العنف بكل أشكاله، ومشاركة المرأة في الحياة السياسية، والمحافظة على السلم الأهلي والتسامح والوحدة الوطنية.. وإذا وقفنا على المجال البرنامجي المشترك لدى مختلف القوى السياسية «عدا الإقصائيين في مختلف التيارات والجمعيات والاتجاهات» لوجدنا أنه يتمركز على تمسّك وثيق بمكاسب الدولة العصرية ومنظومة الحقوق المدنية المعززة بإنجازات ملموسة على الأرض في مختلف المجالات «المساواة بين الجنسين، تعميم التعليم العصري، التسامح الديني والمذهبي...» وفي هذه الحالة تصبح العلاقة محكومة بنوع من الشراكة بين الطرفين داخل منظومة مرجعية، والسلطة بهذا المعنى لا تنحصر فقط في فكرة التغاير بل تدخل في مجال المشترك مع مختلف مكونات المجتمع السياسية والاجتماعية، وهي بهذا المعنى تتحالف – أو يفترض أن تتحالف- مع كافة القوى الاجتماعية والثقافية والسياسية التي تعمل ضمن الثوابت وتعمل على تعزيز الدولة العصرية المستنيرة المنتمية إلى العام الجديد. وبهذا المعنى تستدعي العلاقة مع الشريك المختلف او المؤتلف ثقافة جديدة واستعدادا لانفتاح وجرأة في العمل السياسي الذي يستهدف تحصين الجبهة الداخلية قبل كل شيء، وضمان إجماع وطني حول رفض الفوضى والعنف والخروج عن القانون، بحيث لا يعقل أن يتم تبرير العنف والتعدي على القانون من قبل جمعيات سياسية تريد أن يكون لها شأن في الحياة السياسية مثلا. ولا شك أن مثل هذا المنهج، يجعل من الفهم الدقيق والعلمي للاستحقاق السياسي وأولوياته مدخلا ضروريا لبناء العلاقة السياسية بين مختلف الأطراف العقلانية، والتي تنظر إلى السياسة على أساس أنها فن الممكن، بما يؤدي إلى بناء إطار عام للعمل الوطني ضمن القدر السياسي المشترك والذي يتطلب التقاء واسعا وتوحدا صلبا حول عناصره الكبرى، ضمن حوار مؤسسي محكوم بذات التوازنات التي أنتجتها دولة الحداثة من آليات انتخاب واستشارة وسجال ونقد بناء واحترام متبادل وابتعاد عن الابتذال والسخافة التي تسود الكثير من الممارسات والتصريحات والتهديدات التي تجري في الساحات المفتوحة أو في الفضائيات او على المنابر والتي من شأنها ان تزيد من الاحتقان وتصعب عملية المصالحة والوفاق الوطني .. إن الشراكة داخل الاختلاف هي المطلوبة حاليا وفي المستقبل لإنجاح التجربة الديمقراطية وعدم الإجهاز عليها، وهي تستدعي إجرائيا جملة من الشروط أهمها الاحترام المتبادل بين الأغلبية والأقلية، والاحتكام المتبادل للقانون، والمساواة الكلية في الفرص بين العناصر المشكلة للنسيج المجتمعي، حتى وإن اختلفت زوايا نظرها للقضايا العامة وأساليب إدارتها ومباشرتها وحلّها، وهو أمر لا نخاله بعيد المنال..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها