النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

مطارحات

محتكرو الوطنية والإيمان والحقيقة

رابط مختصر
العدد 9065 الأثنين 3 فبراير 2014 الموافق 3 ربيع الثاني 1435

كلما دار الحديث عن الحوار ذكرت معه ثقافة الحوار المعدومة أو شبه المعدومة في حياتنا، أسرة ومجتمعا ومؤسسات مجتمع مدني، ولذلك فإننا عندما ننشد الحوار دون ثقافته ومناخاته ومولداته الفكرية الفردية والجماعية، كأنما نتكلم عن مجرد حالة فيزيائية، لا تتعدى الظاهرة الصوتية إلى الحالة الثقافية – الفكرية. فغياب ثقافة الحوار ببعدها المعرفي والفلسفي والإنساني هو ما يثقل كاهل المتحاورين في عالمنا العربي قاطبة، هذا إذا ما جنحوا للحوار اصلا «مخيرين أو مضطرين». وتلك بلوى مركبة. فالحوار في الأصل، وضمن التأسيس الفكري له، يعني بالضرورة الخروج من عزلة الفردية إلى العدد والكثرة: الحوار يبدأ من رقم اثنين على الأقل، وهذا يستدعي القبول بالآخر وجودا وفكرا وثقافة وعقيدة ومساهمة، والحوار يعني أن الحقيقة موزعة بين العقول والأفهام، وليست ملكا لفرد أو مذهب أو جماعة، وهو يعني رفض التعصب والقبول بحق الاختلاف باعتباره مدخلا للمعرفة، ومن هنا يمكن التقرير دون عناء أنه لا يستطيع أي كان أن يدعي أنه يمتلك وحده الحقيقة كاملة ولا اليقين المطلق، لأن كل الثقافات والحضارات الموجودة على وجه الأرض تمتلك جزءاً من هذه الحقيقة، ويفضي بنا هذا التأسيس - إذا كان محل إجماع - إلى القول بأنه لا حوار بدون تسامح «بمعنى القبول بتواجد الأفكار الأخرى وتعايشها معا وبحقها في الظهور والمشاركة». فالفيلسوف اليوناني سقراط قد ارتبط اسمه بالحوار حتى أصبحت طريقته الفلسفية والتعليمية تُعرف بالحوار السقراطي، وكذا تلميذه أفلاطون الذي ألف كتبه في صورة حوارات بنقل الجدل من معنى المناقشة الفارغة إلى معنى المناقشة التي تولد المعرفة، وفي العصر الحديث أقام الفيلسوف الألماني هيجل فلسفته المنهج الجدلي، بمعنى الإقرار بحركة تطور الفكرة إلى نقيضها، ومن هذا النقيض تتولد فكرة جديدة، وهكذا يبدأ العقل في محاورة نفسه أو في محاورة الآخر، ولا يمكن في هذا السياق أن تغيب عن أذهاننا دعوة الإسلام الصريحة إلى الحوار والمجادلة بالتي هي أحسن.. كما تبلورت قيمة الحوار من خلال المتغيرات التي حصلت على الصعيد العالمي ضمن ثورة الاتصال والتواصل، والقضاء التدريجي على الحدود والحواجز، حيث ظهرت آليات واستراتيجيات جديدة تسمح بانفتاح الثقافات والحضارات على بعضها البعض فأصبح قبول الآخر والحوار معه مطلباً مجتمعياً وكونياً ضروريا وحتميا ولا مناص منه، ومدخلاً مهماً لمستلزمات المثاقفة الكونية، وهذا ما أكده جاك ديلور في تقريره الشهير عن التربية في القرن الحادي والعشرين ما أسماه بالبعد الرابع في العملية التربوية، وهو « تعلم العيش مع الآخرين والتحاور معهم. بما يجعل «عالم الغد مختلفاً بعمق عن العالم الذي نعرفه اليوم، حيث يرتبط الوعي بحتمية الحوار بين الأديان والثقافات والشعوب وتجاوز النزعات الدوغمائية المغلقة والانفتاح على فضاء أرحب غني بتنوعه الثقافي والروحي والإنساني». ومن خلال هذه الخلفية الفكرية لا يجب ألا يكون الآخر جحيماً نخاف منه، بل بالعكس من ذلك يجب أن يصبح حافزاً على الحوار والتفاهم، لأن اكتشاف الآخر فعل ايجابي، باعتباره اكتشافا لعلاقة وليس لعائق، فالفكر الديمقراطي يفترض الحوار والتفتح على الآخر ونبذ الفكر الأوحد، وهذا يعني أن نشر ثقافة الحوار وقبول الرأي الآخر مرتبط بترسيخ الديمقراطية كمرجعية لتفكير الأفراد وسلوكهم في مختلف المؤسسات الاجتماعية. ومواكبة لذلك يمكن للمؤسسة الجامعية أن تلعب أدواراً مهمة في ترسيخ المبادئ والقيم الإنسانية والحضارية المعاصرة، ومن بينها الحوار وقبول الرأي الآخر، فإذا كانت الحروب والكراهية تنشأ في عقول البشر قبل أن تُنفذ، فينبغي على المؤسسات التعليمية والمجتمعية أن تعمل على انتزاعها من عقول الناشئة بواسطة التربية على الحوار والتفاهم والتعاون، وبذلك تصبح التربية والثقافة سنداً لبناء المشروع الديمقراطي، ونواة للمشروع المجتمعي المتسامح الخالي من الفكر المتطرف الذي أصاب بعض الناشئة ودفع بهم إلى التعصب والكراهية والعنف، بعد ان نجح التيار الطائفي المتطرف الذي يدعي احتكار «الإيمان» و»الجنة» و»الوطن» والحقيقة في تخريب بنية التسامح المجتمعي. ويصبح الخطر مضاعفا عندما تتحول هذه الثقافة «المتعصبة» إلى لحظة «الانفجار» نتيجة التحريض المستمر من قبل المنابر الدينية والسياسية والإعلامية والفضائيات والمواقع الالكترونية المنتشرة، فتكون المحصلة النهائية: تهيئة بيئة مجتمعية متعاطفة مع ثقافة الكراهية، ويقود ذلك الى الإرهاب الذي ينبت في مجتمعاتنا، استنادا الى بناء فكري مريض، ومفاهيم دينية مغلوطة، ومن الطبيعي ان يكون الإرهابيون أبناء خطاب ثقافي - طائفي مشحون بكراهية عميقة وليسوا مجرد حمقى أو مرضى أو جهلة أو مغرر بهم، مثلما يقال في الغالب. جملة مفيدة: الاختلاف سنة الحياة وسنة الله في خلقه ولكن هنالك خط فاصل بين عقلية التخلف والعقلية المتحضرة في هذا المجال فالأولى تحول الاختلاف الى عداوة وقتال بلا هوادة، والثانية تحول الاختلاف الى مصدر للتنوع والثراء الفكري والاجتماعي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها